نتيجةً للحرب والنزوح عقب أحداث 15 أبريل 2023، اعتمدت الجامعات السودانية نظام التعليم الإلكتروني (أونلاين)، واستعانت ميدانياً بمراكز خارجية في كلٍّ من مصر ورواندا والسعودية، إلى جانب مراكز ولائية في نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية والقضارف وكسلا. وعُقِدت الامتحانات في تلك المراكز، ما وفر للعديد من الطلاب فرصةً لإكمال سنواتهم الدراسية بعيداً عن البلاد أو الولايات التي تأثرت بالحرب.
ومع اتجاه الحكومة المركزية في الآونة الأخيرة للعودة من بورتسودان إلى الخرطوم، صدَرَت قرارات متعدّدة من وزارة التعليم العالي تقتضي إنهاء عمل المراكز الخارجية وعودة المؤسسات إلى مقرّاتها الأصلية. وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق، د. محمد حسن دهب، قد أصدر قراراً في عام 2025 بإغلاق المراكز الخارجية للجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، مُشدّداً على ضرورة استئناف النشاط الأكاديمي من داخل البلاد.
وفي يونيو 2026، أصدر الوزير الحالي، د. أحمد مضوي، قراراً يوجب إيقاف العمل بجميع المراكز البديلة والمؤقّتة والعودة في موعد أقصاه الأول من أغسطس 2026، ملوّحاً بحرمان الجامعات غير المُلتزمة بالقرار من قبول طلاب جدد للعام الأكاديمي الحالي.
أثارت هذه القرارات صدىً واسعاً وردود فعل متباينة وسط الطلاب والأساتذة وأولياء الأمور، واستطلعت «أتَـر” آراء عدد منهم داخل السودان وخارجه.
جامعة الخرطوم
قرر أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم، المضي في تقديم استقالات جماعية، من خلال مذكرة جماعية موحدة، بالتزامن مع الاستقالات الفردية وفق الإجراءات الإدارية المتبعة؛ مؤكدين في بيان على «استحالة قيام الامتحانات في ظل الظروف الراهنة، والنقص الحاد في الكادر الأكاديمي، وهو ما أكده الموقف الغالب لرؤساء الأقسام الحاضرين بالاجتماع؛ وعليه تؤجل الامتحانات إلى أجل غير مسمى، لحين توافر متطلبات قيامها أكاديمياً».
وفي 1 سبتمبر أعلنت اللجنة التسييرية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، تضامنها مع أساتذة كلية الطب، وأكدت دعمها لأي خطوات تصعيدية يقررها أساتذة كل فرعية، وقالت في بيانها إنها «خاطبت إدارة الجامعة لأكثر من مرة للتفاكر حول «حلول موضوعية تضمن استمرار العملية الأكاديمية وتحفظ حقوق الأساتذة والطلاب والعاملين وتصون استقرار المؤسسة، إلا أن هذه المخاطبات لم تجد استجابة».
وفي اليوم نفسه التقى مدير الجامعة بالأساتذة الموجودين في الخرطوم وعقد معهم اجتماعاً كانت أهم مخرجاته، وفق خطاب موجه من مكتب العميد بكلية الطب لرؤساء الأقسام، اطلعت عليه «أتر»، «تقنين عمل الأساتذة المستبقيين بالمشاهرة وتصميم استمارة للموافقة عليها من الأساتذة على أن يتم التجديد لهم فوراً دون أي التزام مالي على الجامعة والتعهد بمضاعفة الرواتب عند العودة إلى البلاد واستلام العمل»، وأن لا يؤثر النقاش الراهن على مصلحة الطلاب أو مواقيت امتحانهم وتخرجهم. كما قرر الاجتماع تعيين د. الفاتح مالك رئيساً لقسم طب المجتمع والتصديق على وظائف في قسم الأطفال وقسم الباطنية وقسم الكيمياء الحيوية.
وافتَتحت جامعة الخرطوم قاعات المجمع الطبّي في 2 أغسطس 2026، لكن دون مساهمة من الحكومة مالياً في عمليات البناء والتعمير التي جاءت نفقاتها كاملة من منظمة «صدقات» الخيرية وبعض الخريجين. واختتمت الجامعة امتحاناتها حضورياً لجميع الكليات في 28 يوليو 2026 بمجمع كلية التربية بأم درمان. وأعلنت أمانة الشؤون العلمية بالجامعة أنّ الدراسة ستُستأنف في جميع الكليات يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026.
من جانبها، تصف «د. أ. ع»، عضو هيئة التدريس بجامعة الخرطوم، وضعَ أساتذة الجامعات في ظل الظروف الحالية بأنه «بالغ التعقيد»، موضحةً في حديثها لـ «أتَـر» أنّ الأزمة لا تتمثّل في نقص الكادر الأكاديمي بقدر ما تتمثّل في غياب أعداد كبيرة من الأساتذة ووجود معظمهم خارج السودان، بينما لا يتجاوز عدد الموجودين في الخرطوم نسبة محدودة. وحول ما راج بشأن مَنْح وزارة التعليم العالي أساتذة الجامعات مهلةَ 45 يوماً للعودة إلى العمل، إلى جانب مطالبة جامعة الخرطوم منسوبيها بالعودة، تقدّر عضو هيئة التدريس أنّ تلك إحدى وسائل الضغط للعودة دون معالجة الأوضاع الأساسية، وفي مقدّمتها السكن والأوضاع المعيشية والأمنية.
وتضيف أنّ بعض الأساتذة الذين كانوا يعتمدون على السكن خارج منظومة الجامعة فقدوا منازلهم بسبب الحرب، وأنّ مساكن الجامعة في بُرّي وحي المطار والعمارات – شارع 61؛ لم تعد صالحة للإقامة بسبب الدمار الواسع: «يحدث هذا في وقت تراجعت فيه أدوار الجامعة في توفير الحماية والرعاية الاجتماعية لمنسوبيها»، معتبرةً أنّ قرار العودة في هذه الظروف قد يتحوّل إلى وسيلة لفرز أو تصفية الأساتذة الموجودين داخل السودان وخارجه دون تقديم ضمانات حقيقية لتوفيق أوضاعهم.
وتنبّه إلى أنّ المشكلة لا تتعلّق بأوضاع فردية، وأنّ هناك أقساماً أكاديمية كاملة، تضمّ أكثر من 20 أستاذاً، «لكن لا يوجد منهم داخل السودان سوى اثنين أو ثلاثة، ما يجعل عودة الجميع أمراً صعباً خلال مدة المهلة».
وتُشير إلى أنّ الجامعة اشترطت الحضور الشخصيّ للعاملين من أساتذة وموظّفين وعمّال لإتمام إجراءات صرف الرواتب عبر التوقيع الحضوريّ أمام المستشار القانوني خلال الفترة من 25 إلى 30 أغسطس؛ مؤكّدة أنّ هذا الإجراء يعني عملياً حرمان الموجودين خارج البلاد من رواتبهم، واصفةً إياه بأنه وسيلة ضغط قد تؤثّر بشدّة على الفئات الأضعف اقتصادياً. وقالت إنّ قرار العودة قد ينجح مع الأساتذة الأكثر فقراً، أو الذين ترتبط أسَرهم بالخرطوم أو المناطق الآمنة، أو الذين لم يتمكّنوا من إيجاد مصادر دخل بديلة.
وتستطرد «د. أ. ع»: «الجامعة ليست مهيّأة في الوقت الراهن لاستقبال الطلاب حضورياً، في ظلّ غياب إرادة حقيقية أو مصادر تمويل كافية لإعادة إعمار الأصول والبنية التحتية المتضررة»، موضحةً أنّ معالجة الأوضاع اقتصرت إلى حدّ كبير على صرف بدلات للسكن والترحيل، ما يترك الأساتذة يواجهون تحديات سوق العقارات والمواصلات.
وتشهد عضو هيئة التدريس أنّ كثيراً من الأساتذة يرغبون في العودة، لكنهم لا يعرفون كيفية القيام بذلك في ظل الظروف الحالية، مشيرة إلى أنّ رواتبهم كانت غير كافية حتى قبل اندلاع الحرب، وكانت هناك مطالبات بإصلاح الهيكل الراتبي، بينما أصبحت الرواتب الحالية لا تفي بتوفير الاحتياجات الأساسية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي ما يتعلَّق بالتواصل مع الطلاب، باعتبارهم الجزء الأهم في استقرار الدراسة، تُذكّر «د. أ. ع» بأنّ الجامعة كانت قد أنشأت منصّةً للتعليم الإلكتروني أتاحت للأساتذة التواصل مع الطلاب وتقديم المحاضرات (أونلاين) ومتابعة أعدادهم وأسمائهم: «ورغم أنّ التجربة لم تعمل على نحو مثاليّ، فإنها وفرت قناة مهمة للتواصل الأكاديمي، وقد بُذلت فيها جهود تقنية مقدّرة لتدريب الأساتذة والطلاب على استخدامها ورفع المحاضرات والمقرّرات بها في ظروف الحرب. لكن جرى تجميد التعامل عبر المنصّة مع قرار العودة إلى الدراسة الحضورية دون توضيح حول مستقبلها أو سبل استمرارها».
وعن ما قد يؤدّي إليه استمرار تأخّر الأساتذة في العودة من تراكم دفعات الطلاب وخسارة أعوام دراسية إضافية، تردّ عضو هيئة التدريس بأنّ تحميل الأساتذة مسؤولية ذلك يُعدّ تشخيصاً غير دقيق للواقع، مؤكّدة أنّ الأساتذة واصلوا أداءهم الأكاديمي وإجراء الامتحانات في ظلّ الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، وأنّ أزمة تراكم الدفعات تعود بالأساس إلى حالة عدم الاستقرار والمناخ السياسي قبل الحرب منذ عام 2018 وما يليه، ما أدّى إلى ربط الدفعات بالأحداث السياسية مثل «دفعة الثورة»، و«دفعة حمدوك»، و«دفعة كورونا»، و«دفعة الحاويات» (إشارة لإغلاق الكباري جراء الاحتجاجات على انقلاب 25 أكتوبر).
وتستطرد: «رغم هذه التحديات، تمكّنت الكوادر التدريسية والطلاب من تجاوز عقبات جمّة لتخريج ثلاث دفعات خلال فترة الحرب؛ إذ جرى التنسيق لعقد الامتحانات في «المناطق الآمنة»، وتكفّل الأساتذة والطلاب بجهود ذاتية ونفقات خاصة لتأمين وسائل النقل والإقامة». وتمضي قائلةً: «إنّ خسائر القطاع الأكاديمي لم تعد تقتصر على العامل الزمني وفقدان السنوات الدراسية فحسب، إنما امتدت لتشمل التراجُع في جودة التدريس وفقدان الكوادر المؤهَّلة بسبب القرارات الفوقية التي تُصدَر دون متابعة ميدانية أو توفيق لأوضاع المؤسَّسات والطلاب على الأرض»، مشيرةً إلى أن التأجيلات المتكرّرة لمواعيد استئناف الدراسة خلال العام الماضي دليل على الخلل في اتخاذ القرار وتنسيقه.
وتؤكّد «د. أ. ع» استعداد الأساتذة لمواصلة التدريس عبر «التعليم الهجين» للحدّ من تفاقم الخسائر الأكاديمية على الطلاب؛ لكنها تشدّد في الوقت نفسه على أنّ قرار العودة في ظلّ الظروف الحالية، سواءٌ أكان قراراً سياسياً أم أكاديمياً، ليس واقعياً ولا قابلاً للتطبيق دون معالجة جذور الأزمة وتوفير الحد الأدنى من مقوّمات العملية التعليمية.
وتعليقاً منها على بيان أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم في 27 أغسطس 2026، الذي طالَب بتجميد الامتحانات وإلغائها إلى أجل غير مُسمّى، والبدء الفوري في تقديم استقالات جماعية عبر مذكّرة موحَّدة بالتوازي مع الاستقالات الفردية، وإطلاق حملة إعلامية منظمة ورفع مخاطبات عاجلة للجهات المعنية، تؤكّد «د. أ. ع»، عضو هيئة التدريس بجامعة الخرطوم، أنّ بقية الأساتذة في كليات الجامعة المختلفة استقبلوا البيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يجري تأكيد الخبر لاحقاً، وهو التصويت بالأغلبية على تقديم استقالات فورية. غير أنّ القرار لم يصدر بالتنسيق مع الأساتذة في الكليات المختلفة ولا بالتشاور مع مجلس النقابة، ما يضع بقية الكليات في تحدّي الاختيار بين السَّيْر على نفس الدرب والتصويت عبر مجالس الكليات المختلفة أو الْتِماس معالجة قانونية مشتركة عبر لجان الهيئة النقابية للجامعة.
في المقابل، تذكُر عضو هيئة التدريس أنّ الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم قد حذَّرت في عدد من بياناتها الصادرة خلال الشهرين الماضيين من أنّ العودة إلى التعليم الحضوري، خاصةً في كليات مثل الطب والهندسة والعلوم والكليات التطبيقية عموماً، تتطلّب بنية تحتية ومؤسَّسات تدريبية غير متوفّرة على النحو الكافي حالياً، بعد تضرّر المَعامل والمستشفيات والمصانع والمؤسّسات التي كانت تستضيف التدريب العملي، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بالمكتبات ونقص الكوادر القادرة على الإشراف.
وتقول «د. أ. ع»، إن أعضاء في هيئة التدريس بجامعة الخرطوم قد استبعَدوا أن تكون قرارات الوزارة والجامعة كافيةً لإقناع الأساتذة بالعودة إلى ظروف غير مستقرّة: «يستوي في ذلك الذين لم يُوفِّقوا أوضاعَهم الاقتصادية لتحمُّل نفقات السفر والاستقرار في العاصمة، أو الذين تمكّنوا من إيجاد وظائف ومصادر دخل أخرى، خاصةً أنّ قرار الجامعة، لم تُجرَ مناقشته معهم عبر مجالس الأقسام».
وتصف الأستاذة بكلية العلوم، مروة الأمين، الوضع بجامعة الخرطوم قائلة لـ «أتَـر»: «الحركة في المجمع الرئيسي (السنتر) ما زالت بطيئة، لكن هناك مناقشات لرسائل طلاب الدراسات العليا بكلية الهندسة. معظم الأقسام تتركّز حالياً في كلية التربية بأم درمان؛ فالوضع العام في الخرطوم لا يزال صعباً، ووسائل المواصلات متوفرة لكن الشوارع شبه خالية، والتنقل في الشوارع حول المجمع الرئيسي يحتاج إلى حذر».
ماذا يقول الطلاب؟
من جانبها، أعلنت جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، في 10 أغسطس 2026، عن عقد أول مناقشة حضورية لدرجة الدكتوراة بكلية اللغات عقب عودتها إلى مقرّها. كما استُؤنفت الدراسة بمجمع حلة كوكو (كلية تكنولوجيا الإنتاج الحيواني). وقدّم خريجو كلية الدراسات التجارية مبادرة لإنارة كليتهم بالطاقة الشمسية. ورغم هذه المبادرات الأكاديمية والمجتمعية في جامعة السودان، يعبّر طلاب في مرحلة البكالوريوس عن قلقهم من فرض واقع مختلف.
متحدثاً لـ «أتَـر»، يكشف محمد حسين، الطالب بجامعة السودان (كلية الدراسات التجارية – قسم المحاسبة، ومقرّها بالمجمع الغربي في المقرن)، أنّ الدراسة لا تزال تعتمد على التعليم من بُعد دون وجود محاضرات على الواقع حتى للمواد العملية كالإحصاء والمحاسبة، قائلاً: «لم تُنفّذ الكلية قرار العودة إلى التدريس الحضوري عملياً، وحالياً نحضَّر للامتحانات والتسجيل فقط، ولا توجد داخليات جاهزة أو خدمات استقرار كاملة، والجميع يبحثون عن سكن خاص بأنفسهم».
أما الصادق فتح المجيد، الذي عاد إلى الخرطوم لحضور الامتحانات بكلية الهندسة المدنية بجامعة السودان (السنة الثالثة)، فيؤكّد أنه يفضّل الاستمرار في التعليم الإلكتروني، مبيناً لـ «أتَـر» أنه منذ نزوحه إلى قرية «سيدون» بولاية نهر النيل عقب حرب أبريل 2023، اتجه إلى العمل في الزراعة والتعدين لمساعدة أسرته، مشيراً إلى أنّ العودة الكلية قد تجبره على إعادة التفكير في مسيرته الأكاديمية، ويمضي قائلاً: «لو وجدتُ فرصة جيدة في التعدين لربما تركت الدراسة نفسها إلى الأبد».
وفي جامعة القرآن الكريم، التي كانت من أولى الجامعات العائدة إلى مقرّاتها بأم درمان في 2025، يوضح الطالب الشيخ حسن جاد الله لـ «أتَـر» أنهم في عطلة نهاية السنة بانتظار النتائج، مشيراً إلى أنهم واجهوا في البداية أزمة في الخدمات والكهرباء عُولجت تدريجياً، إلى جانب نقص في الكادر التدريسي يسعى الموجودون منهم لتغطيته.
أما في جامعة أم درمان الإسلامية (كلية الطب والعلوم الصحية)، فيبدو طالب الدفعة 36، حسن صالح، متفائلاً؛ إذ يؤكّد أنّهم عادوا إلى مقر الكلية بمنطقة الفتيحاب في 13 يوليو 2026، بعد أن وفرت الإدارة مولّدات كهربائية حديثة وأجرت صيانة للمرافق والمياه، ويتابع لـ «أتَـر»: «إدارة الجامعة بذلت مجهوداً مقدّراً في أعمال الصيانة، ولا تزال الأعمال جارية في ممرّات المجمع والكليات التابعة له».
ويشكو مُهيّد محمد الحسن من جامعة الخرطوم (كلية التربية) في حديثه لـ «أتَـر»، من أنّ أمد التخرّج للطلاب الذين التحقوا بالجامعات منذ عام 2020 قد تأخّر كثيراً، ويرى أنّ استمرار الدراسة عبر الإنترنت (أونلاين) قد حرم الطلاب من البيئة الأكاديمية والتفاعل المباشر مع الأساتذة والزملاء.
طلاب الخارج والولايات
على الجانب الآخر، يرى الطلاب خارج السودان وفي بعض مراكز الولايات أنّ القرار يضع على عاتقهم أعباء مالية ومشكلات كبيرة. متحدّثة لـ «أتَـر»، تقول عفاف الأمين، وليّة أمر الطالبة إيناس التي تدرس في السنة النهائية بكلية الطب في كلية اليرموك، إنهم اضطرّوا للعودة إلى السودان بعد إقامة في القاهرة إثر إنذار الجامعة للطلاب بالفصل في حال الغياب بعد 15 يوليو 2026: «كانت ابنتي تدرس في مركز القاهرة وتعمل لتساعدني في تكاليف المعيشة والإيجار، ولم نكن مستعدّين لعودة مفاجئة بعد أن فقدنا كل شيء خلال الحرب».
وبدَورها تذكر إيناس أنّ عودتها كانت إجبارية لاستكمال ما تبقى من فترتها الدراسية، وأنّ معاناتها تتضاعف يومياً في أم درمان أثناء تنقّلها إلى مقرّ الكلية في بحري نتيجة تضرّر كوبري شمبات وتغيُّر مسارات المواصلات، مما يكبّدها مشقة بدنية وتكلفة مالية تصل إلى 20 ألف جنيه يومياً.
ويتساءل محمد الأمين، الطالب بجامعة النيلين والمقيم بمصر في حديثه لـ «أتَـر»: «منزلنا بشرق النيل يفتقر إلى الخدمات الأساسية، وشقيقي الصغير يعاني من مشكلات تنفّسية؛ كيف أترك أسرتي وأسافر لأداء امتحانات فقط؟ ألم يكن بالإمكان عقد الامتحانات في المراكز الخارجية كما حدث سابقاً؟».
وتضيف إيمان طه، الطالبة بجامعة الخرطوم والمقيمة بالمملكة العربية السعودية: «لم يكن وجودنا بالخارج خيارَنا، ولا كان ناتجاً عن رغبتنا، وإنما فرضته ظروف الحرب القاسية على الجميع. نطالب الوزارة بإعادة النظر في القرار، واعتماد الشمول الأكاديمي للداخل والخارج معاً».
ويقول محمد الحسن، الطالب بجامعة السودان بالقاهرة، إنّ عودته تتعذر لأسباب صحية تمنعه من السفر، مشدّداً على أهمية مراعاة الظروف الفردية للطلاب.
ويضيف حمزة محمد خلف الله، الطالب بكلية الهندسة بجامعة السودان، متحدثاً لـ «أتَـر»: «إننا، طلاب الهندسة في معاناة مستمرّة منذ 2020، ولم تُستأنف الدراسة إلا في 2025 عبر التعليم الإلكتروني، وكنّا نتوقع أن نجلس للامتحانات بالمراكز الخارجية، ثمّ فوجئنا بقرار الإغلاق؛ فهل يعقل أن نخاطر بالسفر والعودة لمدة أسبوع أو أسبوعين لأداء الامتحانات فقط؟ لو كانت العودة لاستئناف الدراسة بالقاعات لتفهَّمنا القرار». ويواصل: «هناك طلاب استقروا في مصر وقطر والسعودية ووجدوا عملاً، وهذا القرار يضرّ بهم بشدّة بعد أن اعتمدوا على أنفسهم وتدبّروا مخرجاً من تعطّل طويل بسبب الحرب ومشكلات الدراسة».
الجامعات الخاصة
في سياق متّصل، أعلنت جامعة الأحفاد بدء أعمالها الإدارية من حرمها الجامعي بأم درمان (حي العرضة) اعتباراً من الأول من أغسطس 2026، معتمدة عودة تدريجية للطالبات بحسب الكليات، مع استمرار طالبات السنوات النهائية بكليات الطب والصيدلة بالعمل في الولايات، وإيجاد معالجات للطالبات المنقطعات عن الدراسة منذ بدء الحرب.
وتوضح فدوى، الطالبة بجامعة الأحفاد والمقيمة بمصر، قائلة لـ «أتَـر» إن قرار العودة السريع يهدّد بفقدانها عملها الذي تعول به أسرتها. وهو ما أيّده محمد أوشيك، الطالب بجامعة النيلين والمقيم بالسعودية، مشيراً إلى أنّ مركز المدينة المنورة كان يمثل خياراً متوازناً له؛ حيث يجمع بين الدراسة والعمل.
من جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، يقول الدكتور سامي إبراهيم يس، أمين الشؤون العلمية بالجامعة، في إفادة لـ «أتَـر»: «لقد تعرّضت الجامعة لدمار ونهب شديدين، بنسبة 70%، بحكم قربها المباشر من خطّ التماس العسكري بين شارع المطار والقيادة العامة»، ويشير إلى أنهم عادوا منذ أغسطس 2025 إلى مقرّهم بالخرطوم وأنّ الجامعة بدأت نشاطها بطلاب الدراسات العليا. ويوضح أنه كانت لديهم مراكز بمدينة أبها بالسعودية ومصر والإمارات لطلاب الطب والأسنان والتمريض، قائلاً: «بعد صدور القرار الوزاري سيجري إغلاقها واستدعاء الطلاب الراغبين في مواصلة دراستهم داخل السودان»، مشيراً إلى اكتمال العمل في تجهيز القاعات والصيانة الشاملة لاستقبالهم. وعلى الرغم من أنّ عدداً من الطلاب داخل السودان أبدوا موافقتهم على مبدأ العودة إلى الحياة الجامعية؛ كسباً للوقت، إلا أنهم يشتركون مع زملائهم في المطالبة بمراعاة الحالات الاستثنائية.
واختتم أغلب الطلاب حديثهم بتخوُّفهم من إبداء آرائهم للصحافة، أو عبر المنصّات الأكاديمية الخاصة بالجامعات، خوفاً من المساءلة، موضحين أنّ الدراسة الحضورية غير مستقرة إلا في جامعات قليلة، وأنّ العودة إلى الخرطوم تكون فقط لأداء الامتحانات لا أكثر.



