حين نفّذ الإسلاميون في السودان انقلابهم وعسكروا الفضاء السوداني بقوة السلاح وبطش الدولة، شبَّ جعفر خضر من كرسيّه المتحرّك في الجهة المقابلة، مناضلاً كؤوداً، يُراهن على الأعمال المدنية والمبادئ السلميّة، منذ اليوم الأول وحتى سقوط النظام بعد 30 سنة من المقاومة والنضال العنيد.
توفي جعفر في أغسطس الجاري بعد أن رَبِحَ جعفر رهانَه الثاقب.
يصف حاتم المهدي، الذي كان رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في التسعينيات ورفيقَه في حركة الطلّاب المحايدين، جعفر بأنه تمثيل كامل للمثقّف العضوي الذي عاد إلى مدينته لتأسيس العمل القاعدي، حيث أسّس «منتدى شروق»، الذي أصبح قِبلةً للمثقّفين في أنحاء السودان، بدلاً عن أن يبحث عن وظيفة بعد تخرّجه في العاصمة. وبفضل جعفر، أصبحت القضارف أحد مراكز النضال في الولايات، التي كان نشاطها المقاوم في العادة ردّ فعل لما يحدث في الخرطوم.
جبلٌ على كرسيّ
وُلد جعفر خضر بمدينة القضارف في 1970، وعاش طفولة نشطةً حركياً؛ يُمارس رياضة كرة القدم وغيرها من ألعاب الطفولة مع أقرانه في الحي والمدرسة، حتى دخوله جامعة الخرطوم العام 1990، وفيها جلس على كرسي الإعاقة، لأول مرة، وتحوّل عن دراسة العلوم الصحية إلى دراسة الاقتصاد، فدرَس العلوم السياسية. وبدا طالباً شغوفاً بالمعرفة، يدفع كرسيّه إلى الأمام، متنقّلاً بين مكتبات الجامعة للتزوّد بالمعارف الجديدة، منفعلاً بمقاومة السُّلطة والاستبداد في أشرس سنواتهما الأولى، منحازاً لقضايا الطلاب، ومدافعاً صلداً عن الحريات العامة والعدالة والديمقراطية، عبر مخاطباته الجهورة في أركان النقاش، مقتحماً بأشعاره الثورية شوارع وميادين الجامعة، ومنخرطاً في «حركة الطلاب المحايدين» التي تعني له الاستقلال عن الأحزاب والممارسات السياسية، دون الحياد عن قضايا الوطن والديمقراطية ومقاومة الاستبداد، مُشَيِّداً في ما بعد مسيرةً طويلةً من العمل السياسي والثقافي والمجتمعي.
وشكَّل جعفر حضوراً بارزاً في أبرز محطّات تاريخ الحراك المدني في البلاد، خلال ثلاثين سنة من حكم الإنقاذ، ما عرّضه للاعتقال والاستدعاء والتوقيف مرات عدة على خلفية نشاطه السياسي والمجتمعي الذي استمر 35 عاماً، تُوِّجت بانتصار الثورة وسقوط النظام عقب المواكب والاحتجاجات السلمية التي انخرط في مقدّمة صفوفها، مركزياً ومحلياً، وكان أحد أيقونات ثورة ديسمبر ورمزاً عتيداً من رموز الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم.
جعفر المُعلّم
بعد تخرّجه في الجامعة وعودته إلى مدينته الأمّ القضارف، كرّس جعفر خضر جانباً من نشاطه لمساندة الأشخاص ذوي الإعاقة، ومساعدتهم في الوصول إلى الخدمات العلاجية والصحية والاجتماعية، وساهم في تأسيس مبادرات تدعمهم، وظَلّ قريباً من القضايا المحلية لسكان المدينة وعموم الولاية، مُشاركاً بقوة في الاحتجاجات ضدّ انتهاكات السلطات المحلية، وبادَرَ مع آخرين بتكوين منظمتي «القضارف ضد الفساد» و «خلاص»، فضلاً عن «منتدى شروق» الذي استضافه في غرفته الخاصة، مطلِقاً عليها اسم «قاعة عدن» بعد ملاحقة السلطات لنشاط المنتدى وملاحقة عناصره.
يصف الدكتور عبد الله علي إبراهيم نشاطه المحلي بالمتجذّر، قائلاً: «أجرؤ على القول إنّ جعفر في قلة من السودانيين اعتقدت أن السياسة ممارسة محلية كما تجري العبارة، فتضحيات السودانيين فوق الحصر، ولكن جعفر استثناء فيهم؛ لتجذُّر سياسته في بيئة محلية ودوامه عليها». ويضيف: «قرأتُ بحثاً له عن التعليم عنوانه «التعليم السوداني: لا وحدةً بَلغ ولا دَيناً أبقى». وأشهد الله أنني ما قرأت مثله ممّن فاقه خبرة وتأهيلاً؛ فبينما تجدُهم غضبى حوّلوا نقدهم للتعليم في ظل الإنقاذ إلى سياسة؛ تجد جعفر رصيناً أبقى عليه تعليماً، ونفذ إلى نصوص المقرَّر تجريحاً وتعديلاً بحرفية بيداغوجية غراء».
يقول شقيقُه رامي خضر إنّ جعفر، منذ عودته من الجامعة، افتتح فصلاً لتزويد التلاميذ الصغار بدروس التقوية بقيمة رمزية بسيطة، وظلّ يستقبل طلابه بلا انقطاع حتى رحيله الأخير: «عاش لمساعدة الآخرين، مثقفاً عضوياً ملتزماً بمبادئه في الثورة والنضال، محتملاً كثيراً من الأذى، لكنه كان مؤمناً بما يفعل، ملهماً، لم يتسلّل الإحباط لروحه الكبيرة». يضيف بحزن في حديثه مع «أتَـر»: «كان صديقي، أكثر من ذلك، كان بمثابة أمّي وأبي بعد رحيلهما. رافقتُه في كلّ اعتقال تعرّض له، جريرتي فقط، أنني شقيق جعفر».
في خضمّ الحرب
حين اندلعت الحرب، شدَّ جعفر خضر مِن عَضُد مؤسّسات الدولة ودافع عن بيضتها، مستنكراً قتل المدنيين وترويع واغتصاب النساء ونهب أموال الناس وتخريب الممتلكات. يقول صديقُه فخر الدين عوض حسن: «لقد اختار جعفر أن يدعم الجيش لأنه مؤسّسة وطنية، رافضاً مساواته بالمليشيا التي وجّهت سلاحها مباشرة نحو المواطنين، وارتكبت المجازر ودمّرت البنية التحتية للدولة». ويضيف قائلاً: «تحمّل جعفر أذى رفاق الأمس، وتحمَّل الاتهامات التي طالت شرفه ومواقفه، لكنه لم يتراجع عن موقفه في دعم مؤسّسات الدولة، كان هذا أيضاً موقفي، وموقف كثير من داعمي الثورة وقناديلها وشموعها، ممّن رأوا أن دعم الدولة ومؤسّساتها لا يعني دعم الاستبداد، وأنّ الوقوف مع الجيش لا يعني الوقوف مع أي فرد أو جماعة داخله».
بدَوره يقول علي موسى، زميله في سنوات الدراسة والنضال في الجامعة، عن تحوّلات جعفر الفكرية وقناعاته السياسية أنها تأتي من داخل مبدئيّته نفسها، لا خارجها، من صدقيته مع نفسه ومواقفه: «لا يتشبّث بموقف فكري أو سياسي جزافاً، دائماً يتحوّل إلى ما يعتقد أنه الصواب بعد مراجعات متأنّية وصبورة»، ومن ثمّ يضيف في حديثه لـ «أتَر»: «كم تحاورنا في أركان النقاش مطلع تسعينيات القرن الماضي في منابر جامعة الخرطوم الواسعة بالفكر، رغم صعوبة المشهد السياسي وقتها، وكم مرة احتدَّ النقاش، ثم نضحك في كلّ مرة. إنه يشبه صوفياً مخفياً، نظيف الخلق، عفّ اليد واللسان، يُستمَدّ النور منه».



