في الثلاثاء، 25 أغسطس الجاري، أُسدِل الستار على إحدى أطول فترات الصراع والتنافس داخل مشروع الجزيرة والمناقل؛ بانعقاد الجمعية العمومية لمجلس إدارة تنظيم منتجي مشروع الجزيرة والمناقل، بحضور 147 مُصعَّداً (وتغيُّب مُصعَّدَين) من قواعد المزارعين في تفاتيش مشروع الجزيرة، البالغ عددها 118 تفتيشاً، لتمثيلهم في المجلس. واختارت الجمعية العمومية في اليوم ذاته مكتبها التنفيذي الجديد بمُشاركةٍ وصفها مُتابعون بأنها «واسعة». ويضمّ المشروع 133 ألف مزارع، يعملون في 21 قسماً زراعياً.
وحسمت قائمة «الوفاق والكرامة» المعركةَ بأكثر من 90%، وعلى ضوء ذلك، تولَّى المهندس عبد الباقي نور الدائم رئاسة مجلس التنظيم على مستوى المشروع، بينما ظفر بالأمانة العامة الصادق الأمين أحمد الفكي، وهو ابن قيادي تاريخي باتحاد المزارعين إبان سيطرة نظام المؤتمر الوطني، وذهبت أمانة المال إلى أحمد إبراهيم بدر، إلى جانب 17 عضواً آخرين بالمجلس.
ظلال الأحداث
ألقت تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل بظلالها الكثيفة على تكوين جمعيات المنتجين، فقد جرى تصميم مواصفات معيّنة لتصعيد ممثّلي المزارعين، معيارُها الأساسي هو دعم المقاومة الشعبية والمشاركة في العمليات الحربية إبان سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، وحتى استعادة السيطرة عليها.
هذه هي المرة الثانية التي يجري فيها انتخاب مجلس إدارة لجمعيات المزارعين بالجزيرة، فقد جرى في العام 2018 تكوين أول مجلس للجمعيات، عقب إلغاء اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، بموجب قانون جمعيات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني لعام 2011، تعديل عام 2014، وفق منطوق المادة 19 من القانون، التي تنصّ على أيلولة ممتلكات اتحاد المزارعين إلى الجمعيات الزراعية. لكنْ لم تكمل الدورة الأولى مدّتَها القانونية حتى عصفت بها رياح التغيير عقب ثورة ديسمبر في العام 2019، لتحلّ محلّها «لجنة تسيير اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل» التي أطاح بها هي الأخرى انقلابُ 25 أكتوبر 2021، والذي فتح الباب أمام عودة مجلس الإدارة القديم، على نحوٍ غير رسميّ، وظلّ يعمل حتى قيام الجمعية العمومية منتصف الأسبوع الجاري.
ألقت تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل بظلالها الكثيفة على تكوين جمعيات المنتجين، فقد جرى تصميم مواصفات معيّنة لتصعيد ممثّلي المزارعين، معيارُها الأساسي هو دعم المقاومة الشعبية والمشاركة في العمليات الحربية إبان سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، وحتى استعادة السيطرة عليها. كان أبرز شاهد على ذلك؛ اختيار عناصر كانت نشطة في المقاومة الشعبية بمدينة المناقل التي ظلّت تحت سيطرة الجيش، وعلى رأسها رئيس المجلس عبد الباقي نور الدائم، المُزارع الذي أتى إلى الموقع من خلفية مهنية وتجربة إدارية، إذ كان يعمل مديراً لهيئة مياه ولاية الجزيرة، وأميناً عاماً لوزارة التخطيط العمراني بولاية الجزيرة، حينما كان الزبير بشير طه والياً للجزيرة تحت ظلّ حكم المؤتمر الوطني. وإبان الحرب انضوى تحت لواء المقاومة الشعبية المُسانِدة للقوات المسلحة في حربها ضد الدعم السريع بولاية الجزيرة.
كيف جرى الاختيار؟
استُخدمَت أساليب ملتوية، منها ترغيب بعض المصعَّدين من الأقسام الزراعية المختلفة. داخل الاجتماع قُمِعَت الأصواتُ الرافضة لـ«الكَلْفَتة» تحت مُسمّى الوفاق والتراضي.
ينتمي عبد الباقي نور الدائم، المهندس الجيولوجي، إلى قرية «زُنقاحة» الواقعة ضمن التقسيمات الإدارية لمحلية جنوب الجزيرة، وحدة ود رَعيّة الإدارية، وتتبع ضمن تقسيمات مشروع الجزيرة إلى قسم ود البر، وهو من الأقسام الجنوبية في المشروع.
ويُعدّ نور الدائم واجهةً لجهات سياسية وأمنية عدة، تعمل على الإمساك بزمام الأمور في أحد أكبر المشاريع الزراعية بالقارة الأفريقية، فالرجل الذي حمَلته «المقاومة الشعبية» إلى سدّة رئاسة المكتب التنفيذي لجمعيات مزارعي مشروع الجزيرة، يحمل عليه خصومُه، أنه أتى بترتيبات أشرفت عليها جهات أمنية داخل الولاية، بقائمةٍ حملت اسم «الوفاق والكرامة». وهذا المُزارع والمهندس الذي يُشار إلى انتمائه إلى نظام المؤتمر الوطني السابق، لمَع نجمُه، بتزكية من القيادي بالمقاومة الشعبية، أزهري خلف الله، وزير الزراعة بولاية الجزيرة في حكم المؤتمر الوطني ومهندس عملية تعيين أو انتخاب نور الدائم.
يقول عضوٌ بالجمعية العمومية وقياديّ بالمكتب التنفيذي السابق لـ«أتَـر»: «لم تكن هنالك طريقة للمنافسة في الجمعية العمومية، فمنذ بداية التكوينات طُرح اسم عبد الباقي، وظلّت جهات عدة تعمل على هذا الأمر، وقبل اجتماع الجمعية بيومين، فوجئنا باجتماعات تُعقَد بمكاتب المقاومة الشعبية، ومقار الأجهزة الأمنية لترتيب توليه رئاسة مجلس إدارة التنظيم».
واعتبر القيادي السابق بالمجلس، في حديثه لـ«أتَـر»، أنّ الطريقة التي جرى بها اختيار مجلس إدارة التنظيم في الاجتماع الماضي، «تُسيء لحركة المزارعين، وتتنافى مع الإرث الطويل والتجربة الممتدة في تصعيد أو انتخاب مُمثّلي المزارعين في الجهات العليا بالمشروع». واتَّهم القيادي السابق جهاتٍ بالتدخّل «السافر» في تزوير إرادة ورغبة المزارعين، مشيراً إلى لقاءات تمَّت خلف الكواليس لتوجيه المُجتمِعين نحو اختيار تيار معين داخل الجمعية العمومية، وقال: «استُخدمَت أساليب ملتوية، منها ترغيب بعض المصعَّدين من الأقسام الزراعية المختلفة». وأضاف: «داخل الاجتماع قُمِعَت الأصواتُ الرافضة لـ«الكَلْفَتة» تحت مُسمّى الوفاق والتراضي»، وانتقد انصرافَ الجمعية لمناقشة قضايا ثانوية، بينما أهملت قضايا أساسية مثل إنقاذ الموسم الزراعي الحالي.
اعتراضات داخل الجمعية
ومن داخل اجتماع الجمعية العمومية، كشفت مصادر لـ«أتَـر»، عن إجازة النظام الأساسي لتنظيم منتجي مشروع الجزيرة والمناقل، الذي ألغى النظام الأساسي السابق في 2018، بأغلبية العضوية، مقابل اعتراضٍ تقدَّم به عضو الجمعية، ممثّل مكتب «استرحنا» بقسم ود حبوبة الزراعي، زين العابدين عبد الله برقاوي، حول المادة 6 أ من النظام التي تقول: «تكون مساهمة العضو وحقوقه والتزاماته داخل التنظيم وفق ملكيته للوحدات الإنتاجية المسجّلة والمعتمدة بواسطة المسجل العام». وقال مقدِّم الاعتراض، برقاوي لـ«أتَـر»، إنّ هذه المادة تهزم وحدة المزارعين، وتهضم حقّهم المتساوي، لتعطي الغلبة في المشاركة لكبار المزارعين الذين يمتلكون مساحات زراعية واسعة، واستطرد: «هذه المادة تعطي كبار المزارعين الحقّ في تقرير مصير صغار المزارعين»، وأضاف: «الثابت تاريخياً في مشروع الجزيرة؛ أنّ المزارعين متساوون في الحقوق والواجبات». وكشف عن حفظ اعتراضه دون أن يُعمَل به.
وخلَت قائمة الـ149 مُصعّداً من النساء تماماً؛ ما دَفَع المُزارعة بمكتب الفوار، قسم وادي شعير، سهام صالح الحاج، للاعتراض على عدم تصعيد النساء إلى المواقع العليا في قيادة تنظيم المزارعين وحَصْرها في أيدي الرجال. وتقول سهام في حديثها لـ«أتَـر»، إنه لم تجرِ مراعاة وضع النساء داخل مشروع الجزيرة، خاصة وأنه بعد الحرب بات يقع عليهن العبء الأكبر من العمليات الزراعية في الحوّاشات، بعد أن غادرها كثير من الرجال بسبب الحرب أو التعدين أو ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وظلّت المواقع القيادية العليا بتنظيمات المزارعين بمشروع الجزيرة، تخلو من النساء. في مارس 2021، ولأول مرة منذ 100 عام، دخلت المُزارعة زينب الأمين محمد الأمين مجلس إدارة مشروع الجزيرة، لتكون أوّل امرأة تنال هذا المنصب بأثر ثورة ديسمبر المجيدة، قبل أن يُحَلّ المجلس بعد انقلاب 25 أكتوبر.
حَسمٌ للصّراع
وحَسَمت نتائج الجمعية العمومية جدلاً طويلاً كان يدور وسط المزارعين، بين المجموعة المنتخبة وأخرى تنتمي إلى حركة العدل والمساواة المتحالفة مع الجيش في حرب أبريل. ويمثل الأخيرةَ الرئيسُ السابق للمجلس، عبد السلام الشامي عمر، والمُصعَّدُ من قسم المنسي، سفيان الباشا؛ فالأول لم يُوفَّق في الدخول إلى مجلس إدارة التنظيم، بينما دخل الأخير بعد أن تنازَل له أحد زملائه بقسمه الزراعي. وقال أحد أعضاء المجلس الحالي، وفضَّل حجب اسمه، لـ«أتَـر»، إنّ قائمتهم تحمل اسم «الكرامة والوفاق»، ولم يكن الحديث ممكناً عن وفاق في ظلّ إقصاء مجموعة سفيان الباشا، «لذلك طلبنا من أحد الأعضاء التنازل له تحقيقاً لمعنى الوفاق». ووفقاً لذلك اكتفى سفيان، الذي كان يَطمح إلى منصب واحد من «الضبّاط الثلاثة» في المجلس بعضوية المجلس، وسُجِّل اسمه في آخر القائمة الفائزة، التي يبدو أنها ضاقت عن أن تسع رفيقه في الحركة والمَوْجِدة ضد القائمة الفائزة، عبد السلام الشامي.
وكشف مصدر مطّلع بمجلس إدارة جمعيات مزارعي الجزيرة، أنّ الجمعية العمومية تأتي استباقاً لقيام الجمعية العمومية لشركة السودان للأقطان في 3 ديسمبر القادم، وهو أمرٌ مهمّ للمزارعين الذين يملكون أسهماً في هذه الشركة. وقال المصدر: «كان لا بدّ من وجود مجلس إدارة قويّ، يدافع عن المزارعين وينتزع لهم حقوقَهم من هذه الشركة، ونصيبَهم في بنك المزارع التجاري»، وأضاف: «هذه حقوق مُهدَرة سنعمل على استعادتها للمزارعين».
اعتراضات تحالُف المزارعين
ويقول المحامي والمزارع وعضو تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، بقسم الهُدى، صلاح عبد الله المهل، في حديثه لـ«أتَـر»، إنهم في تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل يقفون ضدّ قانون المهن الإنتاجية والزراعية بصيغته المطروحة؛ لأنه – وفقاً لقوله – لا يُقدِّم تأسيساً حقيقياً لإطار مهنيّ جديد بقَدْر ما يبدو محاولةً لإعادة إنتاج الوجوه والهياكل القديمة ذاتها في ثوب جديد، وبمُسمّيات مختلفة. ويضيف: «لسنا ضد تنظيم المهن الإنتاجية والزراعية، ولسنا ضد تطوير التشريعات التي تحمي حقوق المزارعين وتنظم عملهم؛ بل على العكس، نحن مع إطار قانوني مؤسَّسي حقيقي ومستقلّ، يستمدّ مشروعيته من أصحاب المصلحة أنفسهم، لكننا نرفض أن يكون البديل عن اتحاد المزارعين المنتخب، هو إنشاء جسم جديد يعيد تدوير الأشخاص ذاتهم، أو أن تُفرض على المزارعين قوائم جاهزة؛ لا يعلمون كيف أُعدَّت ولا مَن اختار أسماءها»، في إشارة إلى الجدل الذي صاحب اجتماع الجمعية العمومية.
وشدَّد المهل على موقف التحالف الداعي لقيام «اتحاد للمزارعين منتخب انتخاباً حقيقياً، حراً ونزيهاً وشفافاً، تكون فيه الكلمة الأولى والأخيرة لأصحاب المصلحة الحقيقيين». وأضاف قائلاً: «الانتخابات الحقيقية لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ بنشر كشوفات المزارعين والناخبين، وإتاحة مراجعتها والاعتراض عليها، والإعلان الواضح والمسبق عن موعد الانتخابات، وفتح باب الترشيح والترشّح أمام جميع من تتوفر فيهم الشروط القانونية، كذلك توفير ضمانات متساوية لجميع المرشحين. أما أن تُعَدّ القوائم مسبقاً، ثمّ يُطلَب من المزارعين التعامل معها باعتبارها إرادة انتخابية، فهذه ليست ممارسة ديمقراطية مكتملة، وإنما إعادة إنتاج للنتيجة قبل بدء العملية الانتخابية. كما أننا نرفض أن يتحوّل التمثيل الزراعي إلى ساحة لإعادة تدوير الوجوه الحزبية المكرّرة، أو الأشخاص الذين ظلّوا يتصدّرون المشهد دون تجديد حقيقي في القيادة والتمثيل».
ويلخّص المهل اعتراض التحالف على ما جرى في الانتخابات قائلاً: «اعتراضنا ليس اعتراضاً على اسم قانون أو مسمّى مؤسسيّ، وإنما اعتراض على فلسفة إعادة إنتاج القديم، بدلاً من بناء مؤسسة جديدة تقوم على الشرعية الانتخابية والشفافية والمساءلة وتجديد القيادة».
عطش أثناء انعقاد الانتخابات
بدا كأنّ الذين اختيروا ممثِّلين للمزارعين في الجمعية العمومية، والبالغ عددهم 149 مزارعاً، وانتُخِب من بينهم المكتب التنفيذي لجمعيات المزارعين، غير مبالين بالمشكلات الجمّة والتعقيدات الكثيفة التي تُحيط بالواقع الزراعي بمشروع الجزيرة؛ فالعطش الذي يُمسك بتلابيب المحاصيل الزراعية، وضعف حيلة المزارعين، لم يجد الاهتمام الكافي في اجتماع الجمعية العمومية.
وبينما كانت الجمعية تنعقد في دار اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل سابقاً، والتي سمّيت حالياً «دار منتجي مشروع الجزيرة والمناقل»، الكائنة في العقار رقم واحد، في المربع الرابع، بشارع النيل العريق بود مدني، وبإطلالة مباشرة على نهر النيل الأزرق، كان عشرات المزارعين يملأون وسائط التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو، لمحاصيل أنهكها العطش وقنوات ممتلئة بكل شيء من حشائش وأطماء، لكنها فارغة من المياه التي أنشئت من أجل نقلها إلى حوّاشات المزارعين. وبدا كأنّ الذين اختيروا ممثِّلين للمزارعين في الجمعية العمومية، والبالغ عددهم 149 مزارعاً، وانتُخِب من بينهم المكتب التنفيذي لجمعيات المزارعين، غير مبالين بالمشكلات الجمّة والتعقيدات الكثيفة التي تُحيط بالواقع الزراعي بمشروع الجزيرة؛ فالعطش الذي يُمسك بتلابيب المحاصيل الزراعية، وضعف حيلة المزارعين، لم يجد الاهتمام الكافي في اجتماع الجمعية العمومية الذي تلقَّى فيه المجتمِعون وعوداً من مسؤولين بـ(تمويلات ميسَّرة في المواسم القادمة، وآليات زراعية تنقل المزارعين من الزراعة التقليدية إلى للحديثة)، كما قال ممثِّل والي الجزيرة أمام الاجتماع، دون أن يتطرَّق لأزمة العطش التي تضرب قطاعاً واسعاً من المشروع الآن، ومضى الأمر وكأنه اجتماع لانتخاب قيادة جديدة للمزارعين فقط.



