لم يكن الطريق إلى امتحانات شهادة مرحلة الأساس في ولاية نهر النيل سهلاً على الأطفال، هناك، من أقصى جنوب الولاية، بمحلية شندي، كانت طفلة تعبر النهر على مركب خشبي صغير حتى تصل إلى مركز الامتحان. وفي الآن ذاته، كانت طفلة أخرى، من أقصى شمال الولاية، تتجه إلى قاعة الامتحان وفي ذاكرتها آثار حربٍ نزَعت منها بيتها في العاصمة الخرطوم، وأخذت والدها، وألقت بها في بيئة جديدة تحاول أن تستأنسها وتبدأ فيها من جديد.
بين جزيرة نقَزو جنوباً، والبحيرة شمالاً، اختلفت تفاصيل الرحلتين، لكنّ النتيجة جمعت الطفلتين محراب حمد عثمان، التي أحرزت الدرجة الكاملة: 280 من أصل 280، لتصبح الأولى على مستوى ولاية نهر النيل، وشَهْد بدر الدين أحمد سليمان، التي أحرزت 277 درجة، لتحلّ في المركز الرابع. ووراء الدرجتين العاليتين حكايتان لا تتشابهان، لكنهما تلتقيان عند معنى مشترك؛ أطفال يحاولون الوصول إلى التعليم رغم وعورة الدروب.
محراب: عبرت النهر إلى الامتحان
كانت محراب معتادة على التفوّق منذ سنواتها الأولى في المدرسة، لكنها لم تتوقّع أن تحرز الدرجة الكاملة
في العشرين من يونيو، كان مشهد الصباح مختلفاً في جزيرة نَقَزو وأم جركي بمحلية المتمّة؛ وهي جزيرة نيلية تضمّ ثلاث قرى صغيرة: نَقَزو، وأم جركي، وسلامتو، ويحتاج أطفالها إلى عبور النهر للوصول إلى بعض الخدمات الأساسية.
في ذلك الصباح، خرج التلاميذ والتلميذات من قرية نقَزو، ومن بينهم محراب، متجهين إلى مركز امتحانات الشهادة في مدينة ود حامد على الضفة الغربية للنيل، وكان عليهم عبور النهر بالمراكب، ثمّ قطع مسافة أخرى عبر طريق بين المَزارع للوصول إلى مركز الامتحان، وعلى ضفة الجزيرة تجمَّع الأهالي في مشهد عفوي يكبّرون ويهلّلون داعين لأبنائهم وبناتهم بالتوفيق.
لم يكن مشهداً عابراً، فقد انتشر مقطع مصوَّر للحظة مغادرة الأطفال القرية على نطاق واسع. وفي اليوم ذاته، اتخذ وزير التربية والتوجيه المكلّف بولاية نهر النيل، أحمد حامد أحمد يس، قراراً بإنشاء «مركز امتحانات استثنائي لتلاميذ وتلميذات جزيرة نقزو، وأم جركي الجالسين لامتحانات الشهادة الابتدائيّة» حتى يتمكّن الأطفال من أداء امتحاناتهم في مدرستهم، بدلاً من عبور النهر للوصول إلى مركز ود حامد.
لكنّ قصة محراب لم تتوقّف عند ذلك المشهد؛ فعند الإعلان عن النتائج ظهر اسمها في صدارة الناجحين بالاشتراك مع 18 تلميذة وتلميذاً أحرزوا الدرجة الكاملة أيضاً.
كانت محراب معتادة على التفوّق منذ سنواتها الأولى في المدرسة، لكنها لم تتوقّع أن تحرز الدرجة الكاملة، كما أخبرت مراسلة «أتَـر» في اتصال هاتفي بحضور والدها. وبالمثل يقول والدها، حمد عثمان، إنه كان يتوقّع أن تكون ابنته من الأوائل، فقد ظلّت الأولى على فصلها منذ الصف الأول وحتى الصف السادس، لكنه لم يكن يتوقّع أن تحرز الدرجة الكاملة، وأن تتصدّر قائمة الناجحين في الولاية.
وتقول محراب نفسها إنّ مادة الرياضيات كانت أكثر ما تخشاه، لكنّ خوفها تبدد مع المراجعة والمتابعة، وذلك بعد أن كثّف المعلّمون جهودهم معها ومع زملائها قبل الامتحانات؛ لذلك تدرك محراب أنّ النجاح لم يكن حظاً. تقول، إنّ ما حققته جاء نتيجة التعب والجهد، وتُوجّه رسالتها إلى قريناتها وأقرانها من الأطفال بأنّ النجاح يحتاج إلى الاجتهاد والسهر والمثابرة.
لكنّ المفارقة أنّ الطفلة التي وصلت إلى قمة نتيجة الولاية، لم تكن ترى في عبور النهر بالمركب ذلك الخطر الذي قد يراه الكبار. وعندما سألتها مراسلة «أتَـر» إنْ كانت تفضّل أن يكون هناك مركز امتحانات في قريتها، أم أن تستمر في قطع النهر بالمركب لأجل الامتحان، اختارت المركب.
ولعلّ تفضيلها هذا يفصح عن بسالة طفلة اعتادت أن يكون المركب جزءاً من طريقها، بينما يكشف المشهد من زاوية أخرى عن سؤالٍ أكبر؛ عن أطفال يعيشون في مناطق ما زال الوصول فيها إلى التعليم مرتبطاً بعبور المياه على المراكب في رحلات لم تخلُ دائماً من خطر الغرق.
يقول والد محراب، إنّ أهل القرية يتعاملون مع أطفال نَقزَو جميعاً باعتبارهم أبناءهم، حتى من ليس لديهم أطفال ممتحنون يخرجون لتوديع الممتحنين، ومَن ينتظرونهم في الضفة الأخرى يشعرون تجاههم بالمسؤولية أيضاً. لكن حمد عثمان لا يريد أن يبقى الأمر كذلك، ويتمنى أن يكون للقرية مركز امتحانات ثابت ومدرسة ثانوية، فالقرية بها مدرسة أساس ومدرسة متوسّطة، لكنّ الطلاب بعد ذلك يضطرّون إلى عبور النهر لمواصلة تعليمهم في المرحلة الثانوية. وهنا تنتهي حكاية المركب بالنسبة لمحراب، لكنها تبدأ في مكان آخر بالنسبة لأطفال قريتها.
في أقصى الشمال: كانت الرحلة مختلفة
إنّ حلم الأب ظلّ حاضراً في عزيمة ابنته
إذا كانت محراب تواجه الماء في طريقها إلى التعليم، فإنّ شهد بدرالدين أحمد سليمان كانت تواجه آثار حربٍ غيّرت حياتها بالكامل. وُلدت شهد في 2014، ونشأت في ولاية الخرطوم، لكنّ أسرتها تنحدر من محلية البحيرة بولاية نهر النيل، وفي 20 مايو 2023 وجدت نفسها نازحة من الخرطوم إلى محلية البحيرة بعد اندلاع الحرب التي قلبت حياة ملايين السودانيين. لم يكن الانتقالُ بالنسبة لطفلة في هذا العمر محض تغيير في المكان؛ كانت الخرطوم عالمها، مدرستها ومعلّماتها وزميلاتها ونمط الحياة الذي اعتادت عليه، ثم جاءت محلية البحيرة باختلافاتها عن المكان الذي جاءت منه.
تقول والدتها هديل لمراسلة «أتَـر» إنّ شهد واجهت تغيّراً كبيراً في نمط الحياة والمعيشة والعادات والسلوك، إلى جانب صعوبات الدراسة ونقص الكهرباء، حيث كانت الأسرة تحاول الاعتماد على الطاقة الشمسية، لكنها لم تكن كافية دائماً، واضطرت إلى شراء بطاريات صغيرة حتى تتمكّن شهد من مواصلة دراستها. لكنّ أقسى ما حملته شهد إلى البحيرة لم يكن اختلاف المكان، إنما كان فقد والدها.
كان والد شهد جندياً في القوات المسلحة السودانية، بحسب إفادة والدتها، وقد لقي المنية في إحدى معارك الحرب. وكان ينادي ابنته منذ صغرها «دكتورة شهد»، ويرى فيها مستقبلاً أكبر من الظروف التي تحيط بها، ومنذ دخولها المدرسة، كانت شهد من المتفوّقات، بل ظلت الأولى على فصلها منذ سنواتها الأولى.
تقول شهد لمراسلة «أتَـر»، في اتصال هاتفي بحضور والدتها، إنها عندما بدأت العام الدراسي في البحيرة كانت تفتقد زميلاتها ومعلّماتها في الخرطوم، وتتعلّم كيف تعيش في بيئة جديدة وفي الوقت نفسه تحاول التعامل مع فقد والدها. وتقول والدتها إنّ حلم الأب ظلّ حاضراً في عزيمة ابنته، وكان يقول لمعلّماتها إنّ شهد ستأتي في مقدّمة الناجحين، وإنها ستظهر في مؤتمر النتيجة، كان واثقاً من ابنته إلى درجة أنه قال إنّ عدم تفّوقها سيكون تقصيراً من المدرسة لا منها.
وعندا جاء يوم إعلان النتيجة، وعلمت شهد ما أحرزت، جاءت فرحتُها بوجهٍ آخر.
كانت الكهرباء غير متوفرة كالعادة، فاضطرّت شهد إلى متابعة النتيجة عند جيران لديهم طاقة شمسية. ثمّ جاءت شقيقتها إليها بخبر تفوّقها: لقد أحرزت شهد 277 درجة، وترتيبها المركز الرابع على مستوى الولاية. كانت شهد تتوقّع أن تدخل المنافسة، وكانت تقدّر نتيجتها بـ275. لقد حقّقت ما كان والدها يحلم به، لكن الفرحة لم تكن كاملة.
تقول شهد إنها بكت عندما تذكّرت والدها، وكيف كان يتحدّث عن يوم النتيجة، وعن المؤتمر الذي سيذهب إليه معها، وعن حلمه بأن تصبح طبيبة. وعندما سألتها مراسلة «أتَـر»: «لماذا لم تحضر مؤتمر النتيجة في محلية الدامر؟»، كانت الإجابة تختصر كلّ شيء؛ إنّ والدها الذي كان يحلم بأن يراها هناك لم يعد موجوداً. بكت شهد لأنها نجحت في اليوم الذي كان والدها يتمنى أن يراها تنجح فيه. وتقول إنها تريد أن تصبح طبيبة، ليس فقط لأن ذلك حلمها وإنما أيضاً لأنها تريد أن تحقّق أمنية والدها.
تقول والدتها إنّ شهد، رغم كلّ ما مرّت به، حافظت على تفوّقها، منذ الروضة وحتى الآن، وإنّ وفاة والدها تركت أثراً كبيراً عليها، لكنها تمسَّكت بالعزيمة حتى تحقَّق ما كان يتمناه.
طفلتان وحَقّ واحد
محراب واجهت الماء، وشهد واجهت الحرب والفقد والنزوح، لكنّ كلّ واحدة منهما وصلت إلى الدرجات العُلى بطريقتها.
في جنوب ولاية نهر النيل كانت محراب تصعد إلى المركب وهي تحمل كتبها، بينما كان أهل قريتها يقفون على الضفة بالدعاء. وفي شمال الولاية كانت شهد تصل إلى امتحانها، وهي تحمل معها حقيبة أخرى؛ حقيبة النزوح وفقدان الأب وغياب زميلاتها وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة.
محراب واجهت الماء، وشهد واجهت الحرب والفقد والنزوح، لكنّ كلّ واحدة منهما وصلت إلى الدرجات العُلى بطريقتها. وربما تكون المفارقة الكبرى أنّ الطفلتين ما كانتا تبحثان عن المستحيل، إنما كانتا تريدان فقط أن تَدرُسا وتجلسا للامتحان وتعودا إلى أسرتيهما بنتيجة تفرحهما، لكن الطريق إلى ذلك الحقّ البسيط كان مختلفاً.
في نقزو، ما زال الأطفال في حاجةٍ إلى طريق آمن، ومركز ثابت ومدرسة ثانوية حتى لا يصبح عبور النهر جزءاً من مستقبلهم الدراسي. وفي البحيرة، تحمل أسر كثيرة آثار سنوات طويلة من التحدّيات منذ إنشاء سد مروي، بينما تحاول الأسر النازحة إعادة بناء حياتها وسط اختلاف البيئة ونقص الخدمات، وفقدان من كانوا يمثّلون لها السند، حين يصبح النجاح أكبر من الدرجة.
وبين القصّتين يبقى السؤال الأهم: هل يكفي أن نحتفي بأطفالنا عندما يحرزون درجات الأوائل، أم أنّ نجاحنا الذي هو نجاحهم الحقيقي يبدأ من ضمان حقّهم في الوصول إلى المدرسة والامتحان في أمان؟.
مهما كانت القرية بعيدة، ومهما سلبتِ الحرب؛ لقد أثبتت محراب وشهد أنّ مشقّة الدرب لا تَحُول دون النجاح.



