أتر

الهيمنة الثقافيّة وآفاق التحرّر: قراءة في مفهوم «الأصالة الثقافيّة الأفريقيّة» عند عبد اللّه بولا

عرضٌ لكتاب «مفهوم الأصالة الثقافيّة الأفريقيّة: قضايا وإشكالات منهجيّة»، عبد اللّه بولا، دار رفيقي للطباعة والنشر، جوبا: 2025.

يقدّم كتاب «مفهوم الأصالة الثقافيّة الأفريقيّة: قضايا وإشكالات منهجيّة» للباحث والمفكّر والفنان التشكيلي عبد الله أحمد البشير-المعروف بـ(عبد الله بولا)- تصوّراً مختلفاً لعدة قضايا، رغم تركيزه على مفهوم «الأصالة الثقافية» باعتباره موضوعاً رئيساً للكتاب. يتناول الكاتب مجالات مختلفة للتعبير الثقافي مثل: الفلسفة، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم الجمال، وقد أنجز بولا عبرها دراسةً عميقةً لعدة قضايا من بينها قضية «الهيمنة الثقافية».

​يشير مفهوم «الهيمنة الثقافية» إلى العمليات التي تلجأ إليها السُّلطة المهيمنة لإدامة سيطرتها على العالم الذهني للشعوب الخاضعة للهيمنة السياسية من خلال الثقافة، أيْ من خلال الكيفية التي يُدرِك بها الشعبُ نفسَه وعلاقتَه بالعالم، والأدوات التي يعرّف بها هويتَه الذاتية في علاقته بالآخرين. ويجري ذلك عبر التحكّم في المجال العام ومَصادر الوعي، مثل التعليم والإعلام والتنظيمات الثقافية، التي تتصدّى لمهمة استيعاب الشعب وإدماجه في المستوى الثقافي والسياسي للطبقة المسيطرة.

​ومن خلال كتاب بولا حول مفهوم «الأصالة الثقافية الأفريقية»، نلاحظ الحضور الكثيف لمفهوم «الهيمنة الثقافية» في سياق تناوُله للأثر الاستعماري القديم والجديد على الشعوب الأفريقية، والطريقة التي هَيمَن بها الاستعمار على هذه الشعوب، وذلك عبر فَرْض إطار معيَّن لتعريف الأفارقة لأنفسهم، والتحكُّم في رؤيتهم للعالم. ولفهم موقع الهيمنة الثقافية للاستعمار عند بولا، يجب الإشارة إلى أنّ الكاتب قدَّم رؤية متكاملة للاستعمار كبنية متكاملة؛ ففي «بُعدها الاقتصادي تقوم على ركيزتين: إنتاج وتصدير المواد الخام، واستقبال وتوزيع الإنتاج البضاعي المصنّع في البلد الرأسمالي المستعمِر. وتقوم في بُعدها الاجتماعي على التحكّم بحركة المجتمعات المستعمَرة وإعادة صياغة تركيبها بغرض إخضاعها وتسييرها في اتجاه التبعية للمستعمر. كما تقوم في بُعدها الثقافي على تشويش وعي الشعوب، وتزوير إرادتها من خلال «ميكانيزمات» التكيّف والبثّ الأيديولوجي الظاهرة والخفية (الدعاية، الإعلام، التعليم، والفن بمجالاته المتعددة)». ووفقاً لذلك، قسَّم بولا الهيمنة الثقافية للاستعمار -حسب الأدوات والتكتيكات التي لجأ إليها للسيطرة على طرق تفكير الناس- إلى مرحلتين:

مرحلة التعالي والإنكار: في هذه المرحلة من الحقبة الأولى من الاستعمار -وفقاً لبولا- كان الهدف تسويغ الاستعمار على أنّ غايتَه جلبُ الشعوب غير الأوروبية إلى طريق الحضارة، وإنقاذها من مرحلة البدائية والتوحّش. في تلك المرحلة، نُظِر إلى الشعوب الأفريقية باعتبارها شعوباً بدائية ومتدنّية، مقارنة بمستويات الحضارة والثقافة الإنسانية، وأُنكِرت قدرتُها على إنتاج القيم الرفيعة والمساهمة في تاريخ الإنسانية الحضاري.

​عملت مؤسّسة التضليل الاستعمارية خلال تلك الفترة على غرس الإحساس بالدونية وسط الشعوب الأفريقية، وتفوُّق واستعلاء الرجل الأبيض وثقافته الحضارية. وتمثّلت أدوات الهيمنة الاستعمارية في فَرْض لغاتها بوصفها لغات أولى في مجالات الإدارة والتعليم، بهدف تكوين موظفين يديرون الجهاز الإداري وفق منطق الطاعة للسلطة الاستعمارية، وإنتاج نخبة متشبّعة بثقافة الدول المستعمِرة؛ تتباهى بامتلاك السلع المصنَّعة في بلدان المستعمِر. وتتمثّل نماذج الهيمنة الثقافية في الممارسات الاستعمارية التي اتّبعَتها دول مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال.

مرحلة التمثّل والاحتواء: يحلّل بولا الظروف السياسية والاقتصادية التي أدّت إلى نشوء الطور الثاني للهيمنة الثقافية في شكل الحكم غير المباشر. فقد ارتفعت تكلفة المحو والاستلاب لثقافات الأفارقة نتيجةً للمقاومة الشرسة لشعوب العالم الثالث لغطرسة الاستعمار في مرحلة هيمنته الأولى المباشرة مادياً وأدبياً، ما دفع الدول الاستعمارية إلى تغيير استراتيجية السيطرة واللجوء، إلى احترام التقاليد الأصلية لكسب ولاء المجتمعات وضمان طاعتها بطرق أكثر نعومة.

​وفي هذا السياق، نشأ علم الأنثروبولوجيا في بعض مراكز إنتاج الأيديولوجيا الاستعمارية، وظهرت اتجاهات تُعارض نزعة الاستعلاء القومي الأوروبي وتعترف بخصوصية تقاليد الشعوب الأفريقية الثقافية والاجتماعية. غير أنّ هذا الاعتراف كان -في نظر بولا- يهدف إلى إدماج اتجاهات الشعوب الأصلية في البنية الاستعمارية، وأنّ المقصود بالمفهومين «الأصلي» و«الحقيقي» إنما هي العناصر الثقافية التي لا تتعارض مع جوهر المشروع (أي العناصر المحافظة والمقاومة للتغيير والتقدّم الاجتماعي والثقافي). لذا، غذّى علم الأنثروبولوجيا الاستعماري الطابعَ الرومانسي للثقافات الأفريقية، بمعزل عن الظروف السياسية والاقتصادية للاستعمار، وحَصَر ثقافات الشعوب الأفريقية داخل مفهوم ضيّق للأصالة، خالٍ من أي مضمون تحرّري، وعاجز عن تقديم مشروع للنهوض الحضاري والاجتماعي.

​ثم يوضح كيف هيمَن هذا المفهوم الاستعماري للثقافة على رواد حركة الثقافة المعاصرة في أفريقيا، أولئك الذين عملوا على تمجيد البدائية وعالم أفريقيا الأسطوري قبل الاستعمار، والانطواء على إنجازات الأسلاف، والانغلاق في دائرة مفرغة من الاستنساخ، بحجة «استلهام التراث»، ما أوقعَهم في المأزق المنهجي بأنّ ثقافات أفريقيا تاريخية وعاجزة عن إنتاج معرفة معاصرة.

​وفي هذا الإطار، تندرج دراسة القس البلجيكي «بلاسيد تمبلز» حول «فلسفة البانتو»، الذي قدمّ دراسة احتوت معطيات الحياة الثقافية لمجتمع البانتو ورؤية شاملة للكون وللحياة، مستنبطة من تأويل الأعراف والتقاليد والأمثال، يمكن تسميتها «فلسفة البانتو». وقد جادل عبد الله بولا هذه الأطروحة من خلال مناقشة آراء مجموعة من الكُتّاب الأفارقة المؤيّدين والرافضين لأطروحة تمبلز. ووفقاً للكاتب، فإنّ فرضيات تمبلز تُرسِّخ الفهم الاستعماري بأنّ هناك منظوراً زنجياً للعالَم، في مقابل منظور الرجل الأبيض؛ وتدمغ المنظور الزنجي بأنه أقلّ منطقية وأضعف استدلالاً، وأنه يقوم على مفهوم متحرّك وميتافيزيقي للكون، ولا ينظر في الأسباب الموضوعية الاجتماعية أو الطبيعية التي تنتج أوضاع البؤس، إنما يقوم على مفهوم التسيير ومفهوم القضاء والقدر، لتنتفي بذلك عن البانتو أيّ إرادة أو مسؤولية عن أفعاله. ينتقد الكاتب تصوُّر تمبلز للفلسفة السُّلالية، فالأفارقة -وفقاً لبولا- شأنهم شأن سائر شعوب الأرض، ينظرون إلى الحياة من زوايا مختلفة تتباين بحسب مصالحهم ومواقعهم الاجتماعية وقدراتهم المعرفية ونصيبهم من التجربة والتحصيل.

​يستنتج الكاتب أنّ الدافع الأساسي لمجهود تمبلز هو تمكين المستعمِرين من فهم عقلية البانتو، للسيطرة عليهم، ونشر أُكذوبة أنّ الاختلاف البديهي في العمر الحضاري، والملابسات الزمانية والمكانية الخاصة بثقافة أي جماعة بشرية، تترتّب عليه أساليب مختلفة في معالجة المشكلات. ثم يتحسّر الكاتب على أن طلائع مثقفي حركة التحرّر الوطني -والأفارقة منهم بصفة خاصة- سَلَّموا بتلك الفرضية دون فحص وتبصُّر بالمقاصد البعيدة لهذا الفهم.

​وتختلف الدراسات حول مفهوم «الفلسفة الأفريقية»، ومدى صحة إطلاق هذه التسمية على الأنساق الثقافية التي تعبّر عن رؤى المجتمعات للحياة والوجود ومفهوم الإنسان (مثل مفهوم أوبونتو). وينبع مصدر الاختلاف من مدى ملاءمة الثقافة الأفريقية -المتجسِّدة في الحِكَم والأمثال والأساطير المتعلّقة بالخلق والوجود- للمعايير العامة للفلسفة؛ مثل إمكان دحض الأفكار، وفردية الاقتناع، والتدوين، وغيرها.

​يمكن الإشارة إلى أنّ مفهوم «التأصيل»، في سياق التحرّر الوطني عند طلائع قادة الحركات ومثقّفيها، قد اتخذ مواقف مختلفة لا يمكن جمعها في سلّة واحدة؛ إذ أنّ جزءاً كبيراً منهم وقع في فخّ التأصيل وفق المنهج الاستعماري، كما أشار الكاتب، وجزء حاوَل استلهام التراث في حركة التحرّر الوطني والتقدم الاجتماعي، وجزء قدَّم فهماً متقدّماً للتأصيل مثل «أميلكار كابرال».

​لفهم رؤية الكاتب الكاملة لمسألة الهيمنة الثقافية وكيفية التحرّر منها، لا بدّ من النظر إلى أفكاره المذكورة حول آفاق التحرّر، وتحديداً مسألة التعليم، وتقديم رؤية مختلفة للتأصيل في سياق التحرر الوطني.

​يستند مفهوم «التحرير» عند بولا إلى الحدّ من الاستعمار الحديث بأشكاله الخشنة (السياسية والاقتصادية) والناعمة (الثقافة والأيديولوجيا والتعليم). إذ إنّ التحرّر من البنية الاستعمارية لا يقتصر على خروج المستعمِر المحسوس في شكل «حفل كوكتيل»، لتسليم وتسلُّم السلطة -كما وصف الكاتب عملية الاستقلال الشكلي- وإنما التخلّص من جميع عناصر البنية التبعية التي خلقها الاستعمار من فئات البيروقراط والتكنوقراط التي تدير جهاز الدولة الاستعماري لحماية رأس المال الأجنبي، ورأس المال المحلي المرتبط به، للتحكُّم في القرار السياسي والاقتصادي والتنموي، وتوجيهه إلى مصالح الاستعمار والفئات المرتبطة به. ويُستكمَل ذلك بالقرار الثقافيّ المعنيّ بتوظيف التعليم والإعلام ومؤسّسات التعبير الثقافي في البثّ الأيديولوجي والتكييف النفسي، الذي يسوّغ التبعية ويعيد إنتاج بنيتها على مستوى القيم والمفاهيم.

​في معركة التحرُّر من الهيمنة الثقافية، يشير الكاتب إلى الدَّور الجوهري للأفكار والمفاهيم في عملية التحرّر الثقافي والاجتماعي والسياسي؛ فهي مفاتيح حيازة الوعي. فالتحرّر وفقاً للكاتب عملية جدلية بين حركة الواقع وحركة الفكر، لأنّ التحرير عمل تنجزه الجماهير، كذوات فاعلة وواعية، من أجل الجماهير.

​تتقاطع رؤية الكاتب مع «كابرال» و«نغوغي وا ثيونغو» في كيفية تشكُّل الهيمنة الثقافية عن طريق أداة التعليم الاستعماري، الذي أنتَج شرائح من الطبقة الوسطى الأفريقية على قِيم الطبقات الأوروبية الحاكمة من خلال التعليم والأدب والثقافة، وتقديم القيم البرجوازية الأوروبية بوصفها قيماً كونية، ترقى فوق الثقافات المحلية؛ وذلك لإمداد الجهاز الإداري بموظّفين يتكلمون لغة المستعمِر (مثل الإنقليزية والفرنسية والبرتغالية)، يقدّمون الطاعة العمياء والتقديس الشديد لضوابط الإدارة الاستعمارية، ويتباهون بامتلاك المنتجات المصنَّعة في البلد المستعمِر، مع تنمية الشعور بالامتياز والتعالي على ما هو وطني.

​يشكّل التعليم مبدأً أساسياً للتحرّر من الهيمنة الثقافية الاستعمارية. ووفقاً للكاتب، يتحقّق ذلك من خلال الانفكاك من أَسْر مؤسسات الاستغلال والتغريب والقهر، التي تكرّسها المؤسَّسة التعليمية في غالبية بلدان القارة الأفريقية. فهذه المؤسَّسات تعيد إنتاج البنية الاجتماعية والاقتصادية التابعة، القائمة على تصدير المواد الخام واستيراد السلع الاستهلاكية، كما يهدف نظامها التعليمي إلى دمج الناشئة في نظام التبعية القائم.

​وقد قدّم الكاتب رؤيةً نقديةً لإشكال التعليم من أجل التحرير، مستعرضاً تصوّر «كوامي نْكُروما» في غانا للتعليم؛ بوصفه عنصراً أساسياً في البناء الثوري، ويرى أنّ هذا التصور اتسم بمحدودية التفكير النقدي وبهامشية دَور الجماهير في صناعة العملية التعليمية. ثمّ انتقل إلى دراسة تجربة «جوليوس نْيِريري» في التعليم من أجل الاعتماد على الذات، حيث اتفق مع مضمون الفكرة العامة، لكنه اختلف مع آليات تطبيقها. بينما تتمثّل غايات التعليم في تحقيق التحرّر والحرية والمساواة، فإنّ الوسائل المعتمَدة لتحقيق تلك الغايات (والمتمثلة في الحزب والدولة) لم تكن منسجمة تماماً مع الأهداف.

​يطرح عبد الله بولا مفهوماً لـ«التأصيل»، في سياق التحرّر الوطني، يتجاوز المعالجة البائسة لمفهوم «الأصالة»، متفقاً مع تشخيصِ «فرانز فانون» للمشكلة («بينما ينصرف السياسيون إلى قضايا الواقع الحي، فإنّ رجال الثقافة يفضّلون التقوقع في أقبية التاريخ. إنّ الاستعمار لا يحفل كثيراً بالمثقف المستعمَر الذي يناهض نظرية البربرية السابقة للاستعمار»)، ومع نقدِه لمنهجية الأصالة بمفهوم المنجَز التاريخي الثابت.

​يقترح بولا مفهوماً للأصالة في سياق حركة التحرّر من القهر والتسلّط والاستغلال والاستبداد والتبعية والوصاية، كجزء من النضال النهضوي المفتوح للتعبير الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، غير مقلِّد لإنجازات الأسلاف بل معيداً لإنتاجها، ويقوم على:

  1. أن تكون العملية التعليميّة مبنيّةً على حكمة شعوبنا وتجاربها، بالنظر إلى إنتاج الشعوب الثقافي، لتُشكِّل مبدأً موجِّهاً للتأصيل.
  2. ​توسيع العملية التعليمية خارج إطار تحصيل الدروس، لتشمل تنمية المواهب، وإيجاد وسائط تعليمية مختلفة ومتنوعة.
  3. ​إقامة التعليم على مبادئ الديمقراطية والحوار والتعلم المتبادل، لتتشرّب الأجيال الجديدة على نحو متّصل بمبادئ التحرّر الإنسانية على نحو أصيل بحقّ.
  4. ​ردّ الاعتبار لثقافتنا، وإعادة حقّها الطبيعي إليها كمصدر من مصادر الحكمة والمعرفة، عبر توثيق التراث الشفهي.
  5. ​جعل جوهر الأصالة قائماً على نظام مفتوح وليس نظاماً جاهزاً مغلقاً.
  6. ​غرس الشعور العميق بالانتماء إلى التراث الإنساني عبر العملية التعليمية، وعدم النظر إلى ثقافات الشعوب الأخرى بفهم شوفيني يبخس من قدرات الآخرين، والكفّ عن مقارنة أفضلية ثقافة على ثقافة أخرى.

يُشكّل كتاب عبد الله بولا «مفهوم الأصالة الثقافية الإفريقية: قضايا وإشكالات منهجية» مرجعاً مهمّاً لفهم الهيمنة الثقافية في مراحل الاستعمار المختلفة، وتتجسّد قيمته في الأطروحات الجريئة لفهم قضية التأصيل من منظور المهيمَن عليه. لقد نجح الكاتب في تقديم رؤية نقدية للمفاهيم الخاطئة؛ تلك التي صاحبت حركة المقاومة الثقافية للاستعمار في إفريقيا، باعتبارها رافداً لوعي حركة التحرّر الوطني، وقدَّم إجابات عن أسئلة الواقع في كيفية استلهام التراث في عملية النهضة.

Scroll to Top