أتر

إعادة كتابة كونراد: رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للكاتب الطيب صالح

تَرجَم صلاح محمد خير هذه الدراسة عن: The International Fiction Review 23 (1996)، وعنوانها في الأصل: Reinscribing Conrad: Tayeb Salih’s Season of Migration to the North. والدراسة من تأليف ر. س. كريشنان، وتعمل في جامعة ولاية داكوتا الشمالية.

يَلمح القارئ في أعمال كُتّاب حقبة ما بعد الاستعمار، مثل سلمان رشدي وديريك والكوت وتشنوا أشيبي وآخرين، محاولةً لمقاومة الأسس الأيديولوجية للكتابات الإمبريالية وإعادةِ تفسيرها؛ وذلك مسعىً قد يُعْكَس فيه الموضوع التاريخي للخطاب الاستعماري، بل قد يُعْكَس فيه الخطاب ذاته. يتمثّل واحد من هذه الأعمال في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح. إنّ عمل صالح الروائي – الذي صدر في عام 1966 – مُهمّ، لاستملاكه الموضوعات التي ينطوي عليها عمل جوزيف كونراد قلب الظلمة: الرحلة إلى المجهول والسعي إلى الهوية الذاتية، وهو مهمّ أيضاً لمساعيه في مقاومة أبستمولوجيا اللغة والخطاب المُشار إليها في عمل كونراد، وإعادة تفسيرها، وتنقيحها، من منظور الآخر المُسْتَعْمر. في هذه العملية، يستعيد عمل صالح لنفسِه الأرضَ التخيّليةّ وموضوعةَ أفريقيا كونراد المُتخيّلة، ويُحِل محلَّ إعادةِ السّردِ ما بعد الاستعماري أسطورةً جديدة لأفريقيا، ولحكايةٍ استعمارية.

تُركِز موسم الهجرة إلى الشمال على سرد الراوي، الذي يشبه مارلو (الراوي في قلب الظلمة)، لقصة مصطفى سعيد المتقد الذهن والواعد، والذي تُجسِّد رحلته شمالاً إلى «قلب الضياء» الأوروبي – إنجلترا – من قريته السودانية، عكساً مُتعمَّداً لرحلة كيرتز داخل قلب الظلمة – الكونغو. تتّسم تجربة سعيد في إنجلترا، التي تشبه تجربة كيرتز في أفريقيا، بكراهية الذات واليأس والرغبة في الاندثار. بعد أن أمضى سبع سنوات في السجن بتهمة قتل زوجته الإنقليزية، جين موريس، وتحمَّل المسؤولية أيضاً عن انتحار ثلاث نساء أخريات أغراهنّ وتخلّى عنهنّ، ينسحب سعيد إلى قرية بالقرب من الخرطوم، في السودان، حيث يقيم – قبل أن ينتحر – صداقةً مع الراوي الذي يشبه مارلو ويجعله وصياً على أبنائه وزوجته، وحارساً لشعلته، ومستأمَناً على تفاصيل حياته الغامضة.

تستدعي موسم الهجرة إلى الشمال – بوضوح – ما ينطوي عليه عمل كونراد من أجواء وازدواجية والتباس، لكنها تشير ضمنياً إلى التناقضات الجليّة في محاولات كونراد نقد الثقافة الإمبريالية في عمله. بالنسبة لمساعي كونراد للخروج من إطار الخطاب، تُعدّ بلاغياتُ نقدِه نتيجةً لما يشير إليه إدوارد سعيد، قائلاً: «يكتب أجنبيٌّ مدركٌ لذاته عن تجارب غامضة، بلغة أجنبية»1. يصبح كونراد، رغماً عنه، مشارِكاً في الأيديولوجيا ذاتها التي يسعى إلى فضحها وتدميرها. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يقلّل من الطابع الإنساني لكونراد، لأنّ «نثر كونراد لا يجسِّد الإسهابَ غير المستحَقّ لكاتبٍ لا مُبالٍ، إنما يجسّد نتيجةً استثنائيةً وملموسةً لصراعه مع ذاته. إذا كان في بعض الأحيان يسهب في الوصف، فذلك لأنه أخفق في إيجاد طريقةٍ أفضل لتوضيح تجربته»2. لا يعني الإيحاءُ بذلك تجاهُلَ فهمِ كونراد وإدانتِه لآثار الاستعمار، بل يشير بالأحرى إلى التناقضات والاختلالات التي توجد في أية قراءة ما بعد استعمارية للعمل الروائي: قلب الظلمة.

تُشكّل أفريقيا، بصفتها مكاناً موحشاً وبدائياً؛ والظلمةُ بصفتها شرطاً أساسياً لموضوعة أفريقيا، الأساسَ الأيديولوجيّ لعمل كونراد، نظراً إلى أنه يشارك، على نحو حتميّ، في الخطاب الأوروبي المعاصر حول أفريقيا، كما يتجلّى في كتابات مُستكشِفين ورحّالة مثل مونغو بارك وآخرين3. من ثمّ، تؤطّر الأيديولوجيا المعاصرةُ التعارضَ القائم بين الهمجية (أفريقيا) والحضارة (الغرب)، الذي يجسِّد مجازاً راسخاً ومُلِحّاً يَسِم قلب الظلمة. نظراً إلى أنّ التبرير الذاتي للاستعمار يذهب إلى أنّ الاستعمار هو عملية تهدف إلى «تمدين» الهمجيين، فإنّ «الهيمنةَ الليبرالية لثقافةٍ من الثقافات»، كما يلاحظ ويلسون هاريس، «تصبح الركيزةَ الأساسية الجاهزة التي يُشَيّد عليها نظامٌ من أنظمة الاحتلال»4. ليس من المستغرب، إذن، أن يعزوَ كُتّابٌ، مثل تشنوا أشيبي، الانتقاصَ من أفريقيا في الخطاب الغربي إلى حاجة أوروبا «إلى تكريس أفريقيا بصفتها مكاناً مغايراً لأوروبا ويُشكّل نقيضاً قصيّاً ومألوفاً بغموض، في آنٍ معاً، مقارنةً بما سيتجلّى في حالة النعمة الروحية التي تمتلكها أوروبا»5. يستند حكي مارلو، في نهاية المطاف، إلى براعة المستمعين إليه في تبنّي مقولاته والتحقّق منها، في ما يتعلّق بالنظرة الأوروبية إلى أفريقيا، واهتمامه الخاصّ بالانحدار الهمجي الذي يمكن أن تنطوي عليه ذاتُه، وعلى نحوٍ فعَّال ذاتُ كيرتز. بهذا المعنى، على الرغم من محاولاته للتدليل على توظيفه الذي ينطوي على مفارقة ساخرة للتضادّ التقليدي القائم بين الظلمة والضياء، كما تلاحظ بينيتا باري، تستمرّ التناقضات في خطاب كونراد الروائي: «لكن، على الرغم من هذا التراجُع المهمّ عن الاستخدام التقليدي الأوروبي الذي يعمل على مساءلة الافتراضات الإمبريالية والكشف عن إساءة معرفتها، تحتكم الكتابة الروائية إلى ممارسة راسخة، تسجّل وجهة نظر نظامَين لا يُضاهَيَان داخل كون يتّسم بالثنائية، ومن خلال هذا تمنحُ – على نحو غير مباشر – استقامةً شاملةً لولاء عِرقيّ، من المتعذّر تبريرُه على نحو آخر».

تعمل تمثيلات كونراد للمشهد الأفريقي من خلال أساليب معقّدة ومتناقضة؛ وفي تداخُلها مع الكتابات الأخرى في ذلك الوقت، توحي هذه الأساليب بالتقارب التَخيُّلي للعمل مع الأخلاقيات الغربية الإمبريالية، حتى عندما يَنتقد العملُ الروائيُّ هذه الأخلاقيات. على سبيل المثال، في الصفحات الأولى من قلب الظلمة، يصبح مارلو صريحاً ومعترفاً بالدافع – الربح – الذي يحرِّك رغبة الأوروبيين لغزو العالم غير الأبيض. لكن، لا يمكن تحقيق تراكم الأرباح إلا إذا أقبَل المرء على إضفاء الصفات الحيوانية والشيطانية على المهزومين. يجسِّد تعليقُ مارلو حول العملاء الاستعماريّين تعليقاً كاشفاً تماماً: «كانوا غزاةً، ولا يلزمك لتحقيق ذلك سوى القوة الوحشيّة؛ لا شيء يدعو إلى الفخر عندما تتمتّع بالقوة، إذ إنَّ قوّتَك ليست أكثرَ من مصادفةٍ صرفة تنبع من ضعفِ الآخرين. نَهبوا كلَّ شيء من أجل النهبِ فقط. لم يكن أكثرَ من سطوٍ عنيف، جريمةٍ وحشية على نطاقٍ واسعٍ ارتكبَها رجالٌ أعمَتهمُ الثروة – تماماً كما يليق بأولئك الذين يغوصون في الظلام. إنّ غزوَ الأرض، الذي يعني سلبَها من أناسٍ ذي ملامحَ مختلفة قليلاً عن ملامحنا وأنوفٍ أكثر تسطيحاً من أنوفنا، ليس شيئاً لطيفاً عندما تتفكّرون فيه. ما يُسَوِّغهُ هو الفكرة فقط» (ق، 13)*.

تنهض مقاربة صالح في موسم الهجرة إلى الشمال، أولاً، على تبديل الإطار المشهديّ والحبكة في قلب الظلمة؛ إذ يتحوَّل النهر الموحش والمشؤوم، على نحو ملحوظ، في قلب الظلمة، إلى النيل، واهب العافية والحياة، في موسم الهجرة إلى الشمال، ويوازي تراجُعُ كيرتز، واستيعابُه التدريجيُّ لـ«الظلام الدامس» ولـ«رعب» حياته المعيشة، عنفَ مصطفى سعيد واعترافَه بـ«المأساة الوشيكة» في منفاه. وأكذوبة مارلو للحفاظ على النظرة الرومانسية لكيرتز عند خطيبته من خلال إخفاء حقيقة كيرتز عنها: «فلو أنني أخبرتُها لكانَ الأمرُ في غاية السوداوية والظلمة…» (ق، 74) تُعاد كتابتُها هنا لتشير إلى اعتراف الراوي بتقارُبه مع سعيد، لكنْ إلى رفضه في النهاية تبنّي رؤية سعيد الحالكة. وتُجسِّد عشيقةَ كيرتز السوداء زوجةُ سعيد الإنقليزية، جين موريس، التي تُعَلَّق صورتُها الغامضة في المكتبة السرّية في منزله بالقرية، ويصبح سياج فناء كيرتز المغطّى بالجماجم مجموعةَ كتب سعيد التي تحتوي على مجلّدات من الأعمال الأوروبية بجانب كتبه، ولكنْ من دون «كتاب عربيّ واحد. مقبرة. ضريح. فكرة مجنونة» (م، 139)**.

خارج إطار تلك المعكوسات التي تنطوي على المحاكاة، يركِّز صالح على إعادة تفسير وإعادة اكتشاف رسم الخرائط الإقليمية في رواية كونراد. تتحوَّل حركة الاتجاهات في قلب الظلمة إلى رحلة سعيد التي تبدو طقوسيّة إلى الشمال – إلى لندن، أوروبا – وعودته في نهاية المطاف جنوباً إلى أرضه وشعبه، وكذلك رحلة الراوي الموازية شمالاً والعودة منها، عبر السودان وخارجه على حدٍّ سواء. ينطوي تقاطُع الخريطة الروائية في موسم الهجرة إلى الشمال على أهمية بالغة من حيث أنها تعكس موضوعة مهمة في قلب الظلمة. على سبيل المثال، يُلمِح استخدامُ مارلو المتكرّر لكلمة «هناك»، للتمييز بين الآخَر غير المألوف – أفريقيا، الظلمة – والأوروبيّين «المتحضّرين»، إلى كُلٍّ من الحدود الجغرافية وبلاغيات الخطاب الاستعماري. بالنسبة للطبيب الذي يزوره مارلو قبل رحلته، ولمارلو ذاته، وبالتأكيد لمعظم الأوروبيّين، ترمز أفريقيا إلى الـ«هناك» – المساحة الفارغة على الخريطة – وإلى مكان ينطوي على العداء والخطورة والظلمة؛ إذ إنه مكان لافت للغاية نظراً إلى تبايُنه مع «هنا» (أوروبا)؛ أرض الحضارة والثقافة والتنوير. لكن، في موسم الهجرة إلى الشمال، يحوِّل صالح ما عند كونراد من تحيُّز في تضمين «الفضاء الفارغ»، الذي يعني أفريقيا بالنسبة لمارلو وكيرتز و«الرحّالة»، للإيحاء بأنّ معركة سعيد في إنجلترا تتّسم بالتضمين ذاته، لكن في اتجاه معاكس. في هذا المقام، يجسّد سعيد شخصية كيرتز، وهو يقف وجهاً لوجهٍ إزاء رعب منفاه الروحي والجسدي. يصف فريدريك جيمسون هذ النوع من التفسير، بأنه «إعادة كتابة، أو إعادة بناء، نصّ فرعي تاريخي أو أيديولوجي سابق، ويُفهَم دائماً أنّ «النص الفرعيّ» لا يوجد على الفور بهذه الصفة، ولا هو واقع خارجي منطقي، ولا هو حتى من السرديات التقليدية لكتب التاريخ، لكن بدلاً عن ذلك يجب أن يُعاد بناؤه هو ذاته بأثر رجعي». وبهذا، فإنّ «مفارقة» «النص الفرعي»، على حدّ تعبير جيمسون «يمكن تلخيصها في أنّ العمل الأدبي أو الأثر الثقافي، على الرغم من ظهوره للمرة الأولى، يُبرِز إلى الوجود ذلك الوضع الذي هو أيضاً، في نفس الوقت، ردّ فعل»7.

يبدأ إيحاء سعيد بأنه مختلف عن الآخرين مبكّراً: «كنتُ مثل شيء مكوّر من المطّاط، تُلقِيه في الماء فلا يبتلّ، ترميه على الأرض فيقفز». يشير هذا الانفصال، وإن انطوى على تسويغ موضوعي، إلى شعور سعيد بأنه مختلف عن الآخرين، ما يجسّد تجويفاً أخلاقياً في صميم كيانه. حقاً، كما يلاحظ هو: «وهذه حقيقة في حياتي، كيف قَيَّضَت الصُّدفُ لي قوماً ساعدوني وأخذوا بيدي في كلّ مرحلة، قوماً لم أكن أحسّ تجاههم بأي إحساس بالجميل. كنت أتقبَّل مساعدتهم، كأنها واجب يقومون به نحوي» (م، 24). يجسِّد سوء فهم سعيد لحرمته الخاصة أول مؤشر على النتيجة الرئيسة لمحاولته الاندماج في الغرب، وهي محاولة تبعده بالمقابل من شعبه وثقافته. كما يلاحظ فرانتز فانون، «يجد كلُّ شعبٍ مُسْتعمَرٍ – بمعنى آخر، كلُّ شعبٍ غُرِست في روحه عقدةُ النقص من خلال موت ودفن أصالته الثقافية المحلية – نفسَه وجهاً لوجه مع لغة الأمة الحضارية، أي مع ثقافة البلد الأم. يرتقي المُسْتَعمَر من خلال تجاوز حالة الأدغال، بما يتناسب مع تبنّيه لمعايير البلد الأم»8.

في إنجلترا، يدرك سعيد أنّ أيَّ قَدْر من التعليم لن يجعله واحداً «منهم»، ما يعني أنه لا يزال، جوهرياً وثقافياً، الآخرَ، وواحداً من المُسْتعمَرين، وظلّاً مظلماً في أرض «الضياء»: «اللغة التي أسمعها الآن ليست كاللغة التي تعلّمتها في المدرسة. هذه أصوات حية، لها جرس آخر. كان عقلي كأنه مُديَة حادة. لكن اللغة ليست لغتي. تعلّمتُ فصاحتها بالممارسة» (م، 32). على الرغم من تعليمه، بصفته شخصاً غير أبيض، لم يكن يأمل، واقعياً، أن يُقبَل داخل الدائرة السحرية للثقافة المُهَيمِنة، إلا على مضض. يُعَوِّل الإنقليز على إعجابهم بمدى استثنائيّته، من حيث فهمهم، وعلى أنّ انجذابه من أفريقيا إلى الغرب يجسِّد نتيجة طبيعية لتجاوُزِه، بطريقة ما، «بدائيةَ» الثقافة التي ينتمي إليها. وبهذا، يعيش سعيد المفارقة، بصفته مندمجاً مُحتمَلاً: يُبعِده طريق الاندماج، على نحوٍ لا رجعة فيه، عن ثقافته ومجتمعه، ومع ذلك لا يقود هذا الطريق أبداً إلى الوجهة – قبول الإنقليز له على قدم المساواة – التي أعدَّه لها تعليمُه. كما يشير عبدول جان محمد، «عند اختيار قِيَم الأوروبيّين التي تبدو متفوِّقة، يرفض الأفريقي، ضمنيّاً، كيانَه الخاص، نظراً إلى أنه يمثّل منتجاً من منتجات الثقافة التي تخلَّى عنها، ومن ثمّ يُعرِّض نفسَه لصراعٍ وارتباكٍ عَميقَيْن»9.

يطرح صالح إغواء سعيد الممنهَج، وتخلِّيه عن النساء الأوروبيات – آن همند، شيلا غرينود، إيزابيلا سيمور – وقتله زوجته، بوصفها أفعالَ تعويض عن منفاه الأخلاقي، وعن تفضيله للغرب. بالنسبة للنساء، يمثل سعيد «فضولاً»، وانجذاباً مُهْلِكاً للشرق الغامض، وهو الانجذاب ذاته الذي يحرِّض مارلو لاستكشاف «المساحة الفارغة» على الخريطة، والإغواء ذاته الذي يلتهم كيرتز في نهاية المطاف. إنه انجذاب يتشكَّل من مبادئ الرغبة المركزية الأوروبية عينها لغزو الأمم والثقافات الأخرى والسيطرة عليها وتحضيرها. عندما تسأل إيزابيلا سيمور سعيد ما إذا كان أفريقياً أو آسيوياً، يجيب: «قلت لها ’أنا مثل عطيل. عربي أفريقي‘. نظرَت إلى وجهي وقالت: ’نعم. أنفك مثل أنوف العرب في الصور. لكنّ شعرك ليس فاحماً مثل شعر العرب‘. ’نعم. هذا أنا. وجهي عربي كصحراء الربع الخالي، ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة» (م، 42). يجسّد الإطارُ المرجعيُّ لإيزابيلا الخريطةَ الأرضيةَ لمستعمَرات إنجلترا في أفريقيا وآسيا، ويوحي ردّ سعيد، على نحو متعمَّد، باعترافه بموقف الإنقليزي تجاه رعاياه المُستعمَرين؛ إذ إنهم أطفال يحتاجون إلى التربية والتوجيه. إيزابيلا، على سبيل المثال، «تصغي إليّ في صمت، وفي عينيها عطف مسيحيّ. وجاءت لحظة أحسَستُ فيها أنني انقلبت في نظرها مخلوقاً بدائياً عارياً، يمسك بيده رمحاً، وبالأخرى نشّاباً، يصيد الفيلة والأسود في الأدغال» (م، 41). تستدعي الفرضيةُ الأيديولوجيةُ للاستعمار، التي تتكرَّر في الصورة النمطية لنفسه، ويلمسها سعيد في استجابة إيزابيلا لقصصه الطويلة عن أفريقيا، على نحو مُلِحّ؛ أكذوبةَ كيرتز. لقد كان كيرتز، الذي يُجسِّد نتاجاً للثقافة الأوروبية، يَكتب أكاذيبه، ويُؤمن بها، بخصوص المهمة الحضارية الكبرى التي تقع على عاتق أوروبا في أفريقيا، لدرجة أن يشخبط، في لحظة بوح من الصدق اللاذع وكراهية الذات، في صفحات بيانه، «أبيدوا الهمجيّين»؛ ويُجسِّدُ ذلك على وجه التحديد، الفعلَ الذي كان متورّطاً فيه بصفته «وكيل العاج العظيم»، الذي يملأ خزائن أوروبا. يؤطِّر صالح، عن عمدٍ، عنفَ سعيد، ليعكس صورته المطابقة لشخصية كيرتز. يُسجّل كونراد أهمية مضاعفة لشخصية كيرتز؛ فهو يجسِّد في آنٍ واحد، أعظم مُسْتَغِلّ على الإطلاق، وكاهن الجشع، وهو أيضاً حامل شعلة «الحقيقة»، الذي ينجم انحلاله الأخلاقي عن عزلته وسط «وحشية» أفريقيا. يجسّد عنف سعيد، في المقابل، انعكاساً لغربته، وتُمثّل جين مورِس بالنسبة له، نفس ما فعلته عشيقة كيرتز السوداء لكيرتز، فهي رمز رغبته وتدميره. تجسّد جين مورس روح سعيد المشابهة ومفترستُه، والشخص الذي يتعرَّف بالغريزة على فراغه الأخلاقي: «قد ضاجعتُ إلهة الموت وأطللتُ من كوّة عينيها على الجحيم. إنه شعور لا يمكن لإنسان أن يتصورّه» (م، 156). في محاكمته، يفضح أكذوبةَ مشابهتِه لصورة عطيل: «نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازياً في عقر داركم. قطرة من السمّ الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لستُ عطيلاً. عطيل كان أكذوبة» (م، 98).

يدافع عن سعيد معلِّمُه وأستاذُه السابق، ماكسويل فوستركين، «من المؤسِّسين لحركة التسلُّح الخُلُقي في أوكسفورد، وماسوني، وعضو في اللجنة العليا لمؤتمر الجمعيات التبشيرية البروتستنتية في أفريقيا»؛ وهو ماكسويل فوستركين ذاته الذي يُخفِق في إخفاء كراهيته لسعيد. «أنت يا مستر سعيد»، يخبره فوستركين، «خيرُ مثالٍ على أن مهمّتنا الحضارية في أفريقيا عديمة الجدوى، فأنت بعد كلّ المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة» (م، 97). لم يكن لدفاعه علاقةٌ بجريمة سعيد بقدر ما له من علاقةٍ بتبرير الأيديولوجيا الاستعمارية التي تذهب إلى أنّ الأفريقي يجسِّد همجياً محروماً أو همجياً نبيلاً: «مصطفى سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل، استوعب عقلُه حضارة الغرب، لكنّها حطمَت قلبه. هاتان الفتاتان لم يقتلهما مصطفى سعيد ولكن قتلَهما جرثوم مرض عضال أصابهما منذ ألف عام» (م، 36). هذا المرض – السياسي، الاقتصادي، الثقافي – هو عاقبةٌ للغزو الاستعماري للكيان السياسي للأمّة الخاضعة، ويجسِّد سعيد الفشل الواضح لجانب «تحويل» الاستعمار، الذي يصفه جان محمد بأنه عملية «تحضير الهمجيّ لتعريفه بفوائد الثقافة الغربية»10. يدرك سعيد أنه ليس منفياً عن ثقافته فحسب، إنما دخيل في الغرب أيضاً، لأن «بروفيسور فوستركين حوَّل المحاكمة إلى صراعٍ بين عالَمَين، كنتُ أنا إحدى ضحاياه» (م، 37). يجسّد عقلُ سعيد المنفصل تناقضَ الموقف الإنقليزي: «هذا هو العدل وأصول اللعب، كقوانين الحرب والحياد في الحرب. هذه هي القوّة التي تَلبس قناع الرحمة…» (م، 72). عندما حُكِم عليه بالسجن «لمدة سبع سنوات»، يلاحظ: «المحلفون أيضاً، أشتات من الناس، منهم العامل والطبيب والمُزارع والمعلّم والتاجر والحانوتي، لا تَجمع صلة بيني وبينهم، لو أنني طلبت استئجار غرفة في بيت أحدهم فأغلب الظنّ أنه سيرفض، وإذا جاءت ابنة أحدهم تقول له إنني سأتزوج هذا الرجل الأفريقي، فسيحسّ حتماً بأن العالم ينهار تحت رجليه. ولكن كلّ واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته. وأنا أحسّ تجاههم بنوع من التفوّق، فالاحتفال مُقام أصلاً بسببي، وأنا فوق كل شيء مُسْتَعمِر، إنني الدخيل الذي يجب أن يُبَتّ في أمره» (م، 97). من أجل عكس اتجاه شعور كيرتز (ومارلو) بالتفوّق الثقافي على السكّان الأصليّين، يستقرئ صالح تجربة سعيد، كتذكير تاريخي بوضع سعيد بصفته تابعاً مُسْتعمَراً: «حين جيء لكِتشِنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا، قال له: ’لماذا جئتَ بلدي تخرب وتنهب؟‘. الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأرض طأطأ راسه ولم يقل شيئاً. فليكن ذلك أيضاً شأني معهم. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس» (م، 98).

شأنه شأن كيرتز، الذي يصوغ مارلو حياتَه وموتَه بعبارات أخلاقية، يَصُوغ صالح منفى سعيد وعودته وموته بعبارات أخلاقية وأيديولوجية على حدٍّ سواء. على الرغم من أنّ سعيد يُخبر الراوي، «فحياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة أو عبرة لأحد» (م، 69)، يدرك الراوي تقارُبه مع سعيد. شأنه شأن سعيد، ارتحل الراوي أيضاً إلى الغرب، ودرَس في إنجلترا. عند عودته، يشعر وكأنه غريب في قريته، على الرغم من أنّ حقيقته لا تزال متجذّرة في ثقافته، وعناق جدّه: «وحين أعانقه أستنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع. وذلك الصوت النحيل المطمئنّ، يقوم جسراً بيني وبين الساعة القلقة التي لم تتشكّل بعد، الساعات التي استوعبت أحداثها ومضت، وأصبحت لَبَنَاتٍ في صرح له مدلولات وأبعاد. نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي، فلّاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحسّ بالغنى، كأنني من دقات قلب الكون نفسه» (م، 77).

لكن على عكس مارلو، الذي يُحْسِن لكيرتز بأكذوبة، يرفض راوي سعيد تبنّي رؤية سعيد لنفسه. شاهداً على تنامي أسطورة «فتى الإنقليز المدلَّل»، يسعى الراوي، شأنه شأن مارلو، إلى البحث عن إجابات لشكوكه: «هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد؟ قال إنه أكذوبة، فهل أنا أيضاً أكذوبة؟ إنني من هنا. أليست هذه حقيقة كافية؟ لقد عشتُ أيضاً معهم، ولكنني عشتُ معهم على السطح، لا أحبّهم ولا أكرههم. كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة، أراها بعين خيالي أينما التفتُّ» (م، 52). في قلب الظلمة، يسلِّط كونراد الضوءَ على وعي مارلو بذاته من خلال استبصار كيرتز قبل موته: «كان لديه شيءٌ ما يقوله، وقد قاله. وبما أنني ألقيتُ نظرةً من على حافة الهاوية، فإنني أفهمُ بشكلٍ أفضلَ معنى نظرته تلك التي لم تتمكّن من رؤية الشمعة لكنها وَسِعَت الكونَ كله – نظرة ثاقبة قادرة على اختراق القلوب النابضة في الظلام» (ق، 68). يتكشّف تجلّي الراوي في موسم الهجرة إلى الشمال في إدراكه لاختلافه عن سعيد. عندما يفتح باب مكتبة سعيد ليتفحّص محتوياتها، يشوِّشه عن ذلك التقاطُه لصورة وجهه في مرآةٍ: «وقَع الضوء على عينّي كوقع الانفجار. خرج من الظلام وجهٌ عابس، زامّاً شفتيه، أعرفه ولكنني لم أعد أذكر. وخطوتُ نحوه في حقد. إنه غريمي، مصطفى سعيد. صار للوجه رقبة، وللرقبة كتفان وصدر ثم قامة وساقان. ووجدتني أقف أمام نفسي وجهاً لوجه. هذا ليس مصطفى سعيد. إنها صورتي تعبس في وجهي من مرآة» (م، 136). على عكس نهاية قلب الظلمة، حيث يجسّد مارلو، على الأقل، شريكاً سرّياً في أكذوبته من أجل المحافظة على سمعة كيرتز؛ يختتم صالح موسم الهجرة إلى الشمال برفض الراوي للطريقة التي يرى بها سعيد نفسه، حتى لا يتركه «يكمل قصّته»: «إنه يُريد أن يُكْتَشف كأثر تاريخي له قيمته. لا شكّ في ذلك. وأنا أعلم الآن أنه اختارني أنا لهذا الدور. لم تكن صدفة أنه ترك لي رسالة مختومة بالشمع الأحمر، إمعاناً منه في شحذ خيالي، وأنه جعلني وصيّاً على ولدَيه ليُلزمني إلزاماً لا فكاك منه، وأنه ترك لي مفتاح متحف الشمع هذا. لا حدّ لأنانيّته وغروره، فهو رغم كلّ شيء يُريد أن يخلّده التاريخ. إنما أنا لا أملك متسعاً من الوقت للمضيّ في هذه المهزلة. يجب أن أنهي هذه المهزلة قبل طلوع الفجر، والساعة الآن جاوزت الثانية صباحاً. عند طلوع الفجر ستأكل ألسنة النار كل هذه الأكاذيب» (م، 156).

يجسّد رفضُ الراوي لـ«أكاذيب» سعيد أيضاً التزامَه، على نحو قاطع، بشعوره بالانتماء إلى مكانه وثقافته: «كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا، هل معنى ذلك أننا نسمّم حاضرنا ومستقبلنا؟ إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلاً أو آجلاً، كما خرَج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة. سكك الحديد، والبواخر، والمستشفيات، والمصانع، والمدارس، ستكون لنا، وسنتحدّث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل. سنكون كما نحن، قوم عاديون، وإذا كنا أكاذيب، فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا» (م، 53). يُبلِغ هذا الترديد للهوية الوطنية والثقافية عن رفض صالح للأيديولوجيا الاستعمارية. وكما يقول إدوار سعيد، «يَحْمل كتّاب ما بعد الاستعمار، بشكل عام ماضيهم ندوباً في أعماقهم باعتبارها جروحاً مهينة، وتحريضاً على ممارسات مختلفة، ورؤى محوّرة للماضي تحمل إمكانية الاتجاه نحو المستقبل، وتجارب يُعاد تفسيرها ويُعاد نشرها ليَظهر من خلالها ابن البلد الذي كان صامتاً في الماضي ويتصرّف في أراضٍ استعادها من الإمبراطورية»11.

في منتصف سرده، يلاحظ مارلو أنّ الإنسان «عليه أن يواجهَ تلك الحقيقة بكيانه الحقيقي، بقوته الفطرية الخاصة. لن تفيدَك المبادئ في شيء. فالممتلكات والثياب ليست أكثرَ من أسمالٍ بالية، أسمال تتطاير عند أول هزةٍ جدية. لا، ما تحتاجه هو الإيمان الراسخ. هل أغرَتني تلك الفوضى الشيطانية؟ حسناً. ها أنذا أعترف، لكنّ لي صوتاً أيضاً، وصوتي هو الكلامُ الذي لا يمكن إسكاتُه». في موسم الهجرة إلى الشمال، يعيد صالح كتابة «حقيقة» المواجهة الاستعمارية من منظور المُسْتعمَر. وعند القيام بذلك، ينخرط في جدلية خطاب ثقافي يعكس السرديّة والمواثيق الإيديولوجية التي تُورِد تخييل كونراد المظلم. ومن خلال وضع الوعي السردي للآخر في مركز الموضوعة المستعادة، يُسهم صالح، مثل نغوغي ونايبول وآخرين، في الاستيلاء على – وإعادة تشكيل – أراضي كونراد الخياليّة لرسم خرائط جديدة للواقع، ولإلقاء بعض الضّوء الضروري على مركز الخطاب الاستعماري المُظلم.

هوامش المترجم

* جميع الاقتباسات من قلب الظلمة (ق) الواردة في هذه الدراسة مأخوذة من: قلب الظلمة، جوزيف كونراد، ترجمة: د. مالك سلمان، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2018.

** جميع الاقتباسات من موسم الهجرة إلى الشمال (م) الواردة في هذه الدراسة مأخوذة من: موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، دار العودة، بيروت، 1981.

مراجع الدراسة

  1. Edward Said, Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography, (Cambridge: Harvard University Press, 1966) 4.
  2. Said 4.
  3. For a discussion of the ideological framework of Conrad’s discourse, see Patrick Bratlinger, “Heart of Darkness: Anti-imperialism, Racism, or Impressionism?” Criticism 28 (Fall 1985) 363 – 85. See also Benita Parry, Conrad and Imperialism (London, Macmillan 1983).
  4. Wilson Harris, “The Frontiers on which Heart of Darkness Stands”, Research on African Literature 121(1981): 88.
  5. Chinua Achebe, “An Image of Africa”, Research on African Literature 9 (Spring
19878): 2.
  1. Parry 7.
  2. Fredrick Jameson, The Political Unconsciousness, Narrative as a Socially Symbolic Act (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1981) 81.
  3. Frantz Fanon, Black Skins, White Masks, (New York: Grove, 1967) 18.
  4. Abdul JanMohamed, Manichean Aesthetics (Amherst, MA: University of Massachusetts Press, 1983) 186.
  5. “The Economy of Manichean Allegory: The Function of Racial Differences in Colonial Literature”, Critical Inquiry 12 (1985) 62.
  6. Edward Said, Culture and Imperialism (New York: Knopf, 1993) 31.
Scroll to Top