أتر

عين على محلية الإضَـيّة يقتاتون على الأمباز وأوراق التبلدي والكوليرا تفتك بهم

أطفال يقفون أمام «مَعصرة» للزيوت في قرية دونكي الحر، بمحلية الإضية بولاية غرب كردفان، يَحملون بستلّات وجرادلَ وأكياساً في أيديهم، ينتظرون الحصول على المُخلَّفات الناتجة عن عصر البذور «الأمباز»، التي تُستخدم عادة علفاً للحيوانات، ليسدّوا جوعهم. هذا ما أظهره مقطع ڤيديو مُتداول على «فيسبوك»، أكّدت صحّته مصادر محلية من المنطقة استفسرتها «أتَـر». يقول صاحب المعصرة خلال الڤيديو، إنّ ما بين 30 إلى 40 شخصاً يترددون عليه يومياً للحصول على الأمباز، وينتظرون حتى تتوقف المعصرة عن العمل لجمعه.

وأكّدت المصادر محلية في المنطقة لـ «أتَـر»، أن كثيراً من سكّانها قد لجأوا إلى الأمباز غذاءً، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والغذائية، وندرة الدخن وانعدام بعض البدائل وارتفاع أسعار السلع، إلى جانب انعدام فرص العمل وصعوبة وصول المواد الغذائية. ويُطهى الأمباز في الماء المغلي ويضاف إليه الدقيق ليكون جاهزاً للتناول.

وبحسب المتحدّث باسم غرفة طوارئ النهود سليمان أبو حميدة، وصلت الأوضاع الإنسانية في الإضية إلى «مرحلة الكارثة». يقول أبو حميدة لـ «أتَـر»، إنّ السكّان بدأوا تناول الأمباز نتيجة التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية والغذائية. وتزداد صعوبة الحصول على البدائل، بحسب أبو حميدة، إذ تأتي الفيتريتا، والذرة من صنف طابت، من أم درمان والأبيض، لكن صعوبة وصولها إلى المنطقة ترفع أسعارها وتحدّ من قدرة الأسر على توفير وجباتها اليومية.

لا يقتصر الأمر على الغذاء، فقد أدى انعدام فرص العمل إلى وضع الأسر أمام خيارات محدودة، بينما ينتظر كثير من السكّان موسم الحصاد في محاولة لتجاوز فجوة الغذاء. وفي الوقت ذاته، لا تصل إلى المنطقة مساعدات أو إغاثات من المنظمات الإنسانية، فضلاً عن غياب التدخلات الأهلية والجهود الشعبية. ومع اضطراب الأسواق، وعدم انتظام حركة البيع، وارتفاع أسعار السلع وندرتها، تضيق مساحات الخيارات أمام السكّان أكثر، لتصبح الوجبة اليومية نفسها تحدياً.

تمتدّ الرقعة الجغرافية لمحلية الإضية بولاية غرب كردفان من أواسط الولاية حتى حدودها الغربية مع ولاية شرق دارفور، وتقع المحلية التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع منذ سبتمبر 2023، على بُعد 253 كيلومتراً من مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، واشتُهرت بوفرة المحاصيل الزراعية بما فيها الخضروات بأنواعها المختلفة، وتمرّ بها الشبكة القومية لهيئة سكك حديد السودان. ولا تبدو الإضية حالة معزولة في مشهد الحرب، فقد أعاد لجوء سكانها إلى تناول الأمباز وورق أشجار التبلدي إلى الأذهان ما أُثير سابقاً في الفاشر ومناطق أخرى بولاية جنوب كردفان.

وكانت قوات الدعم السريع قد أعلنت سيطرتها على مدينة بابنوسة ومعظم مناطق ولاية غرب كردفان في ديسمبر 2025، بينما يواصل الجيش تنفيذ الضربات الجوية وفي كردفان ومناطق وجود الدعم السريع، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية.

وأوراق التبلدي أيضاً

لا يقتصر الأمر على تناول الأمباز، فقد دخلت أوراق شجر التبلدي أيضاً ضمن قائمة ما يأكله الناس في الإضية لمواجهة الجوع. يخبر تاجر في الإضية «أتَـر» أن الأوضاع في المحلية وصلت إلى مرحلة كارثية بفعل الجوع والمرض وارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، وأن أيسر احتياجات المعيشة وفي مقدمتها الغذاء أصبحت عصية المنال. ويحكي أن هناك من اضطروا إلى تناول الأمباز، إلى جانب أوراق شجر التبلدي، بينما ينام آخرون جوعى بسبب أنهم لا يجدون ما يسدّ جوعهم.

وتكشف أسعار السلع الأساسية عن حجم الأزمة، إذ بلغ سعر جوال الدخن زنة 50 كيلو نحو 450 ألف جنيه، والدقيق 220 ألف جنيه، والسكر زنة 50 كيلو 400 ألف جنيه، والبصل 480 ألف جنيه، بينما بلغ جوال الفيتريتا نحو 350 ألف جنيه. وقال التاجر إن العدس والأرز والمكرونة والشعيرية أصبحت لا تُباع بسبب ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

ويبلغ سعر ملوة الأمباز 20 ألف جنيه، بحسب ما أفاد أحد سكّان الإضية «أتَـر»، ويحصل عليه السكّان من معاصر الزيوت.  ولا تنفصل أزمة الغذاء عن الوضع الأمني؛ إذ يقول تاجر تحدّث لـ «أتَـر» إنّ غياب الأمان لا يزال يمثل تحدياً للسكان، في ظل وجود قوات الدعم السريع، بجانب فرض غرامات وجبايات مالية على المواطنين، من بينها مبالغ تُفرض على بائعات الشاي، وتعادل ألفي جنيه يومياً.

وتتسع دائرة الأزمة لتشمل الخدمات الأساسية، فالكهرباء مقطوعة منذ بداية الحرب، بينما يعتمد السكان على شبكة «ستارلينك» للاتصال بالإنترنت، رغم الرقابة والمضايقات الأمنية التي تواجهها النساء والشباب من قبل قوات الدعم السريع المسيطرة على المنطقة. وفي ظل هذا كله، توقفت العملية التعليمية في المنطقة منذ بداية الحرب. أما مصدر المياه الوحيد المُتاح فهو عبر الدوانكي «آبار المياه الجوفية» التي تعمل بالطاقة الشمسية، لكنها تخضع هي الأخرى لجبايات، إذ يُفرض مبلغ 150 ألف جنيه على الوردية.

تغيّرات في الحركة التجارية

بعد أن كانت البضائع تُجلب من أم درمان وعطبرة والنهود قبل الحرب، تغيّرت مسارات التجارة بعد الحرب، وارتفعت تكلفة نقل البضائع، وانعكس ذلك على تكلفة بيعها للسكّان. وتصل البضائع حالياً عبر الأبيض والمزروب، مروراً عبر نقاط تصديق تابعة للأجهزة الأمنية قبل وصولها إلى غرب كردفان. ويقول التاجر إنّ هذه الإجراءات تفرض تكاليف إضافية على التجار والمواطنين، مشيراً إلى أن عربة بضائع تصل قيمة حمولتها إلى نحو 50 مليون جنيه، تُفرض عليها رسوم تصديق بمبالغ مماثلة، قبل أن تواصل طريقها إلى غرب كردفان، ما يضاعف تكلفة السلع ويزيد الضغوط على التجار، ولا تنتهي المخاطر عند نقاط التصاديق، فالطرق نفسها تحمل مخاطر النهب والسرقة، بحسب التاجر، الذي يقول إن هذه الضغوط، لا سيما التهديد بالسجن من الطرفين، تجعل بعض التجار عاجزين عن جلب البضاعة.

يقول أحد السكّان إن المنطقة لا تنتظر حصاداً بعد فشل الموسم الزراعي، وليس بها مخزون غذائي كافٍ، ما دفع بعض الأسر إلى بيع ممتلكاتها والنزوح إلى مناطق أخرى بحثاً عن الغذاء والأمان.

ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود في مايو 2025، تراجعت الحركة التجارية في الإضية على نحو بالغ، مع انعدام فرص العمل والإنتاج، بحسب حديث التاجر الذي تحدّث لـ «أتَـر»، وقال إنّ بعض السكّان ممن يملكون ماشية يعتمدون على بيعها تدريجياً لتوفير احتياجاتهم، بينما لا توجد مصادر دخل أخرى تذكر.

الكوليرا: تحدٍّ آخَر لأهل الإضية

وبحسب تقرير ميداني أصدرته غرفة طوارئ النهود المركزية في الأول من سبتمبر، تشهد مناطق في محلية الإضية تفشياً متسارعاً للكوليرا، مع تسجيل 53 إصابة و8 وفيات، بينها 8 إصابات جديدة وحالة وفاة واحدة. وينتشر الوباء، وفقاً للتقرير، في مناطق حمير، وأم رقيل، وحلة عيال حسين، وأم خشمين، بينما لا يزال مركز أم خشمين هو المركز الوحيد العامل في استقبال وعلاج الحالات.

ويواجه المرضى إلى جانب خطر تفشي المرض، أزمة أخرى في توفير المحاليل الوريدية، إذ يبلغ سعر المحلول قرابة 90 ألف جنيه سوداني. ودعت غرفة الطوارئ إلى تدخل صحي وإنساني عاجل، يشمل توفير المحاليل والأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم المراكز الصحية، إلى جانب توفير مياه الشرب الآمنة ووسائل الوقاية والتوعية للحد من انتشار المرض. وأوضحت الغرفة أن الأرقام الواردة في تقريرها تمثل حصراً ميدانياً حتى الأول من سبتمبر، وقد تتغير مع استمرار حصر الحالات وتحديث البيانات.

تحدّث مصدر طبي من أحد المراكز الصحية في الإضية إلى «أتَـر»، مشترطاً عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، وكشف عن تسجيل نحو 20 حالة مؤكدة و8 وفيات في الإضية خلال أسبوع واحد، بينهم ثلاث نساء وخمسة رجال. وفي آخر تحديث من المصدر الطبي، أكد أن عدد الحالات حالياً بلغ 150 حالة إصابة، من ضمنها 15 حالة وفاة، والمشتبه بهم بين 250 إلى 300 حالة.

يضيف المصدر الطبي مفسراً هذه الزيادة المتسارعة: «لم تكن العدوى داخل الإضية وحدها، فقد جاءت بعض الحالات قادمة من القرى المجاورة، من بينها حمير، وفي حلة عيال حسين 87 إصابة و8 وفيات، بينما سجلت أم رقيل 13 إصابة وحالة وفاة، إلى جانب حالتي وفاة في شق الكلاس، بينما لم يُحصَ حتى الآن العدد الحقيقي للمصابين في تلك المناطق».

ويقول المصدر، إن أول حالة كوليرا ظهرت في الإضية كانت قادمة من المزروب بولاية شمال كردفان، مشيراً إلى وصول وفد طبي من غبيش يوم الاثنين لمتابعة الحالات، وتقديم الإرشادات بشأن التعامل مع الكوليرا والحد من انتشارها، إلى جانب تطهير المنطقة.

وفي قرية عيال حسين، يبدو انتشار المرض أكثر اتساعاً، إذ يقول أحد السكان لـ «أتَـر» إن الوباء طال معظم الأسر، موضحاً أن القرية تضم ما بين 80 و90 أسرة، ولا يكاد يخلو منزل من حالة إصابة أو اشتباه. ويقدر عدد الحالات في القرية ما بين 60 و70 حالة، بينها 6 حالات وفاة، مشيراً إلى أنه يرافق أحد المرضى، وظهرت عليه هو أيضاً أعراض المرض.

Scroll to Top