أتر

أزمة التمويل الزراعي في مدينة دوكة: حتى إشعار آخر

أثار منشورٌ من البنك الزّراعي بالقضارف، فرع محلّية القلّابات الشرقية بمدينة دوكة، على بُعد حوالي 77 كلم شرقي مدينة القضارف، غضباً وسط صغار المزارعين بالمنطقة، وذلك على خلفية إيقاف التمويل الذي طلبه المزارعون في وقت سابق. وجاء في المنشور الذي وجده المزارعون معلَّقاً أمام البنك في 16 أغسطس الجاري؛ أنه قد جرى «إيقاف إجراءات التمويل الأصغر… نسبةً لانتهاء السقف المحدد للفرع».

«هناك قرابة الـ 190 مُزارعاً لم يتسلّموا تمويلاتهم حتى الآن»، هكذا يبتدر مزمل جعفر حديثه لـ «أتَـر»، وهو مزارع من مدينة دوكة، ثم يواصل قائلاً: «في البدء كان التمويل يمرّ بسلاسة، وجرى تمويل عدد من المزارعين بعد استيفاء جميع الشروط، من شهادة زراعية، وعقود إيجار في حالة الاستئجار، وخلوّ طرف من أيّ مديونيات قديمة للبنك. والبنك يموِّل المزارعين بقيمة مالية تعادل سعر محصول الذُّرَة، وقد سعَّر البنك أرَدْب الذُّرَة بقيمة 300 ألف جنيه سوداني. أخبرنا البنك سلفاً بأنّ التمويل سيشمل الجميع في فترة أقصاها 15 أغسطس، لكننا فوجئنا في اليوم التالي لذلك الموعد بمنشور البنك، وأنا واحد من أولئك الذين حُرموا من التمويل».

يتساءل مزمل عن تذرُّع البنك بانتهاء سقف التمويل، وذلك لأنّ البنك قد موَّل كبار المزارعين بآليات زراعية بقيمة أكثر من ملياري جنيه، ويعلّق على ذلك بأنه «تمويل يكفي جميع مزارعي جنوب القضارف، وليس مزارعي دوكة وحدهم»، ويواصل حديثه: «إجراءات التمويل ذاتها تكلّف مبالغ مالية، فعقد الإيجار يكلّف 200 ألف جنيه، والشهادة الزراعية 100 ألف جنيه، وبعض مَن كانت عليهم ديون اضطرّوا لشراء محصول من السوق بسعر أعلى مِن سعر البنك».

أما عاطف أحمد، وهو مزارع وتاجر من قرية قريّب بالقلابات الشرقية؛ فيتحسّر على عدم تسلّمه التمويل رغم ظهور اسمه في لائحة المختارين، وكان ذلك قبل أسبوعين من صدور قرار إيقاف التمويل. يقول عاطف لـ «أتَـر»: «انتظرتُ مدة أسبوع ولم أتحصّل على النقود في حسابي البنكي، بعدها ذهبتُ إلى البنك لكي أرى ما الخلل؛ لأُفاجَأ بقرار البنك». ثم يمضي متسائلاً: «لقد جرى تمويل عدد من المزارعين رغم إكمالهم الإجراءات بعده، فهل هذا فساد أم ماذا؟».

يحتاج عاطف إلى التمويل لإكمال عمليات الزراعة في مساحة مستأجَرة قدرها 51 فداناً، زرَع فيها الذرة والقطن، وهو الآن في مرحلة الكَدِيب «نظافة الحشائش». وعلى الرغم من الإجراءات البيروقراطية الكثيرة التي يتّبعها البنك الزراعي في ما يتعلق بالتمويل «إلَّا أنّ الفشل يلازمه» كما يقول عاطف، ويضيف: «كان حسابي في البنك الزراعي من فئة حساب تجاري، وأخبروني في البنك بأنني لن أستطيع الحصول على التمويل ما لم أغيّره إلى حساب جاري، وذلك الإجراء يتطلّب بطاقة هوية سارية المفعول، ما اضطرّني لتجديد بطاقتي القومية، ثم استخرجت الشهادة الزراعية من هيئة الزراعة الآلية». وقد استأجر عاطف عدداً من العمّال من أجل الكَدِيب، لكنّه اصطدم بواقع إيقاف التمويل، وسيضطرّ، حسب قوله، إلى بيع جزء من تجارته للتمويل كخطة بديلة.

يقول أبوبكر عبد الملك، وهو مزارع بمدينة دوكة، متحدثاً لـ «أتَـر»: «أزرع مساحة 448 فداناً بشرق القضارف، وكنتُ قد أكملتُ إجراءات تمويلي بـ 100 جوال ذُرَة، ولديَّ حساب بالبنك الزّراعي منذ العام 2019. ورغم إكمالي إجراءات التمويل إلا أني لم أتسلّم تمويلي بعد، ولا أعلم ما هي سياسات البنك في أولوية التمويل؛ لأنّ هنالك من أكملوا الإجراءات بعدي وقد تسلّموا تمويلهم». ويشير أبوبكر إلى أنّ مدير البنك أخبرهم بأنّ التمويل سيكون بقيمة 30 جوالاً للمسجّلين حديثاً، و60 جوالاً للمتعاملين مع البنك سابقاً، «ولكن لم يحدث لا هذا ولا ذاك»، يقول. وحسب حديث أبوبكر كان من المفترض أن يتسلّموا تمويلهم منذ شهر يوليو، لأنّ التحضير يبدأ منذ ذلك الوقت: «أمّا الآن فنحن في مرحلة الكديب، وحسب المساحة التي أزرعها لم يتبقّ لديّ مال كاف. نحتاج أيضاً في هذه المرحلة إلى شراء المبيدات، وسرولة محصول الذرة (تخفيض الذُّرَة بآلة الديسكي)».

في العام الماضي أيضاً لم يتسلّم أبوبكر تمويله، ما اضطرّه إلى طلب تمويل من أحد التجّار بالسوق بنظام يُسمّى «الكَتَفَلِّي»، فأخذ الجوال بسعر 50 ألف جنيه، وسدَّده بسعر 100 ألف، ما جعله يدخل في خسارات، ويخشى أن يتكرّر معه الأمر من جديد هذا الموسم، ويعلّق أبوبكر على ذلك: «أعلم أنه نظام غلط، لكنني اضطررت إليه، إذ لم يكن أمامي خيار غيره».

حتى إشعار آخر

أصبحت الزيارات إلى مقرّ البنك الزراعي بدوكة عادة يوميةً لمزمل وأبو بكر وعاطف، فمنذ إشعار البنك المعنيّ بانتهاء سقف التمويل، اضطرّوا إلى متابعة الإجراءات من داخل البنك أملاً في حدوث انفراجةٍ لتمويلهم، وهو ما لم يحدث حتى لحظة كتابة هذا التقرير، بينما تعدّدت الأعذار والوعود من قِبل القائمين على البنك، وأكثر أعذارهم، على حسب قول المزارعين الثلاثة: «المدير مافيش».

 تلك الزيارات يصفها عاطف بـ «المستنزِفة»، فمع غلاء المواصلات يَصعُب الذهاب يومياً إلى البنك، ولا يمكن تعطيل العمل يومياً. وقد اتّفق ثلاثتُهم على أنّ إيقاف التمويل يهدّد الموسم الزراعي لعدد من المزارعين في منطقتهم، وناشدوا الجهات المعنيّة التدخّل لإصلاح الخلل.

Scroll to Top