أتر

عندما تنبح الكلاب وتستمرّ القافلة في المَسِير: مطاردة الدولار أم خَلْقه؟

منذ سنوات، ما زلنا ندور في الحلقة نفسها، في ما يتعلّق بسياسات سِعْر الصرف في السودان: كلّما تحرَّك سعر الدولار إلى أعلى، عادت الدولة إلى صندوق الأدوات نفسه، وكأنّ المشكلة تكمن في سلوك السوق وليس في الاختلالات الأساسية التي تحرّكه. وكما أشار الكاتب محمد كمير في مقاله: «تجريب المجرَّب في السيطرة على سعر الصرف»، المنشور في أغسطس 2026، يتكرَّر اللجوءُ إلى الأدوات والسياسات ذاتها؛ المتمثلة في تحرير سعر الصرف، وشراء الذهب عبر البنك المركزي، والودائع الاستثمارية من الدُّول الصديقة، والضخّ المؤقّت للنقد الأجنبي في المصارف، وملاحقة السوق الموازية، وتعديل سعر الدولار الجمركي مراراً. ومع ذلك، عند كلّ موجةِ ارتفاعٍ تقريباً، يبقى السؤال الجوهري قائماً: التشدُّد تجاه المصارف، وفَرْض قيود على الاستيراد، وحظر استيراد بعض السلع، وتنظيم استيراد السيارات المستعمَلة، وفرض رسوم أو غرامات جمركية تصاعدية مرتبطة بعُمر السيارة، تُرى هل تُمَكِّن هذه الإجراءات من السيطرة على سعر الصرف من خلال إدارة الطلب على الدولار والتحكُّم فيه، من دون معالجة الخلل الأساسي الذي يجعل الطلب على النقد الأجنبي أكبر باستمرار من المعروض منه؟

المشكلة هنا؛ أنّ السياسة تنشغل في الغالب بكبح الطلب، بينما لا تعالج بما يكفي ضعف العرض. حين يكون الاقتصاد في حاجة مستمرّة إلى النقد الأجنبي، لاستيراد الغذاء والوقود والدواء ومدخلات الإنتاج، فإنّ محاولة خفض الطلب إدارياً لا يمكن أن تكون بديلاً مستداماً عن زيادة موارد النقد الأجنبي. وفي هذا السياق، أتّفق مع الباحث مصعب عوض، في مقاله: «نقاش لمقال الدكتور إبراهيم أونور بخصوص سعر الصرف». المنشور بصفحته بتاريخ 8 اغسطس 2026، في أنّ قدرة السياسة النقدية على التأثير في سعر الصرف تظلّ محدودة في ظلّ الهيمنة المالية والتوسّع النقدي المستمرّ والإجباري لتمويل عجز الموازنة. حين تضطرّ السياسة النقدية إلى استيعاب الضغوط الناتجة عن العجز المالي، يصبح من الصعب عليها في الوقت نفسه أن تؤدي دَوراً مستقلاً وفعّالاً في استقرار قيمة العملة. كما أتّفق مع الكاتب محمد كمير في أنّ سعر الصرف ليس محض نتيجة لزيادة استيراد سلعة يمكن حظرها أو تقييدها. إنّ ميزان الطلب على النقد الأجنبي أوسع بكثير، ويشمل سلعاً وخدمات أساسية لا يمكن ببساطة المساس بها، مثل الوقود والقمح والأدوية ومدخلات الإنتاج. بل إنّ تقييد بعض الواردات قد يؤدّي أحياناً إلى آثار عكسية، إذا نتجت عنه اختناقات في الإنتاج أو ارتفاع في تكلفة السلع والخدمات.

هناك عامل آخر بالغ الأهمية يتمثّل في التوقّعات. عندما يبدأ الدولار في الارتفاع، لا ينتظر المتعاملون بالضرورة حدوث الارتفاع التالي، وإنما يبدأون في التحوّط منه قبل حدوثه، فيتحوّل الدولار من محض وسيلة للدفع إلى أصل للتحوُّط وحفظ القيمة. وهنا تنشأ حلقة ذاتية التعزيز: ارتفاع الدولار، يعني توقّع مزيد من الارتفاع، وزيادة الطلب على الدولار، وانخفاض الثقة في العُملة المحلية، ومزيد من خروج المدّخرات إلى العُملات الأجنبيّة، ومن ثمّ ارتفاع جديد للدولار. وهكذا لا يصبح سعر الصرف محض انعكاسٍ للعرض والطلب الحاليَّين، وإنما يصبح أيضاً انعكاساً لتوقّعات المتعاملين بشأن المستقبل؛ فالسوق لا تتعامل مع ما يحدث اليوم حصراً، وإنما مع ما يَتوقّع أن يحدث غداً.

في تقديري، لا ينبغي أن يكون الهدفُ قصيرُ الأجل هو محاولة تثبيت سعر صرفٍ إداريّ، أو فَرْض سعر لا يستطيع الاقتصاد الدفاع عنه، وإنما وَقْف التصاعد الجامح في سعر الصرف، وتهيئة الظروف لاستعادة الاستقرار. ويتطلّب ذلك حزمة متزامنة من الإجراءات، أهمّها:

  1. ترشيد الإنفاق العام، وإعادة ترتيب أولويات الموازنة.
  2. تقليل التمويل بالعجز، والحدّ من التوسّع النقدي المرتبط بتمويله.
  3. تعظيم حصائل الذهب، وإعادة تنظيم تجارة الذهب عبر الحوافز التي تجعل الاحتفاظ بعائدات الصادر وإعادتها أكثر جاذبية.
  4. تفعيل موارد النوافذ، بما في ذلك موارد السفارات والمنظمات والجهات الأجنبية العاملة في السودان.
  5. إصدار أدوات ادّخارية واستثمارية جاذبة، مثل أذونات وسَندات الخزانة ذات العوائد المُجزية
  6. إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي، بحيث تجعل الأفراد والمؤسّسات مستعدّين للاحتفاظ بجزء أكبر من مدّخراتهم بالعُملة المحليّة وبداخل النظام المالي الرسمي.

الإجراءات قصيرة الأجل قد تُوْقِف النزيف، لكنها لا تعالج المرض إذا بقيت الأسباب الهيكلية على حالها. وهنا تكمن أهمية ما أشار إليه محمد كمير من ضرورة «تغيير المسار إلى صدمة إيجابية كبيرة في جانب عرض النقد الأجنبي»، فالمدى الطويل يحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة. وهذا، في تقديري، هو جوهر القضية، بدلاً من أن تظلّ السياسة الاقتصادية تدور حول سؤال: «كيف نمنع الناس من شراء الدولار؟» ينبغي أن تنتقل إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف نزيد قدرة الاقتصاد السوداني على توليد الدولار؟ والفَرْق بين السؤالين هو الفَرْق بين إدارة الأزمة ومعالجة الأزمة. زيادة الإنتاج والصادرات، استعادة القطاعات المنتجة، تطوير الزراعة والثروة الحيوانية، رفع القيمة المضافة للصادرات، تحسين بيئة الاستثمار، جذب التحويلات، استقطاب الاستثمار الأجنبي، وإعادة بناء الجهاز المصرفي؛ كلّها عناصر يمكن أن توسّع قاعدة العرض من النقد الأجنبي على نحو مستدام. أما الاستمرار في السلسلة المكرّرة؛ فهو يشبه محاولة إخماد حريق بإزالة الدخان من المكان بدلاً من إطفاء مصدر النار.

المطلوب تغييرٌ في فلسفة السياسة: من محاولة السيطرة على سعر الصرف إلى معالجة العوامل التي تحدِّد سعر الصرف، ومن إدارة الطلب على الدولار فقط إلى زيادة عرضه، ومن القرارات الإدارية المتكرّرة إلى إصلاحات مالية ونقدية وإنتاجية متزامنة، ومن التعامل مع السوق الموازية باعتبارها المشكلة، إلى إدراك أنها -في جانب كبير منها- عَرَضٌ من أعراض المشكلة. والكلاب قد تستمرّ في النباح، لكنّ القافلة ستواصل السير في الاتجاه نفسه ما لم يتغيّر الطريق. وفي قضية سعر الصرف، الطريق هو أساساً: الانضباط المالي، والاستقرار النقدي، وزيادة الإنتاج والصادرات، واستعادة الثقة، وخلق تدفّق مستدام للنقد الأجنبي. أما محاولة تثبيت السعر دون تغيير هذه الأساسيات، فإنها لن تكون في الغالب سوى جولة جديدة من تجريب المجرَّب.

Scroll to Top