«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
غِشَت الرّطانات الأوروبية أُذنَي محمد أحمد الطفل في حضَر الخرطوم منتصف القرن التاسع عشر، ولعلّه استفاد من هذه العجمة، التي كشفت عن ساقيها في سوق الخرطوم، أنَّ الزمان نفسَه قد تغيَّر ولا بدّ من اختراع زمان جديد؛ المهمّة التي تولّاها لاحقاً بقوّةٍ وعزمٍ أكيد. تجد القارئةُ صورةً لِمَا غَمُض على محمد أحمد الطفل في سيرة زيارة آندريه ميلي وأهل بيته إلى الخرطوم في العام 1850، ومحمد أحمد تلميذ في الخلوة وقتها، في خلوة الفكي هاشم في كرري، ثمّ في خلاوي الخرطوم، ربما خلوة الشيخ شرف الدين عبد الصادق، أو خلوة الفكي محبوب الحبشي معتوق أحمد شجر الخيري تلميذ الفكي الأمين ود أم حقين، أو لعلّه كان وقتها في معيّة الشيخ محمد الشنقيطي في بُرِّي، يقطع إليها الطريقَ كلَّ يومٍ من حيّ «سلامة الباشا». تعلَّق محمد أحمد بالخلوة وفرَض إرادتَه في التعليم على إخوته فَرْضاً، وقد كانت خطّتُهم أن يُحْسِن النِّجارة كما فعلوا ويمتهن صناعة السفن، لكنّ محمد أحمد الصبيّ هرب هروباً من الدّار، ولمَّا أعادوه بالقوة أضرَبَ عن الطعام واعتصَم حتى تحقَّق شَرطُه، فكان صباحُه في الخلوة ونهارُه في تعلُّم صناعة المَراكب (الدكتور محمد سعيد القدال، «الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله (1844-1885)»، دار الجيل، بيروت، 1992، ص 45). ومحمد أحمد بهذا التقدير عَلَمٌ للجيل «الراكب راس»، لكنْ في القرن التاسع عشر.
أما آندريه ميلي، الذي حطَّ في الخرطوم العاصمة متبختراً بأهله عام 1850، فتاجرٌ عظيم من تجّار ليڤربول الإنقليزية، وكانت وقتها قيد التحوّل من ميناءِ تجارةِ الرقيق الأوّل إلى ميناء القطن وسلع المستعمرات الأخرى الأول في أوروبا. تجد القارئةُ ترجمةً محيطةً عن ميلي ورحلته بقلم جي. أو. وايتهيد في «السودان في رسائل ومدوّنات» (م 21، عدد 2، ص 291-305، 1938)، أُعيدُ منها هنا بحسب السياق ما تيَسَّر. ادَّعَى ميلي هذا، لتعضيد موقعه التجاري عند التجّار عبر الأطلسي، أنه من نسل كريستوفر كولومبس، مقابل العبّاس في خريطة نَسب الجعليّين. وواقع الحال، أنه من جنيف السويسرية التي وُلد فيها عام 1802، وكانت وقتها فقدت استقلالَها وصارت إقليماً كاسداً تحت الحكم الإمبراطوري الفرنسي. هاجر آندريه ميلي في حوالي 1822 إلى إنجلترا وتوطَّن فيها بالزواج في أسرة صناعية تجارية كبرى؛ الزواج الذي عبَر به وانتصر، فانقلَب بفضلٍ من الله من مهاجر معدم إلى «رجل أعمال». وميلي مغامر مَلحْلح، صار في حوالي 1825/1826 وكيلاً لمحمد علي باشا، عظيم مصر، في إنجلترا، وأوّل مستورد بريطاني للقطن المصري والحبوب المصرية إلى إنجلترا؛ الوكالة التي يسَّرَت له تجاوُز اللَّهْلَهَة الاقتصادية لعام 1825 (وشَهِد ذلك العامُ انهياراً للبورصة أصلُه مضارباتٌ فاسدةٌ لبنك إنجلترا في الاستثمارات الاستعمارية في أمريكا اللاتينية)؛ لَهْلَهَة كانت حصيلتُها انهيارَ اثني عشر بنكاً في البلاد، وتأثّرت بها بنوك أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وتُعدّ في حساب الرأسمالية الحديثة أولَ أزمة اقتصادية كبرى ومفتاحَ دَوراتِ الربح والكساد التي تفرَّغ المرحوم كارل ماركس لدراستها بظفر وناب في المكتبة البريطانية في لندن (جين أولمستيد رمسي وجورجيو رافالي، «البنوك المركزية وهلع العام 1825»، مجلة بحوث التاريخ الاقتصادي، م 101، ص 101774، 2026).
فَرْهَدَت أسرة آندريه ميلي الصغيرة بالنجاح، إذ أكمل ابنُه شارل بيير تمرينَه في شركة لندنية، واستقرّ ابنُه جورج في شركة أخرى في ليڤربول، وتخرّجت ابنتُه لويزا لتوّها في المدرسة، وجاء بذلك الوقتُ المناسبُ للرحلة النيلية التي طالما جالت بخواطرهم؛ رحلة أعلى النيل العظيم. وكان آندريه ميلي نفسُه هاوياً لدراسة الحشرات يقضي ساعات فراغه في تأمُّلها ورَصّها وتشريحها وإعادة تركيبها ورسمها وتبويبها، واجتمعت عنده في داره الكبيرة في ليڤربول أعدادٌ غزيرةٌ من أجناس الحشرات من أقاليم العالم القصيّة تبرَّعت بها السيدة ميلي بعد وفاته إلى متحف التاريخ الطبيعي في جنيف عام 1861. ومَثَّل جمعُ ميلي الحشرات بعضاً من روح العصر، فهو من ناحيةٍ عِلْمٌ بالحشرات، ومن ناحيةٍ أخرى قوّةٌ عليها، كقوة ميلي في عالم النقد والحساب، وهي القوّة التي فَرَضت زماناً جديداً حسابُه بدِقَّة شوكات الساعة وعجلة الإنتاج، ثانية ودقيقة وساعة ويوم عمل، لا ضلّ الضّحى ومشاوير العَصَاري التي عرفها محمد أحمد الصبيّ في كرري عند النهر وسلامة الباشا.
انطلق آل ميلي، إذَن، في رحلتهم الموعودة في العام 1850. أكملوا تجهيز قافلتهم في القاهرة ووصلوا إلى حلفا في 26 نوفمبر. سجَّل كلٌّ من آندريه ميلي الأب وابنه جورج وقائعَ وانطباعاتِ هذه الرحلة في عدد من الرسائل إلى الأصدقاء في بريطانيا جمعاها لاحقاً، رسائل الأول تحت عنوان «رسائل من مصر ونوبيا» (لندن، 1852)، ورسائل الثاني تحت عنوان «الخرطوم والنيلان الأزرق والأبيض» (لندن، 1852) في مجلّدين. ووقَفَ على آل ميلي في هذه الرحلة سايسٌ للقافلة وترجمان، عبد الفتاح الديرة، وأخوه ووزيره محمد الذي تولى أيضاً شُغل الصّفرَجي، ومعهم عبّاس الطبّاخ، الذي اشتُهر بأنه أمهر طبّاخ في حوض النيل، وكذلك اثنان من البحّارة لشُغل المراكب، وشيخٌ للجِمال وتسعة من الجمّالة. عبَر آل ميلي المسافة من حلفا إلى دنقلا في أحد عشر يوماً بغير ضرر أو عناء، وكان ترفيهُهم ترتيلُ جورج أدبَ شكسبير، في ساعات الفجر الأولى، من مقدّمة القافلة. لم تتنازل نساء آل ميلي عن الزي الأوروبي في رحلتهم، وظلّت السيدة ميلي على مثل اللباس الذي كانت ترتديه في ليڤربول، إلا أنها أحاطت نفسها بوشاح عريض يقيها برد الليل في الصحراء ولفح شمس النهار. أدرك عيد الميلاد آل ميلي في السيّال، وكان عشاؤهم من يد عبّاس الطباخ بهذه المناسبة السعيدة وجبةً فاخرةً عند النهر العظيم: ديك رومي محشي على الطريقة التركية، ولحم ضأن مشوي، وأرز بدمعة الديك الرومي، وبطاطا مقلية، ومهلبية البرقوق، وكثيراً من البيرة الطيبة والشمبانيا ونبيذ القديس جورج. من على البُعد، في صباح اليوم التالي، تراءت الخرطوم للجَمْع، بعد أن قطعوا غابة من السنط متعدّدة الطيور، قال ميلي الأب إنه لم ير مثلها إلا في البرازيل. وشغَل أبصارَهم من منظرِها البعيدِ مقرنُ النيلين ومبنى الحكمدارية الأبيَض والمآذن الباسقة.
استقرّ الجمع في خيام ثلاثة عند شاطئ النيل، ثمّ انطلق كلٌّ من ميلي الأب وابنه جورج على مركب نحو الخرطوم، وتركا النساء والابن شارل يحرسهنّ. استقبل الحكمدار عبد اللطيف باشا، حاكم عام السودان وقتها، السيدين ميلي بحفاوة شديدة، وأفرد لآل ميلي داراً ملاصقةً لدار حريمه القريبة من مبنى الحكمدارية، وسَمَح لهم بامتطاء مركبه الخاص، الدّهبية، في طريق عودتهم.
كانت مأمورية الخرطوم عقوبةً من نوع ما لعبد اللطيف باشا، الذي كان قبلها أدميرالاً في البحرية العثمانية لكنّه خسر سفينته وأفلت من عقوبة الإعدام بمحاسن الصُّدف. عادَى عبد اللطيف باشا التجّارَ الأوروبيّين في الخرطوم ولم يستحسن عشرَتهم، وقالوا من جانبهم إنه استدان منهم فوق طاقته وعجز عن السداد. انتهى حُكمه القصير (فبراير 1850 – يناير 1852) بفضيحة ونوبة غيرة مميتة، وقيل ضمن شمَارات تجّار الخرطوم أنه أطلق الرصاص على مساعدِه وامرأة يونانية كانت صديقةً لزوجته فقتلهما ودفنهما في حديقة الحكمدارية، لكنّ أهل المرأة اليونانية تظلّموا عند قنصلية بلادهم، وصارت المسألة أزمة دبلوماسية. انتهى الحال بعبد اللطيف باشا مفتّشاً للسفن في بولاق حتى فارق الحياة في القاهرة (آرثر روبنسون، «حكّام السودان من الاحتلال التركي حتى أمر الخديوي بالإخلاء»، مجلة الجمعية الملكية البريطانية، م 24، عدد 93، ص 39-49، 1924).
زار السيدان ميلي سوقَ الخرطوم، واستقبلهما كبيرُ الصيادلة في داره؛ حيث تناوَب الزوّار من الأوروبيين الخرطوميّين على زيارتهما والتعرّف عليهما. استَقبلا كذلك في اليوم التالي، 28 ديسمبر، في دار سكناهم عند مبنى الحكمدارية، كلاً من الدكتور بيني، كبير أطباء الجيش، ودخل مزاج السيد ميلي، إذْ كانَ من مواليد سان جني في جنوب شرق فرنسا والعارفين بجنيف وأهلها؛ والسيد روميلو كبير الصيادلة من أهل تورين الإيطالية، والذي سبقته إليهم هدية من أطيب الفواكه والورود؛ ثمّ الأب بوديمو، وهو واحد من ثلاثة قساوسة في البعثة الكاثوليكية؛ ثم السيد براون روليه، التاجر الفرنساوي الذي اشتُهر في السوق باسم «الخواجة يعقوب»، وقالت عنه حكاوي الخرطوم إنه جاء المدينة طبّاخاً ثمّ جمَع ثروة طائلة من تجارة الرقيق. وفَد إلى السيدين ميلي أيضاً كلٌّ من رفاعة بيه وبيومي أفندي، وكانت مهمَة الاثنين، وهُما من خريجي الإيكول بوليتكنيك في باريس، تدشين التعليم الحديث في السودان.
ورفاعة بيه هو رفاعة رافع الطهطاوي صاحب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي تولَّى في أوّل سيرته المهنية في مصر مهمّة الترجمة في مدرسة الطب، ثمّ في مدرسة الطوبْجيّة، ثمّ صار أستاذاً في مدرسة الإدارة الملكية، ثمّ ناظراً لمدرسة الجغرافية والتاريخ، وقامت على يده مدرسة الألسن الشهيرة عام 1835، كما تولّى مهمة ترتيب شؤون جريدة «الوقائع» ثمّ الإشراف على تحريرها، وهي الجريدة الرسمية الأولى وأول جريدة عربية في الشرق الأوسط (أُسِّست عام 1828). لكنّ هذه السيرة المهنية انكسرت في أغسطس عام 1849؛ حين تولَّى عباس حلمي باشا الخديوية عند وفاة جدّه محمد علي باشا، وكان عباس شديد الشكّ في الرجال المقرّبين من جدّه محمد علي وعمّه إبراهيم، فأغلق على التوّ مدرسة الألسن، ونفى رفاعة بيه إلى الخرطوم البعيدة كأوّل ناظر لمدرسة الخرطوم الأولية. وكَرِه رفاعة مقامَه في الخرطوم من هذا الباب، فالخرطوم كانت عقوبته كما كانت عقوبة عبد اللطيف باشا، وأطال في التأسِّي على نفسه ومصابه:
وما خِلْتُ العزيزَ يريد ذُلّي
ولا يُصغي لأخصامٍ لِدادِ
لديه سَعوا بألسنةٍ حِدادٍ
فكيف صَغَى لألسنةٍ حِدادِ؟
مَهازيلُ الفضائل خادعوني
وهل في حربهم يكبو جوادِي؟
وزخرف قولهم إذ موَّهُوه
على تزييفهم نادَى المُنادِي
فهل من صَيْرَفي المعنى بصير
صحيح الانتقاد والاقتصادِ
قياسُ مدارسٍ قالوا عظيمٌ
بمصر، فما النتيجة في بعادِي؟
وما السودان قطّ مقامُ مثلي
ولا سَلماي فيه، ولا سُعادِي
بها ريحُ السَّموم يُشَمُّ منه
زفيرُ لظىً فلا يطفيهِ وادِ
رحلتُ بصبغةِ المغبون عنها
وفضلي في سواها في المزادِ
(ضمن: جمال الدين الشيال، «رفاعة رافع الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عهد محمد علي»، مؤسسة هنداوي، لندن، ص 45، 2019 [1945]).
جاء جورج ميلي بملاحظةٍ طريفةٍ عن بداية التعليم الحديث في الخرطوم المستعمَرة، قال: أيّ بداية مهبّبة، فصول من التلاميذ السودانيين غير الراغبين في طرائق الأجانب، وموظّفان مصريان يفتك بهما النكد، لا يطيقان أنفسهما وقد نهلا من مسرّات الثقافة الأوروبية. أما محمد أحمد فكان في أوّل خطواته نحو كونٍ كبير؛ كون يرسم خريطته مثل كتاب «الشمس البازغة أو الحكمة البالغة»، دُرَّة مؤلفات فيلسوف زمانه المُلّا محمد الفاروقي الجنفوري (1585 – 1652)، فماذا قرأتَ يا إمام؟ ماذا قرأت؟



