قيسان: تبادُل للسيطرة ونزوح الناس مرة أُخرى
مراسل أتر
سيطرت قوات تحالف تأسيس، على مدينة قيسان، حاضرة محافظة قيسان بإقليم النيل الأزرق، في الحادي عشر من أغسطس الجاري، عقب معارك شهدتها المدينة وهجمات تسبّبت في نزوح آلاف السكّان إلى وحدة بكّوري الإدارية التابعة للمحافظة، وإلى محافظة ود الماحي الواقعة إلى الشرق من قيسان.
وبحسب مصدر في مفوضية العون الإنساني بالإقليم، تحدَّث لمراسل «أتَـر»، اضطرّ الآلاف لعبور النيل الأزرق على مراكب بدائية، في رحلة محفوفة بالمخاطر هرباً من جحيم المعارك. بينما كشف عضو بغرفة طوارئ قيسان فضّل حجب اسمه، أنّ سكّان المدينة كانوا يستعدون للنزوح منذ يوم 9 أغسطس، بعد أن تواردت أنباء عن حشود لقوات تأسيس تستعدّ لمهاجمة المدينة، غير أنّ منسوبين للجيش والمقاومة الشعبية كانوا يُطَمْئنون الناس بأن الأوضاع تحت سيطرتهم، لكنّ السكان فوجئوا بدخول قوات تحالف تأسيس إلى مدينتهم في صبيحة 11 أغسطس. وقال محافظ قيسان في تصريحاتٍ صحفية، إنّ أكثر من 12 ألف شخص نزحوا من قيسان إلى بكّوري، بينما قالت المنظمة الدولية للهجرة، إنّ 7800 شخص نزحوا من مدينة قيسان بسبب الاشتباكات.
وأخبر عضو غرفة الطوارئ مراسل «أتَر»، بوقوع حوادث قتل لأشخاص داخل قيسان، بجانب مصابين تركهم ذوُوهم داخل المدينة، مُتهِماً قوات تأسيس بتصفيتهم. ويصف معاناة النازحين الذين استطاعوا الوصول إلى محافظة ود الماحي، بأنها كبيرة، خاصة النساء والأطفال وكبار السن، متوقعاً وصول موجات من النازحين إلى المدينة من منطقة بكّوري، التي تقترب الاشتباكات منها، بحسب ما ذكر. بينما كشف عن مغادرة أعداد من مواطنيها إلى إقليم مجاور في دولة إثيوبيا.
وقال النازح من قيسان إلى ود الماحي، حافظ فكي عيسى، لمراسل «أتَـر»، إنه نزح في مارس الماضي من قيسان وعاد إليها الشهر الماضي، ووجَد منزله مدمَّراً كلياً، وقد نُهبت مقتنياته، ليبدأ في إصلاحه، وقبل أن يكتمل وَجَد نفسه في رحلة نزوح جديدة. وقال عيسى إنه قضى يومين في طريق النزوح نحو ود الماحي، كاشفاً عن لجوء المئات من أهالي المحافظة وأهل قريته إلى دولة إثيوبيا، وأنّ ما منعه من ذلك هو عدم توفر المال لديه. ويقول فكي عيسى، الذي يسكن الآن في إحدى مدارس ود الماحي، إنّ النازحين لا يجدون حتى مياه الشرب النظيفة، مضيفاً: «نتمكّن دخول الحمام مرة واحدة في اليوم، بسبب قلة الحمّامات وكثرة النازحين».
وكشف الأمين العام لـمبادرة المجتمع المدني بإقليم النيل الأزرق، علي هجو علي، لمراسل «أتَر»، عن حالات نزوح مستمرة تشهدها المناطق الشرقية بمحافظة قيسان، حيث يضطرّ مواطنو منطقة «أداسي» والقرى المجاورة لها، للعبور بالمراكب نحو منطقة «كمبال» التابعة لمحافظة ود الماحي على الضفة الشرقية للنيل الأزرق. ويقول هجو إنّ عمليات النزوح تتواصل في ظلّ أمطار ورياح غزيرة، وارتفاع حادّ في منسوب المياه بالنهر، ما يُعرِّض حياة المدنيّين لخطر بالغ ويضاعف من معاناتهم الإنسانية.
وقطَع هجو بأن استمرار القتال في هذه الظروف يُهدِّد أرواح المدنيّين، مطالباً بإيقافٍ فوري لإطلاق النار وفتح ممرات آمنة لإنقاذ المدنيّين، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، واصفاً أوضاع النازحين في المحافظات الجنوبية بإقليم النيل الأزرق بأنها «كارثية»، وسط أزمات إنسانية وأمنية مُتفاقمة؛ نتيجة استمرار الحرب، حيث يواجه المدنيون القتل والنزوح والجوع، بينما تزيد الأمطار من حجم الكارثة وتَعطّل وصول المساعدات المنقذة للحياة.
من جهتها قالت مجموعة «محامو الطوارئ» في بيان إنّ موجة النزوح الحالية، هي ثالث موجة واسعة في إقليم النيل الأزرق، بعد موجتي يونيو 2023، ويناير ومارس 2026، نتيجة لتبادل السيطرة على المناطق بين طرفي الحرب وحلفائهما، مُحمِّلة قوات الدعم السريع مسؤولية ما يحدث للمدنيين من انتهاكات. وبحسب المجموعة، فإنّ التقديرات التي اطَّلعت عليها، تُشير إلى أنّ عدد النازحين في الإقليم، يبلغ نحو 112 ألف نازح إذا حُسبوا على نحوٍ تراكمي منذ اندلاع الحرب.
ودعت مركزية مؤتمر الكنابي، في بيان، المجتمعَ الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التدخّل العاجل وتقديم المساعدات الضرورية وحماية المدنيين، خاصة أن النازحين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء والخدمات الصحية، بينما اضطرت الأسر لترك منازلها ومصادر رزقها بحثاً عن الأمان.
وبثّ إعلام محافظة قيسان مَقاطع مصورة، لجولة قام بها قائد اللواء 13 على سوق بكّوري بمحافظة قيسان، غير أن المقاطع التي شاهدها مراسل «أتَـر» أظهرت أنّ السوق خاليةٌ من المارة، ومعظم المَتاجر فيه مغلقة. وفي وقت سابق، اتهمت وسائل إعلام محلية تابعة لمحافظة قيسان، قوات الدعم السريع وحليفتها قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة جوزيف توكا، بنهب سوق مدينة قيسان.
أبو جبيهة: المطابخ المجتمعية تواجه النزوح
مراسلة أتر
أنشئ مطبخ أبو جبيهة المركزي في أغسطس 2024، في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان. واستقبَلت المدينة آلاف النازحين من مدينتي الدلَنج وكادُقلي، وأصبح الناس يعولون على المبادرات المجتمعية والمنظمات الوطنية ومنتدى شباب أبو جبيهة، لسدّ الحاجات الإنسانية والصحية واستجابة الطارئة، بالتزامن مع مغادرة عدد من المنظمات الدولية للولاية منذ ديسمبر 2025.
متحدّثاً لمراسلة «أتَـر» يوضح محمد الطيب، مدير مكتب منظمة مزن الوطنية، محاولاتهم لسدّ الثغرات الغذائية في ظلّ شحّ التمويل وانعدامه، مضيفاً أنّ الوضع الأمني مستقرّ، لكنهم يتوقّعون أن يُخلّف فصل الخريف الحالي أمراضاً، قد تمثل عقبة في تقديم المساعدات وتدخّل المنظمات.
وبحسب ما أخبر به محمد الطيب، تضمّ أبو جبيهة سبعة معسكرات تقطنها أعداد كبيرة من النازحين. ويحوي معسكر القَرْدُود «1» 1105 نازحين، ومعسكر القَرُْدود «2» 982 نازحاً، ومعسكر القَرْدُود «3» 3000 نازح، والصفا «1» 1050 نازحاً، والصفا «2» 1268 نازحاً، والصفا «3» 2321 نازحاً، بينما يضمّ معسكر الاستاد 1695 نازحاً، وتستضيف ساحة الهلال الأحمر ما بين 700 و800 نازح.
ويشير الطيب إلى أنهم يعتمدون على الوجبات المُعَدَّة من المطابخ المجتمعية، وتعمل المنظمات التي يتراوح عددها بين 32 و35، بالشراكة مع المنظمات العالمية، لتوفير الغذاء، لكنها تُواجه مشكلات في التمويل الكافي منذ فترة طويلة.
وفي العاشر من أغسطس الجاري، نفّذت منظمة النواهل للسلام والتنمية أنشطة مشروع المطبخ المجتمعي لتقديم الوجبات الجاهزة بمخيم الصفا «3». ويأتي ذلك ضمن أنشطة المشروع الرامية إلى دعم الاحتياجات الغذائية للأسر المتأثرة والمساهمة في تخفيف الأعباء المعيشية، بالتعاون مع منظمة رعاية الطفولة Save the Children وبدعم من DRA. بينما نفذت منظمة النجدة الإنسانية الوطنية (NHR)، في 14 أغسطس، أنشطة المطبخ المجتمعي بدعم وتمويل من منظمة رعاية لطفولة العالمية (SCI)، وقدم الفريق وجبة الغداء للأسر النازحة في معسكر الصفا «2».
وتوضح عفراء، وهو اسم مستعار لنازحة من مدينة كادُقلي وأم لطفلة، لمراسلة «أتَـر»، أنهم يعتمدون على المطابخ وما تقدّمه من وجبات، بعد أن فقدوا مصادر دخلهم ولا مُعيل لهم. وقال أحمد، وهو تاجر في أبو جيبيهة تحدّث لمراسلة «أتَر»، إنّ الحياة مستمرة رغم صعوبة الحصول على المواد الغذائية وغيرها، بسبب انقطاع الطرق في فصل الخريف. وأوضح أنّ البضائع تُجلب من مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، ما يزيد تكاليف الترحيل التي انعكست بدَورها على أسعار السلع.
وبلغ سعر جوال السكر، زنة 50 كيلو، 250 ألف جنيه سوداني، وجركانة الزيت 240 ألف جنيه، وسعر الفوط الصحية ما بين 8 و10 آلاف جنيه للقطعة.
وتمثّل المطابخ الجماعية، التي أنشأها شباب ومنظّمات أبو جبيهة، أبرز صور التكافل بهدف إطعام النازحين وتخفيف وطأة الجوع اليومي. وتحوّلت من محض نقاط لتوزيع الطعام، إلى مساحات للتضامن الإنساني، حيث يلتف المتطوّعون حول «الحلة الكبيرة» ليطبخوا، مؤكّدين بذلك أن المجتمع قادر على إطعام نفسه بنفسه حتى في أشدّ الأيام قتامة.



