الحكاية ذاتها تتكرّر، يَنتشر مقطع كوميدي على منصّات التواصل الاجتماعي السوداني، ضحكات تتسابق في التعليقات ومشاركات بالآلاف. يَختفي المقطع سريعاً ليحلّ محله آخر. وخلف تلك الضحكات العابرة، ترقد أسئلة لا يلتفت إليها كثيرٌ من الناس، في وقت تحمل فيه الدعابة أبعاداً تفرض أسئلة ما وراءها: هل انطوى في تفاصيل المقطع شرٌّ مخفيٌّ لتمرير أجندة ما أو إنتاج خطاب معيّن؟ في بلد يعيش إحدى أشد أزماته الإنسانية والاجتماعية تعقيداً. خلال حرب خلخلت قيماً لتأخذ مكانها أخرى، لم تعد الكوميديا وسيلةً من وسائل الترفيه فحسب، لكونها تُستغلُّ لقول أشياء تحت غطاء الضحك، مخافة قولها بنحوٍ مُباشر. هل كانت تلك مساحةٌ للتفريغ النفسي إبان الحرب، أم وسيلة للتطبيع مع تشظّي المجتمع وترتيب الهرم الاجتماعي تحت غطاء المزاح؟
للكوميديا تاريخ مختلف في السودان، فقد ظلَّت لعقود وسيلةً للتعبير عن هموم الناس وانتقاد السلطة، ووجد السودانيون عبرها مساحة للهروب من قسوة الواقع، خاصة في الأوقات التي ضاقت فيها مساحات التعبير المُباشر. وفي مواكب ثورة ديسمبر برز هذا الدّور على نحوٍ أوضح؛ عندما امتلأت وسائل التواصل بالرسوم الساخرة، والمقاطع الكوميدية، والأغنيات التي استخدمت السخرية لكشف التناقضات السياسية وانتقاد الخطاب الرسمي، وأسهمت في رفع الروح المعنوية لدى قطاعات واسعة من الشباب.
بَيد أنَّ هذا المشهد تغيَّر مع اندلاع الحرب، فبدلاً من أن تبقى الكوميديا مساحة للنقد والتنفيس، ظهرت حسابات ومحتويات تستخدم السخرية لتوجيه رسائل سياسية أو اجتماعية منحازة، وأحياناً للسخرية من ضحايا الحرب والنازحين، الأمر الذي جعل الحدود بين الكوميديا والدعاية أكثر ضبابية، لكونها لم تعد محض مساحة بريئة للضحك، إنما أصبحت ساحةً يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والإنساني بالرقمي، حتى صار من الصعب أحياناً التمييز بين النكتة والرسالة، وبين المزاح وخطاب التأثير.
الضحك ليس بريئاً
لكن «ماذا يفعل الضحك في المجتمع؟ وعلى من نضحك؟ ومن يملك حق الإضحاك؟»، يتساءل الناقد الدرامي السر السيد في حديثه لـ «أتَـر»، ويصل إلى أنّ هذه الأسئلة تُشكِّل قضايا مُتداخلة ومُعقَّدة، خاصة عند النظر إلى الواقع السوداني وكيف مارس الضحك دَوراً كبيراً في تعميم ونشر ثقافة الكراهية.
يقول السيد: «ليست كل سخرية دراما؛ فقد تكون السخرية في مقال صحفي، أو داخل عمل مسرحي، وكل هذا يقودنا لسؤال رئيس: كيف يُصنع الضحك؟ وإذا أردت صنع شيء يُضحك الناس، فما الذي يجب توافره؟ من الثابت في كل الأشياء التي تؤدي للضحك وجود «حضور للجسد»، وفي جانب آخر وجود «حضور للكلام» (اللغة والكتابة). لذا يقال «الصحفي الساخر»؛ حيث يمكنك قراءة سطرين والضحك، ويؤديان رسالة مهمة سواء كانت سلبية أم إيجابية، وكذلك الحال عند رؤية مشهد معين. إذن، فالفيصل هو «الجانب الأدائي»، سواء على مستوى طرائق الأداء، أم اللغة، أم الجسد».
ويؤكد السيد أن الضحك ليس مسألة بريئة، إنما سلوك ونشاط اجتماعي يرتبط بالقوة، وبالتالي يستطيع توزيع الفضاءات بطريقة مُحدَّدة: «عندما تستهدف فئة معينة، مثل ذوي الإعاقة، وتجعل ذلك مثيراً للضحك، فهذه مشكلة. وكذلك عند تناول قبيلة أو إثنية معينة بأداء قائم على الكلام والحركة، مثل النكات حول «الدينكا» أو الجنوبيين أو أهل شرق السودان أو الشماليين».
ويرى أن من يمتلك حق الضحك يمتلك نوعاً من السلطة، يستطيع من خلالها تعميم هذه المسائل، لأنها ترتبط بعلاقات متشابكة وليست وليدة الصدفة: «نحن نضحك على ماذا؟ وعلى من؟ هناك من يسخر من السلطة، وهناك من يسخر من المهمشين أو من أعراق معينة. في لحظات، قد يشكل الضحك حالة من حالات المقاومة، وفي لحظات أخرى قد يشكل حالة من حالات الهيمنة».
هكذا يضع السيد الضحك في مرتبة أشمل من الكوميديا؛ فالأخيرة عرض مسرحي مقصود، له أهداف وقضايا اجتماعية؛ أما الضحك فهو الناتج عن هذه الأفعال، وأحياناً ينتج عن مواقف قد لا تبدو ذات أبعاد سياسية أو فكرية؛ مثل شخص أنيق جداً يرتدي بدلة وينزلق في شارع ممطر. يقول: «المشهد مأساوي، لكن الناس قد يضحكون بسبب «المفارقة»، وهي إحدى أدوات الضحك».
ويضرب السيد مثلاً بمثقف قد يَقول إن السخرية من الأعراق عنصرية وخطاب كراهية، لكن قد تتسرب إليه نكتة ويبدأ بترديدها، ليرى أن مثل ذلك الفعل أو رد الفعل يُوضح خطورة «تقنية الضحك»؛ عندما تُصمم باستخدام اللغة أو الجسد بطريقة تمتلك قدرة من البلاغة والجاذبية، فكثير من النكات البسيطة أدت أدواراً سالبة، وبتراكمها خلقت نمطاً معيناً وطريقة في التفكير.
سلاح ذو حدّين
وترى المخرجة السودانية إكرام محمد، أن الكوميديا بالفعل «سلاح ذو حدين»، فمن جهة، تمنح الناس فرصة للتنفيس عن الضغوط النفسية، وتساعدهم على تناول قضايا سياسية واجتماعية شائكة بلغة بسيطة يصعب أحياناً قولها على نحو مُباشر، إلا أنها في المقابل، قد تتحول إلى أداة لترسيخ الصور النمطية إذا غاب عنها عنصر المسؤولية.
وتضيف إكرام في حديثها لـ «أتر»، أن أخطر ما في الكوميديا أنها تخاطب العقل بصورة ناعمة، لذلك قد لا ينتبه الجمهور إلى الرسائل التي تحملها؛ فحين تتكرَّر النكات التي تصف جماعة بأنها بخيلة، أو أخرى بأنها ساذجة، أو ثالثة بأنها كسولة، فإن هذه الصفات تتحول مع الزمن إلى تصورات راسخة، حتى لدى من لم يلتقِ يوماً بأفراد تلك الجماعات. ولا تقف المشكلة لدى إكرام عند حدود الانتماءات القبلية فقط، فمع استمرار الحرب، بدأت موجة جديدة من المحتوى الساخر تتناول النزوح والموت والخسائر الإنسانية، وهو ما يُثير مخاوف من أن يؤدي تكرار السخرية إلى تآكل الحس الإنساني تجاه المأساة. وتحذر إكرام من أن تتحول المعاناة اليومية إلى مادة للضحك الأمر الذي يجعل المجتمع أقل حساسية تجاه الألم، ويُطبع الناس على مشاهد كان يفترض أن تثير التعاطف لا الضحك.
لكن المشكلة لا تكمن في الكوميديا نفسها، وإنما في الطريقة التي تُستخدم بها، بحسب ما يرى خالد ميرغني، وهو أحد المهتمين بالمسرح والدراما، ويقول إن المحتوى الكوميدي خلال السنوات الأخيرة، خاصةً على منصات التواصل الاجتماعي، بدأ في إعادة إنتاج حساسيات قديمة مرتبطة بالقبيلة والجهوية، عبر مقاطع قصيرة «اسكتشات» تبدو خفيفة لكنها تحمل رسائل أعمق مما تبدو عليه.
ويشير ميرغني، في حديثه لـ «أتر»، إلى أن السخرية من ثقافات القبائل المختلفة والمتعددة في السودان، أو تصوير جماعات بعينها بصورة نمطية لم يعد محض نكات عابرة، إنما أصبح يؤثر على نظرة الناس لبعضهم البعض، مضيفاً أن بعض الشباب باتوا يرددون هذه الصور على أنها حقائق، لا مجرد أعمال ساخرة، معتبراً أن هذا النوع من الكوميديا قد يمتدُّ أثره إلى العلاقات الاجتماعية نفسها، بسبب أفكار رسَّختها النكات أكثر مما رسَّختها التجارب الحقيقية.
ويضيف ميرغني أن هذا التأثير يزداد خطورة؛ لأن كثيراً من الناس لا يتعاملون مع الكوميديا باعتبارها خطاباً مؤثراً، بل مجرد مساحة للضحك، بينما تحمل في داخلها رسائل قد تتسلل إلى الوعي الجمعي دون مقاومة.
بينما يرى الكوميديان والممثل السوداني البارز عوض شكسبير، أن الكوميديا في زمن الحرب يجب أن تكون أداة واحدة فقط تدعو للمحبة والسلام؛ لأن بنيتها الأساسية تنطلق من خلق مساحة مشتركة بين البشر بدلاً من تقسيمهم. ويتساءل في حديثه لـ «أتر»: هل يمكن استخدام الكوميديا لنشر الكراهية فحسب، أم بإمكانها أن تكون علاجاً لذلك؟
ماذا نفعل مع الترند؟
يرى شكسبير أن الخيار الأخير ممكن لكن بشروط؛ فمُواجهة الكوميديا السلبية لا تكون بالمنع أو الرقابة المباشرة فقط، إنما عبر إنتاج محتوى بديل يُقدِّم ذات اللُّغة الساخرة لكنها في اتجاه مختلف، يكشف خطورة العنصرية بدلاً من إعادة إنتاجها. ويشير إلى أهمية ما يمكن تسميته بـ «المسرح في زمن الصراع»، حيث يجري استخدام الدراما والكوميديا معاً، لتقديم رسائل تُعزِّز التعايش، وتُعيد تذكير الجمهور بأن التنوع في السودان ليس مصدر تهديد، إنما مصدر قوة تاريخي.
لكن تواجه هذه الحلول التي اقترحها الدراميون الذين تحدّثوا لـ «أتَـر»، تحديات بالغة، لما يُلاقيه المحتوى الرقمي السريع من انتشار في ظل غياب الرقابة المؤسسية، الأمر الذي حوَّل صناعة الكوميديا لنشاط فردي يعتمد على «الترند» وحجم المشاهدات. ومع انفتاح المنصات الرقمية بات الوصول إلى الجمهور أسهل من أي وقت مضى، الأمر الذي يصعب معه التحكم في طبيعة الرسائل، فكل شخص بات قادراً على إنتاج كوميديا، دون إدراك منه بما يترتب عليه محتواها من تأثير اجتماعي.
وكما يقول السر السيد، فالضحك ليس بريئاً، ويمكنه خلق تصورات جديدة وبناء رؤية للحياة والمجتمع والعالم، تماماً مثل أي أيديولوجيا أو فكرة. هكذا، تبدو الكوميديا السودانية اليوم واقفة على مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تستمر بوصفها مساحة مزدوجة المعنى تحمل الضحك كما تحمل التمييز، أو يُعاد توجيهها لتصبح أداة لإعادة بناء ما مزقته الحرب من الانقسامات الاجتماعية. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «هل الكوميديا جيدة أم سيئة؟ بل ما نوع المجتمع الذي نسمح للكوميديا أن تصنعه لنا؟».



