أتر

نوتة من علم الكونكا 44

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

أجازت الدكتورة هنغاميه زياي مهديّة الإمام كرؤيةٍ للعالَم، كبساطٍ أيديولوجيٍّ لقضايا العدالة والقانون والتقدُّم، بل وحتى لقضية الزّمان كمسألة فلسفيّة: هل قديمٌ أم مُحدَث، هل ساكنٌ أم متحرِّك، هل من حقيقةٍ للماضي والحاضر والمستقبل أم هي أوهام المتوهِّم، وهل فِعْل الإنسان في الزّمان من شُغل يدِه، يَتخيَّرُه، أم هو قدَرٌ يقع عليه كما تخرج تبعات المستقبل من وقائع الماضي؟

لكنْ من هو محمد أحمد «المثقف العضوي»؟ ما تكوينُه؟ وكيف تأتَّى له في «كونِكا» القرن التاسع عشر أن يصوغ هذه الأسئلة بالحدّة والدقّة التي وصلت به إلى تأميم المَشارع، أي ليس كقضايا فلسفيّة تأمّلية، ولكن كقضايا ثوريّة، كبرنامج نضالي؟

عاش الإمام المهدي حياته القصيرة (1844-1885) تحت الحكم التركيّ حتى أسقَطَه.

ولا ينتهي تعريفُ نظامِ الحكم التركي كنظامٍ سياسيٍّ استعماريٍّ، فهو مبتدرُ نظامٍ اقتصاديّ اجتماعيّ لحمَتُه وسداه التحوّل من الإنتاج المعيشيّ إلى الإنتاج النقدي، من إنتاج الاحتياجات الاستهلاكية، في سياجٍ من المَشاعية البدائية، إلى إنتاج سلعٍ للبيع في السوق على قاعدة الملكيّة الخاصة، من اقتصاد الكفاية إلى اقتصاد السوق، من التبادل السلعي البسيط إلى السوق العالمية. واخترَق نظام الحكم التركي التكوينات ما قبل الرأسمالية بوسيلة «الضريبة» النقدية؛ المال الذي أصبح مسؤولية كلِّ فردٍ أمام السُّلطة المركزية؛ ما يُحتِّم عليه ولوج المجال الاقتصادي الجديد القائم على السلعة والنقد طوعاً وقسراً.

وَجَد الإمام، إذن، في المَوارد التي تيسَّرَت له، ما يقابل به هذا «الابتلاء»، بعبارة المرحوم حسن الترابي، الرأسمالية التي لا باب خلفيّاً للهرب من ابتلائها، تَكَّسْ رَجَع، والعودة إلى «حضن الوطن». وما تاريخُنا، مُذّاك، في خريطة التكوينات الاجتماعية، خلا دراما هذا الصدام والتلاؤم؛ دراما المقاومة والإدماج، الفرز والهجنة. ولا مهرب، فالتاريخ لا يَسْكُن، ولا يمكن العودة إلى عالَم بِكْر سابق لهذا التاريخ، بل لم يوجد مثل هذا العالَم البِكْر ولو تصوَّرَه الخيال، فالتاريخ مسرح لصراع لا ينقطع، والدائم الله. 

اختبَر الإمام هذه التحوُّلات والتناقضات في تكوينه الذاتيّ، وقد جاء بقسط من سِمَات هذا التكوين وظلاله المرحومُ الدكتور محمد سعيد القدّال في الفصل الثاني من كتابه «الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله 1844-1885» (دار الجيل، بيروت، 1992، ص 37-74). وُلد محمد أحمد ود عبد الله ود فحل في جزيرة لبب، جهات دنقلا، في الأسبوع الثاني من أغسطس عام 1844 في أسرة من أربعة أبناء وبنت من نسب الدناقلة الأشراف، لكنْ من تكوين خاص. احترفت الأسرة صناعة المَراكب وأحسنت هذه الحرفة حتى اشتهرت بها. فهي إذَن أسرة من الحرفيين انحلَّت علاقتُها والأرض، تحرَّرت من هذا الارتباط العضوي بالأرض بوسيلة الحرفة المستقلّة، واندمجت في عالَم السلعة والنقد، لا تَزرع طعامها وإنما تشتريه من السوق. فهي بهذا المعنى أسرة «حديثة»، «تقدّميّة»، ذلك بالمقارنة مع محيطها الذي يكابد بدائيةَ الزراعة المعيشيّة من جهة، وواجبَ دفع الضرائب من جهة أخرى؛ أسرة تشغل موضع الصدر في التحوّلات الاجتماعية التي عصفت بسودان القرن التاسع عشر. وكانت المَراكب النهرية، على عهد التركية، أداةَ النقل الأولى ووسيلة التجارة التي انفتحت أعلى النيل الأبيض، فازدهرت مراكز لبناء السفن على طول النهر حيثما توفر السنط، في الكاملين وبربر وود الشافعي وسنار ودنقلا، وتطوّرت حرفة النِّجارة بوفود العمّال المَهرة من مصر، وانبسَط ربحُها بتزايُد الطلب على السّفن.

كان عبد الله ود فحل وأبناؤه، إذَن، ضمن فصيل متقدّم من الحرفيّين ارتبَطَ بصناعةٍ صاعدةٍ تقوم على القياس الدقيق وعلم بالحساب الرياضي والتقدير الهندسي، حرفة تحرَّروا بها من رتابة وعضوية رجعية الحياة الريفية. وفتحت لهم هذه الحرية بابَ الحركة، إذا صحّ التقدير، فانتقلت الأسرة، التي لا شاغل لها بحراثةٍ أو حشٍّ، جماعةً من لبب إلى كرري شمال أم درمان حوالي العام 1850، ومحمد أحمد الطفل في الخامسة أو السادسة، ومنها إلى العاصمة الخرطوم؛ حيث استقرّت في حي «سلامة الباشا». مات والدُه في كرري، ثم ماتت والدتُه في غربةِ الخرطوم، ومحمد أحمد طفل غضّ. الإمام بهذا التقدير صناعة حضرية، وليس خلجة من خلجات الريف، فقد شبَّ هذا الطفل اليتيم في حضَر الخرطوم، مركز التجارة والتبادل وقنطرة السودان نحو العالم الكبير، وكانت على عَهده مدينةً أمميّةً شكَّل الأجانب من الحكّام والإداريين والتجّار والمرتزقة والمغامرين أربعةَ أخماس سكّانها. وانضمّت إليهم شخصية «تقدّمية» أخرى بحساب التكوينات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، ظهرَت لتوّها في سجلّات التاريخ من هجنة كثيفة: «الجلّابي»، الذي تحرَّر هو أيضاً من الارتباط العضويّ بالأرض، وصار رسولاً لعلاقات النقد والسلعة، يبذر بذورَها في حِلِّه وترحاله، في جغرافيا شاسعة من بحيرة تشاد حتى سواكن، ومن سافل حتى أعالي النيل الأبيض.

شكَّلت «الكُبّانيّة»، التحويرَ الخرطومي للفظة «كومباني» (شركة) وقتها، الصيغة التنظيمية لهيئة أركان هذه الجبهة التجارية والعسكرية. بل اندمج الجلّابة العظام، من صفّ الياس باشا أم برير والزبير باشا رحمة، في جهاز الدولة، صار الأول مديراً لكردفان؛ والثاني مديراً لبحر الغزال التي بسَط فيها إمبراطورية خاصّة وجيشاً من الرقيق أخضع به سلطنة دارفور للحكم التركي. وقامَت بصفوةِ الجلّابة جغرافيا حضرية جديدة في سواكن وبربر والقضارف وغيرها، وبطبيعة الحال في العاصمة الخرطوم التي استقبلت القنصليات الأجنبية وبعثات المسوح الجغرافية والعشرات من التجّار الأجانب؛ يدغدغ خيالَهم وعدُ الربح الوفير. علَّل المرحوم الدكتور محمد سعيد القدّال حيويّة صفوة الجلّابة بالتناقض الفعّال في مَصالحهم، فهم من جهةٍ خصومٌ للحكم الأجنبي الذي عطَّل طموحاتهم التجارية، بنقل الأرباح خارج البلاد والحيلولة دون تراكم رأس المال في الداخل، ومن ثمّ كبَحَ التطوّر الرأسمالي وقيَّد نموّ الأرباح، هذا إلى جانب ميل الحكم الأجنبي إلى التجّار الأجانب وتفضيلهم على الجلّابة أولاد البلد، ما عَسَّر على الجلابة منافستهم في ميدانٍ هُم أولى به. من الجهة الأخرى، يعود إلى هذا الحكم الأجنبي تشكيلُ الخريطة السياسية للبلاد، وتوحيد السوق الداخليّ، ما أتاح نموّ سُبل التجارة من أسوان حتى بحر الغزال ومن سواكن عبر كردفان حتى دارفور. ونشأتْ، بفَضْل السُّلطة المركزية وتوحيد السوق، شبكاتٌ من النشاط الاقتصادي تتّصل بها أخلاطٌ من الناس بغير رابطٍ عضويّ وإنما برابط الربح، فالصمغ الذي يُجمَع في غابات كردفان يُنقَل إلى الأبيّض ومنها إلى الخرطوم ومنها إلى سواكن ومنها إلى السوق العالمي. لذلك كان الطموح السياسيّ للفئة القائدة من الجلّابة التخلُّص من قيد الحكم الأجنبي؛ وبنفس القدر صيانة السُّلطة المركزية، والحفاظ على وحدة السوق الداخلي التي ما تحقَّقت خلا بفَضْل هذه السُّلطة. وبهذا التصوُّر، انفتَح أفقُ إقامةِ سلطةٍ مركزيّة محليّة تحلّ محلّ الحكم الأجنبي.

فماذا كانت ترجمةُ هذه التناقضات في حي سلامة الباشا؛ حيث نشأ محمد أحمد الصبيّ؟

 والخرطوم التي عاش فيها الإمام كانت قسمةً مانويةً بين أفرنجي وبلدي. أهمّ أحيائها حي الحكمداريّة، الذي جمَع دواوين الحكومة وبيوت كبار الموظّفين وثكنات الجيش، وموقعُه بين ديوان المُراجع العام وجامعة الخرطوم، وأهمّ معالمه قصر الحكمداريّة؛ مركز الحُكم، وكان موضعه حيث وزارة المالية الحالية وإلى الشرق منه السَّرَاي؛ القصر الذي أُعِدَّ لسكنى الحكمدار وعائلته، وهو المبنى الذي قُتِل فيه غردون، وقامَ في موقعِه قصرُ الحاكم العام البريطاني الذي صار، بعد الاستقلال، القصرَ الجمهوريّ. وإلى الشرق من السَّرَاي الشُّونَة، مخزن الغِلال، التي كانت موضع عمل المؤرِّخ السوداني الرائد أحمد بن الحاج أبو علي (كاتب الشُّونة). وقامت في غرب المدينة، في جهة المتحف الحالي، المَنْجَرة، وهي موقعٌ للمَناشير وصناعة المراكب الشراعية. وضمَّت الترسانة عشرات السفن البخارية وسفناً أصغر حجماً وعدداً وافراً من المراكب الشراعية، وهي قوّة النقل التي اعتمَد عليها الأتراك لفتح الأقاليم الجنوبية حتى يوغندا. كانت سفن الترسانة ملكاً للحكومة، لكن كانت تؤجِّرها بدَوْرها للتجّار الأجانب بالدرجة الأولى.

نشأ، إلى الغرب من حي الحكمداريّة، حيُّ المسجد نسبةً إلى المسجد الذي شادَه خورشيد باشا في موقع مسجد أرباب العقايد، وصلَّى فيه المهدي الإمام الجمعةَ بعد فتحه الخرطوم، وقام في موقعه لاحقاً جامع الملك فاروق. وكانت بيوتُ هذا الحيّ أوَّلَ أمرِهَا من الشُّكَّاب وجلود البقر والقشّ، لكنها تحوَّلت، في عهد خورشيد باشا (امتدّ من 1826 إلى 1838) الذي سبَق نشأة المهدي الإمام، إلى مسكنِ عِلْيَة القوم وأرقى أحياء العاصمة واجتمَع فيه القناصل الأجانب والأعيان وكبار التجّار، هذا بينما ارتدَّ المساكين إلى طرف المدينة.

أما حي سلامة الباشا، الذي عاش فيه الإمام صبيّاً، فكان «موضعُه في الجنوب الغربي من المدينة ومكانه الآن جنوب السوق العربي. وكان سكّانه من الدناقلة والنوبة وغيرهم من أهل البلد. ويُعتبر هذا الحي أقدَم أحياء المدينة. ثم حيّ النوبة ونقصد بهم الوافدين من جبال النوبة وهم بخلاف الوافدين من حلفا، وكان هذا الحيّ يقع إلى الشرق من حي سلامة الباشا وكان سكّانُه في الغالب من النوبة والعناصر السوداء المتقاعدة عن خدمة الجيش. وكان هناك حي يُسمَّى «هبوب ضرَباني»، وهو أفقر أحياء المدينة، كما يبدو من اسمه، وكان يسكنه الفقراء. وفي المنطقة الواقعة غربيّ شارع الحرية الحالي كان حي الترَس، وقد أخذ اسمه من الجسر الذي أقيم جنوبيّه لحماية المدينة من فيضان النيل الأبيض، وكان سكّان هذا الحي من المصريين والسودانيين. وكان هناك حي الكارَه، وهو حي يسكن فيه العسكر المصريون والسودانيون، وحي الطوبْجِيّة، وكان يسكنه الطوبْجيّة. وفي أقصى الشرق كان حي بُرِّي المَحَس، وهو حي الوطنيين من أهل الجهة، وقد ظلّ هذا الحيّ في مكانه إلى أن نُقل إلى موضعه الحالي بالبراري في سنة 1900، وأقيمت في مكانه ثكنات الجيش البريطاني» (الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، تاريخ الخرطوم، دار الجيل، بيروت، 1979، ص 39).

نشأ الإمام، إذن، في مدينة منقسمة بين أفرنجي وبلدي، يَفصل بينهما تراتُب حاسم في الشوكة لم يخترقه إلا كبار الجلّابة. وانطبع في وعيِه، بالضرورة، هجينٌ متعدّدُ اللغات؛ فالخرطوم التي عاش فيها كانت مدينةً تضمّ سبعين ألف نفس، مقسّمة بين ثلاث مجموعات سكّانية واجتماعية كبيرة: الشرقيّون من مصريين وأتراك متمصرون وأهل الشام وأقباط، ثمّ الجالية الأوروبية الكبيرة، وحوالي العشرة آلاف نفس من الأهالي. وتستحقّ الجالية الأوروبية، التي سكنت الخرطوم التجارية، اعتباراً أوسع، فرُطاناتها المتعدِّدة أضفت موسيقى فارقة على هذه المدينة النيلية، خاصّة وقد توسّعت أعدادُها في عهد الإمام الصبيّ بقرارِ حكومة أحمد أبو ودان (1838-1843) إلغاء احتكار الحكومة للتجارة. جذَب هذا القرارُ أعداداً غفيرةً من الإيطاليّين والأغاريق، هذا إلى جانب الإيطاليّين والفرنسيّين والألمان والنمساويّين؛ الذين شغلوا الوظائف الفنية في الجيش التركي المصري. «وقد قُدِّر عدد الأجانب في المدينة في أواخر العهد التركي بنحو 245 أسرة، منهم مائة أسرة يونانية و40 أسرة ألمانية و40 أسرة نمساوية و20 أسرة فرنسية و20 أسرة روسية و15 أسرة إيطالية و10 أسر من الأرمن. ولم تكن هناك أسر إنجليزية. وكان بخلاف هؤلاء، المشرَّدُون على المدينة للتجارة والسياحة والاكتشافات والتبشير» (أبو سليم، المصدر السابق، ص 46).

والأغلب أنَّ طفلاً نبيهاً، مثل محمد أحمد، التقط من هذه الرُّطانات العديدة ما التقَط، ولربّما أحسَنَ مثل «كرواسو» و«اسبريسو» و-في صحتكم!- «آلا سالوتا»، «جِنْ جِنْ» يا المهدي الإمام!

Scroll to Top