أتر

عَرْض النقود في السودان: ماذا تقول الأرقام؟

مع استعادة القوّات المسلحة سيطرتها على الخرطوم في مايو 2025، بدأت الدولة تواجه اختباراً مالياً جديداً؛ إذ إنّ عودة الحكومة إلى العاصمة تتطلّب تأهيل مقرّات الوزارات والمؤسّسات، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمرافق الصحية، وتهيئة المدينة لاستقبال المواطنين، وفي الوقت نفسه استمرّت العمليات العسكرية وما تفرضه من نفقات على الإمداد والنقل والأجور.

جاءت هذه الالتزامات في وقت أضعفت فيه الحربُ قدرةَ الحكومة على جمع الإيرادات، فقد تضرَّرت المصانع والأسواق ومراكز الإنتاج، واضطربت التجارة والنقل، وتقلَّص النشاط الذي تُحصِّل منه الدولةُ الضرائبَ والرسوم. ووجدت المالية العامة نفسها أمام مصروفات عسكرية وخدمية وإدارية متزايدة، داخل اقتصادٍ فقَدَ جانباً من قاعدته الإنتاجية والإيرادية.

انعكست هذه التحوُّلات على حجم الأموال المتداولة والمسجَّلة داخل الجهاز المصرفي، فقد ارتفع عَرْض النقود من 4.93 تريليون جنيه في نهاية 2022، إلى 37.05 تريليوناً في يونيو 2026، أي بما يعادل نحو سبعة أضعاف ونصف خلال ثلاث سنوات ونصف.

ويشتمل عَرْض النقود على الكاش الموجود لدى الجمهور، والودائع تحت الطلب، والودائع الادخارية والاستثمارية، بما فيها الأرصدة المقوَّمة بالعملات الأجنبية، ويتأثر مقداره بحركة التمويل المصرفي، والسيولة التي يُنشئها البنك المركزي، وتغيُّر قيمة الجنيه، لذلك يحمل نموُّه أكثرَ من تفسير اقتصادي.

كيف تَغيَّر عَرْض النقود خلال الحرب؟

تسارَع نموّ الكتلة النقدية بعد اندلاع الحرب، فقد ارتفع عرض النقود إلى 7.60 تريليون جنيه سوداني في 2023، بعد أن كان 4.93 ترليون جنيه في 2022، ثم سجَّل أسرع معدَّل نموّ خلال 2024 بنسبة 90.6% ليبلغ 14.48 ترليون جنيه، قبل أن يواصل ارتفاعه بنسبة 74.7% في 2025، ويبلغ 25.30 ترليون جنيه، وخلال الأشهر الستة الأولى من 2026 أضاف الاقتصاد 11.75 تريليون جنيه أخرى.

الفترة عَرْض النقود نموّ عرض النقود العملة لدى الجمهور القاعدة النقدية
2022 4.93 49.4% 1.25 3.64
2023 7.60 54.2% 1.73 5.82
2024 14.48 90.5% 1.61 11.02
2025 25.30 74.7% 3.22 20.24
يونيو 2026 37.05 *46.4% 3.80 غير منشورة

القيَم بتريليونات الجنيهات، المصدر: بنك السودان المركزي*

نموّ يونيو 2026 محسوب منذ ديسمبر 2025

وتقدِّم المقارنة بين يونيو 2025 ويونيو 2026 قراءةً أدقّ لسرعة التوسُّع خلال سنة واحد، فقد زادت الكتلة النقدية بنحو 18.33 تريليون جنيه، أي بنسبة تُقارب 98%، وتركَّزت الزيادة داخل الجهاز المصرفي، إذ تضاعفت الودائع تقريباً، بينما سجَّل الكاش الموجود لدى الجمهور نموّاً أبطأ.

المؤشر يونيو 2025 يونيو 2026 معدّل الزيادة
عرض النقود 18.72 37.05 98.0%
العملة لدى الجمهور 2.47 3.80 53.9%
الودائع تحت الطلب 4.41 9.52 115.9%
شبه النقود 11.84 23.73 100.4%
إجمالي الودائع المصرفية 14.82 30.09 103.0%
إجمالي التمويل المصرفي 4.58 6.89 50.5%

القيَم بتريليونات الجنيهات، المصدر: بنك السودان المركزي، النشرتان الاقتصاديتان لشهري يونيو 2025 ويونيو 2026، وحسابات التقرير.

يوضح الفرق بين نموّ الودائع والتمويل المصرفي أنّ زيادة عَرْض النقود جاءت من عدة مسارات، فالتمويل يضيف أرصدةً إلى حسابات العملاء، واتساع الودائع يرفع حجم الأموال داخل المصارف، كما يؤدّي انخفاض الجنيه إلى زيادة القيمة المحلية للأرصدة المقوَّمة بالعملات الأجنبية.

وفي يونيو 2026، بلغت العُملة لدى الجمهور 3.80 تريليون جنيه، بما يعادل 10.3% من عَرْض النقود، وبلغت الودائع تحت الطلب 9.52 تريليون جنيه، بينما وصل شِبْه النقود إلى 23.73 تريليون جنيه، ممثلاً 64% من الإجمالي، وتعني هذه التركيبة أن الجزء الأكبر من الأموال يتحرك داخل الحسابات المصرفية من خلال التحويلات والتطبيقات البنكية.

ويضمّ شِبْه النقود الودائعَ الادخارية والاستثمارية وأجزاء من الودائع الأجنبية، فوديعة قدرها مليون دولار كانت تسجِّل 600 مليون جنيه عند سعر 600 جنيه للدولار في أبريل 2023، ثم أصبحت تسجِّل 5.266 مليار جنيه عند سعر 5,266 جنيهاً في يونيو 2026، مع بقاء رصيدها مليون دولار. وظهر هذا الأثر في 2025، حين أضاف بند إعادة تقييم الأصول والالتزامات الأجنبية نحو 4.91 تريليون جنيه إلى العوامل المؤثّرة في عَرْض النقود.

هل طبعَت الحكومة النقود لتمويل إنفاقها؟

خلال الحرب، أصبحت الحكومة تنفق أكثر ممّا تجمعه من الإيرادات، فهي تحتاج إلى تمويل العمليات العسكرية، ودفع الرواتب، وتسيير الخدمات، وتحويل الأموال إلى الولايات، ثمّ أضيفت إليها تكلفة العودة إلى الخرطوم وإعادة تشغيل المؤسّسات. وهذه الفجوة بين الإيرادات والمصروفات تمثّل عجز الموازنة.

تستطيع الحكومة تغطية العجز من خلال الأوراق المالية أو الاقتراض من المصارف التجارية، أو بنك السودان، ويختلف الأثر في كلّ حالة، فعندما تقترض من مصرف تجاري، يَستخدم المصرف جزءاً من موارده وودائع عملائه، فتنتقل الأموال إلى الحكومة وتضيق المساحة المتاحة للبنوك لتمويل المزارعين والمصانع والتجّار.

وقد ارتفعت مُطالَبات الجهاز المصرفي على القطاع العام من 2.19 تريليون جنيه في 2022، إلى 17.98 تريليون جنيه في 2025، وخلال الفترة نفسها زادت مطالباته على القطاع الخاص من 1.66 تريليون جنيه، إلى 4.78 تريليون جنيه، واتسعت النسبة بين الرصيدين من 1.3 مرة إلى 3.8 مرات.

الفترة مُطالَبات القطاع الخاص مُطالَبات القطاع العام مُطالَبات المركزي على الحكومة العام/الخاص القاعدة النقدية
2022 1.66 2.19 1.87 1.3 مرة 3.64
2023 1.94 4.50 3.68 2.3 مرة 5.82
2024 2.69 9.63 8.07 3.6 مرة 11.02
2025 4.78 17.98 16.35 3.8 مرة 20.24

القيَم بتريليونات الجنيهات، المصدر: بنك السودان المركزي، العرض الاقتصادي والمالي لعام 2025، وحسابات التقرير.

أما الاقتراض من بنك السودان، فيبدأ عندما يضيف البنك المركزي رصيداً إلى حساب الحكومة، ويسجِّل المبلغ دَيناً عليها، وعندما تَستخدم الحكومة الرصيد في دفع الرواتب أو شراء السلع والخدمات، تنتقل الأموال إلى حسابات العاملين والمورِّدين والشركات وتدخل الأسواق، وتنشأ النقود هنا إلكترونياً، ثم يتحوَّل جزء منها إلى أوراق نقدية عند السحب. وفي الوقت نفسه يبقى إنتاج الغذاء والوقود والدواء عند مستواه السابق، أو يتراجع بفعل الحرب، فتزداد الأموال التي تطارد كمية محدودة من السلع، وترتفع الأسعار.

لهذا تحمل كلمة «الطباعة» معنىً شعبياً أوسع من تشغيل مطابع العملة، وفي الاستخدام الاقتصادي تُسمّى العملية (التمويل النقدي للعجز، أو خلق النقود الأساسية)، فقد تكون الأموال الجديدة أرصدةً إلكترونية لدى المصارف، وقد تنتقل لاحقاً إلى الأسواق في صورة كاش (إذا جرى سَحبها)، وفي الحالتين تزداد قدرة الحكومة على الإنفاق من خلال سيولةٍ أنشأها البنك المركزي.

وتوضح بياناتُ السنوات الثلاث اتساعَ هذا النوع من التمويل، ففي 2023 زادت مطالبات بنك السودان على الحكومة بنحو 1.81 تريليون جنيه، بالتزامن مع نموّ القاعدة النقدية بمقدار 2.18 تريليون جنيه، وفي 2024 ارتفعت المطالبات بنحو 4.39 تريليون جنيه، مقابل زيادة قدرها 5.20 تريليون جنيه في القاعدة، ثمّ تسارَع المسار في 2025، حين زادت المطالبات بنحو 8.28 تريليون جنيه، وارتفعت القاعدة النقدية بمقدار 9.22 تريليون جنيه.

وتعني مطالباتُ بنك السودان على الحكومة الأموالَ التي قدَّمها البنك المركزي، وما زالت مسجَّلةً عليها كالتزام. أما القاعدة النقدية فتشمل أوراق النقد خارج المَصارف، واحتياطيات البنوك وأرصدتها لدى المركزي. وفي 2025 عادَلَ نموّ المطالبات الحكومية نحو 90% من الزيادة في القاعدة النقدية، أي أنّ كلّ عشرة جنيهات تقريباً أضيفت إلى النقود الأساسية، قابَلتها نحو تسعة جنيهات من التمويل الجديد القائم بين البنك المركزي والحكومة.

يعني هذا المسارُ انتقالَ جانبٍ من تكلفة الحرب، وعَجْز الموازنة إلى ميزانية بنك السودان بالتفسير السياسي، ثمّ إلى الاقتصاد عبر الأسعار وسعر الصرف والقوة الشرائية، كما تصبح إدارة السيولة مرتبطة باحتياجات الإنفاق الحكومي، وهي حالة تُعرَف اقتصادياً بهيمنة السياسة المالية على السياسة النقدية.

وتَعرِض بياناتُ البنك المركزي حجمَ التمويل، بينما تُحدِّد بيانات الموازنة أوجهَ استخدامه بين العمليات العسكرية والرواتب والخدمات وإعادة المؤسَّسات. أما حجم الكاش الذي أُصدِر فعلياً فيَظهر في بيانات العُمْلة التي أُصدِرت، وتَجْمَع النقد الموجود لدى الجمهور والنقد المحتفَظ به داخل خزائن المصارف.

هل تنجح العودة في كَسْر دائرة الاستدانة؟

مكّن التمويلُ المصرفيُّ الحكومةَ من الاستمرار في دفع التزاماتها خلال الحرب، لكنه نقَل جانباً من تكلفة العجز إلى الاقتصاد وانخفاض قيمة العملة، فازداد اعتماد الدولة على بنك السودان والمصارف، واتجهت موارد أكبر نحو القطاع العام، ووصل أثَر هذا المسار إلى المواطن عبر الأسعار، وتراجُع القوة الشرائية، وضِيق التمويل المتاح للإنتاج.

وتعني عودة المواطنين اقتصادياً عودة الأنشطة التي فقدتها الدولة خلال الحرب؛ إذ إنّ عودة المواطنين ترفع الطلب على السلع والخدمات، وتعيد الأسواق والمصانع والنقل والعقارات إلى العمل، كما تزيد حركة الاستيراد والإنتاج من الإيرادات الجمركية والضرائب والرسوم، ويساعد تشغيل المناطق الاقتصادية ومراكز التحصيل على توسيع القاعدة الإيرادية، ويمكن لهذه الموارد أن تمِّول جانباً من الخدمات وإعادة الإعمار وتخفّف اعتماد الحكومة على الاستدانة.

وستستمرّ حاجة الحكومة إلى التمويل خلال الفترة المقبلة؛ بسبب ضخامة الإنفاق العسكري والخدمي وتكلفة إعادة المؤسّسات والمرافق واعادة التشغيل، لذلك يمكن لعودة سوق الخرطوم للأوراق المالية أن يوفّر مساراً إضافياً لتغطية جزء من العجز، من خلال إصدار أوراق مالية حكومية يشتريها الأفراد والمؤسَّسات والمصارف، بدلاً من الاعتماد المباشر على بنك السودان. ويتطلّب نجاح هذا المسار عائداً مقبولاً، وآجالاً واضحة للسداد، وثقةً في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، مع مراعاة أثر توسُّع الإصدارات الحكومية في التمويل المتاح للقطاع الخاص.

ويقوم تخفيف ضغوط الاستدانة على الجَمْع بين ثلاثة مسارات: زيادة الإيرادات مع عودة النشاط الاقتصادي، وتوجيه التمويل نحو القطاعات التي توفّر السلع والصادرات، وتوسيع مصادر تمويل العجز عبر سوق منظّم للأوراق المالية، فكلّما تحوّلت العودة إلى إنتاج وإيرادات حقيقية، أصبحت الحكومة أكثر قدرةً على تمويل التزاماتها من موارد الاقتصاد، وتراجعت حاجتها إلى خلق سيولة جديدة تضغط على الأسعار والجنيه.

Scroll to Top