بأثَر الانخفاض المستمرّ في قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، تزداد معاناة سكّان ولاية الجزيرة، الذين ربَت أسعار السلع في أسواقهم، بينما انمحقت مدّخراتهم ورواتبهم وأسعار محاصيلهم الزراعية، في معادلة صعبة للعيش، يخوضون غمارها يومياً.
وبينما تمضي أسعار السلع بوتيرة متصاعدة، فإنّها تكون في شهري أغسطس وسبتمبر أثقل وطأةً على المزارعين بالجزيرة وهم الفئة الأكبر. تُسمَّى هذه الفترة محلّياً «مفرق الحبّتين»، وهي فترة صعبة، تنعدم فيها المداخيل لدى المزارعين، ويعيشون فيها كفافاً، لأنها تمتدّ عبر الحدّ الفاصل بين نهاية المخزون السابق من المحاصيل، ودخول مرحلة الإنتاج «الدَّرَت» في شهري أكتوبر ونوفمبر.
وزادت أسعار السلع بشدّة هذا الأسبوع مقارنةً بأسعار الأسبوع الماضي، بخاصّة في أسواق المَسيد وأبو قُوتة والعزَازي، وهي أسواق محلية رئيسية بالجزيرة، حيث ارتفع سعر كيلو اللحم العجّالي من 48 إلى 52 ألف جنيه سوداني، والضأن من 60 إلى 64 ألف جنيه. بينما ارتفع سعر الكيلو من السكر من 6 آلاف جنيه إلى 7.500 جنيه، والكيلو من العدس من 6 آلاف جنيه إلى 7.500 جنيه. وارتفع سعر الكيلو من لبن البودرة من 45 ألف جنيه إلى 50 ألف جنيه. وارتفع سعر رطل الشاي من 9 آلاف جنيه إلى 12 ألف جنيه، وبلغ سعر اللتر الواحد من الزيت 17 ألف جنيه، بعد أن كان 13 ألف جنيه في الأسبوع الماضي. وقفز سعر كيلو الدكوة من 13 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه. وارتفع سعر الكيلو من الأرز من 8 آلاف جنيه إلى 12 ألف جنيه، والكيلو من الطحنية من 12 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه، وملوة الويكة من 10 آلاف جنيه إلى 20 ألف جنيه.
وارتفعت أيضاً أسعار الحبوب الغذائية، إذ بلغ سعر جوال الذرة «ود أحمد» زنة 100 كيلوجراماً مبلغ 220 ألف جنيه، وكان 180 ألف جنيه في الأسبوع الماضي، بينما بلغ سعر جوال القمح زنة 100 كيلوجراماً 240 ألف جنيه، بعد أن كان 210 ألف جنيه. وتشهد أسواق الولاية ندرةً في الدخن زنة 100 كيلوجراماً، الذي بلغ سعره 450 ألف جنيه، بعد أن كان في السابق 300 ألف جنيه. كذلك قفزت أسعار البصل ليبلغ سعر الجوال زنة 100 كيلوجراماً 140 ألف جنيه، بعد أن كان 100 ألف جنيه.
ارتفاع أسعار الحبوب الغذائية جعل آمال الفاتح، مريضة السكّري هي وزوجها وابنها، تصنع الكِسْرة من دقيق الذُّرَة صنف «ود أحمد»، بعد أن كانت في السنوات الماضية تصنعها من دقيق صنفَي «طابت» و «الهجين» استجابةً لتوجيه طبيبها، لأنّ صنف «ود أحمد» يحتوي على نسبة عالية من النشويات والسكريات، عكس الصنفين الآخرين، بَيْد أن الارتفاع الكبير في أسعارهما، اضطرها لاستخدام دقيق ذرة «ود أحمد» الأقل سعراً والأكثر توفراً، رغم المحاذير الطبية.
وتُضاعف الزيادات الكبيرة في الأسعار هذا الأسبوع، معاناةَ قطاع واسع من السكّان، وهم العاملون في الدولة والقطاع الخاص، الذين لم يصرفوا رواتب شهر أغسطس بعد. يقول المعلِّم بمدرسة حبيبة بمحلية الكاملين، فتح العليم جبارة، إنه استدان في هذا الأسبوع من صاحب بقالة في القرية، ما يعادل 80% من راتبه الشهري، حتى يَلحق بالتطوّرات المتسارعة في أسعار السلع. ويقول جبارة لـ «أتَـر»: «ربما يأتي الأسبوع القادم حاملاً زيادات أكبر، وما تبقى من الراتب، إن وصل إلى حسابي، فإنه لن يكفي ليومين، ولا أدري كيف أتصرف في بقية الشهر».
وتفاقم من المعاناة أيضاً القفزة الهائلة في أسعار اللحوم والألبان، بسبب ارتفاع مصاريف التشغيل لقطاع الثورة الحيوانية، وشحّ الأمطار، الذي حدَّ من نموّ الحشائش في المراعي.
وارتفعت أسعار بقايا طحين القمح «الرَّدَّة» بشدّة، إذ بلغ سعر الجوال زنة 50 كيلوجراماً 60 ألف جنيه سوداني، بزيادة 10 آلاف جنيه عن الأسبوع الماضي. وفي المقابل، ارتفع سعر كسب الفول السوداني «الأمباز»، الذي ليس له وزن ثابت إنما يتراوح وزن جواله بين 60 و80 كيلوجراماً، من 300 ألف جنيه إلى 400 ألف جنيه بداية الأسبوع، وهو مرشّح للازدياد بسبب ندرة الفول السوداني، طبقاً لتوقعات تجّار بسوق المناقل، وهو من الأسواق الأساسية وتُحدَّد أسعار الأمباز بناءً على سعره. وارتفع سعر جوال العلف زنة 25 كيلوجراماً إلى 140 ألف جنيه، بزيادة 20 ألف جنيه عن الأسبوع الماضي، كذلك ارتفع سعر جوال تِبن الفول والعدسية -الذي لا يوجد له وزن متعارف عليه لأنه خفيف- إلى ما بين 15 و20 ألف جنيه، وقد ظلّ طوال الفترة الماضية يُستخدم بديلاً للردّة الآخذة أسعارها في الارتفاع، لتعليف الماشية.
وبات ارتفاع سعار الأعلاف يشكّل ضغطاً مباشراً على هيكل الإنتاج الحيواني وسلاسل الإمداد الغذائي. ووفقاً لمحمد الحسن المأذون، عضو غرفة مُربِّي الماشية بولاية الجزيرة، فإنّ تكلفة التغذية تستحوذ على 65% إلى 70% من إجمالي المصروفات التشغيلية لمَزارع الماشية والدواجن. وأدّى هذا التصاعد المتسارع إلى إعادة تشكيل خارطة الأسعار لمنتجات الألبان واللحوم، وتراجُع القوة الشرائية للمستهلكين.
ويقول المأذون لـ «أتَـر» إنّ القفزة الكبيرة في أسعار الأمباز والردّة أتت كنتيجة لارتفاع تكاليف التشغيل بمعاصر الزيوت والمطاحن، إلى جانب تذبذب الإمداد الكهربائي وارتفاع أسعار الوقود، وضعف إنتاج القمح في الموسم الماضي، فضلاً عن الندرة في المواد الخام، لأنّ هذه الفترة هي فترة ما قبل الحصاد لمحصولَي الفول السوداني والسمسم. ويضيف المأذون عاملاً آخر يُسهم في ارتفاع أسعار الأعلاف، إذ تأثّرت مساحات زراعة البرسيم وأبو سبعين والقصَب داخل أقسام مشروع الجزيرة بارتفاع تكاليف الري وضغوط شحّ الوقود، بجانب شحّ الأمطار الذي يؤثر على نمو الحشائش في المراعي.
وكشفت جولة لـ «أتَـر» على عدد من حظائر الماشية بوحدتَي ود حبّوبة والمحيريبا الإداريتين، التابعتين لمحلية الحصاحيصا، عن اضطرار منتجي الألبان إلى رفع أسعار اللبن للمستهلك لتغطية الشراء اليومي للردّة والأمباز.
ويقول مُربّو ماشية في قرية سليم إنهم لجأوا إلى تقليل الوجبات اليومية للقطعان، أو استبدال العلف المركّز بمخلّفات زراعية ضعيفة القيمة الغذائية، مما أدّى إلى هبوط معدَّلات إدرار اللبن اليومي.
ويقول المأذون: «دفَع عجز المُربِّين عن تحمُّل تكلفة العلف المرتفعة إلى عرض أعداد كبيرة من المواشي غير مكتملة التسمين، بالأسواق لتفادي خسائر النفوق، ما يخلق وفرة مؤقتة يعقبها شحّ حادّ وقفزة في الأسعار».
ويكشف عضو غرفة مربي الماشية عن أنّ الخسائر المتراكمة تسبَّبت في خروج عدد من المنتجين من دائرة الإنتاج، ولجوء صغارهم إلى تصفية مَزارعهم أو تقليص حجم القطيع، ما قلّص المعروض الكلّي للألبان الطازجة. ويشير إلى أنّ تضاعُف الكلفة المالية اللازمة لتسمين عجول البقر وخراف الضأن، انعكس في الزيادة المباشرة على سعر الكيلو من لحمها بالأسواق.
للحدّ من هذه الآثار، يقترح المأذون تفعيل المبادرات الجماعية لتصنيع الأعلاف المحلية، ودعم مدخلات الري لمزارعي الأعلاف الخضراء بالمشروع، وتسهيل حركة تداوُل الرَّدَّة والأمباز من المَصادر المباشرة لتقليل حلقة الوساطة التجارية.
ويرى المُزارع عثمان الجاك، أنّ أمراً غير مفهوم له يحدث حالياً، إذ إنه كان في السابق يبيع كلّ شهر جوالين من العدسية أو الكبكبي، في السوق، ويشتري احتياجات أسرته لشهر كامل، غير أنه الآن، كما يقول لـ «أتَـر»، يبيع جوالين وأكثر، بينما لا يقضي له عائدُها حاجيات الأسرة لثلاثة أسابيع، دَعْك من شهر كامل. ويقول: «كنا في السابق نعرف حاجتنا وما يقضيها لنا، ونبيع من مخازننا بناءً على ذلك، لكنّ الأمر بات غير معروف الآن، كلّ ما عليك هو أن تدفع أكثر، وإن لم تدفع اليوم ستدفع ضِعفه غداً، ولا أحد يهتمّ مِن أين ستأتي بهذا الفارق الكبير بين دخلك ومنصرفك».
غير أنّ الجاك، الذي يرى في تدهوُر قيمة العملة المحلّية سبباً من أسباب الغلاء، يقول أيضاً إنّ جشعَ التجّار سببٌ آخر، ويَعدّه الأساس في المعاناة التي يكابدها الآن. وبالقرب منه يجلس عبدالحميد فرج الله، جاره في المنزل والحوّاشة والذي يقول له: «نسيتَ أن تضيف الجبايات والضرائب الباهظة التي ترفع من أسعار السلع».
ومن المفارقات، أنه رغم دخول موسم إنتاج الخضروات هذه الأيام، إلا أنّ أسعارها آخذة في الارتفاع، أسوةً ببقية السلع، ويبدو أنها عدوى تصيب أسواق الجزيرة، حيث بلغ سعر كرتونة الطماطم 200 ألف جنيه سوداني، وجوال البطاطس 220 ألف جنيه، وجوال العجّور 120 ألف جنيه، وجوال الشطّة 150 ألف جنيه، وصفيحة البامية 50 ألف جنيه، وجوال البصل الأبيض 130 ألف جنيه، وجوال البامبي 150 ألف جنيه وجوال الأسود 90 ألف جنيه.