حلفا الجديدة: عطش المحاصيل الزراعية وانقطاع مياه الشرب من منازل السكّان
مراسل أتر
رصَد مراسل «أتَـر»، شكاوى عدد من المزارعين بمشروع حلفا الجديدة الزراعي بولاية كسلا، من انقطاع المياه عن محاصيلهم، صاحبه شح في الأمطار. وذكر المزارع بتفتيش «فرص» كمال محمد عبده، أنّ محاصيل العروة الصيفية لهذا العام، تعاني بسبب العطش خصوصاً الذُّرَة والقطن والعدسية، كاشفاً أنّ المياه منقطعة عنهم منذ أكثر من أسبوعين، بالتزامن مع توقف مفاجئ لهطول الأمطار، ما زاد الطلب على مياه الري المتناقصة في القنوات.
يلفت كمال إلى أنّ المزارعين يخاطبون جهات الاختصاص دورياً، لكنهم لا يجدون منها أي استجابة. وبحسب وصفه لمراسل «أتَـر»، فإنّ ما يحدث الآن هو انهيار لمنظومة العمل في مشروع حلفا الجديدة، وفشل تامّ لإدارة هيئة حلفا الجديدة الزراعية وإدارة الري في مهمّتهما، وأضاف عبده: «لقد وصلت الأوضاع حالياً إلى مراحل كارثية، والمسؤولون يتهرّبون من مسؤوليتهم، ومن مواقع عملهم خشية مواجهة المزارعين المغلوبين على أمرهم»، وزاد: «الإدارة مشغولة بتعيين المدير الجديد، ولا تُلقي بالاً لمعاناة المزارعين، ومع ذلك تضع عينها على الضرائب التي ستتقاضاها نهاية الموسم».
وبدَوره يصف المزارع محمد صالح خليل، لمراسل «أتَـر»، حالَ المزارعين الآن بأنهم «يئنّون تحت وطأة العطش، بينما يواجه المشروع شبح الجفاف جراء غياب المطر واستمرار التلاعب بمياه الترع». وينوّه بأنّ التعدّيات المتصاعدة على شبكة الري تحرم المزارعين من حصّتهم في المياه، في مشهد ينذر بكارثة زراعية صامتة؛ حيث تَذبُل المحاصيل وتموت أمام أعين المزارعين الذين يرون خسائرهم تتضاعف يومياً. وقال خليل: «الكارثة الآن لا تقف عند حدود الحقل، بل تمتد لتَضرب الاقتصاد السوداني في مقتل، في وقت هو بأمسّ الحاجة إلى مردود زراعي يعوّض جزءاً من النقص الحادّ في الموارد».
يتّهم المفتش الزراعي السابق بمشروع حلفا الجديدة، حسن ضيفي شرقاوي، إدارة المشروع بتعمُّد تجاهل مَطالب المزارعين، وأنها تغمطهم حقَّهم في معرفة الأسباب التي أدّت إلى عطش المحاصيل، داعياً إياهم إلى توحيد صفوفهم من أجل نيل مَطالبهم، والضغط على إدارة مشروعهم لحلّ مشكلاتهم حتى لا يفقدوا ما تبقى من محاصيلهم.
وأكّد شرقاوي في حديثه لمراسل «أتَـر»، أنّ آلاف الأفدنة التي زرعها المزارعون، في ظل صعوبات بالغة وارتفاع في أسعار المدخلات والوقود، مهدَّدة بالفشل، وأنَّ جزءاً كبيراً من المُزارعين استدان من البنوك، ورهَن بعضُهم منازلهم ومتاجرهم وآلياتهم الزراعية، واستدان آخرون من التجّار لتمويل زراعتهم. وقطَع شرقاوي بأنّ جميع المزارعين سيكون مصيرهم السجن، إذا استمر نهج الإدارة الحالي في عدم الاستجابة لحلّ الأزمات.
بينما يَعزو رئيس جمعية أشكيت شمال الزراعية بتفتيش هاجر، عادل محمد صالح بابا، سببَ العطش إلى عدم تطهير القنوات، وحاجة جميع المُزارعين إلى المياه في وقت واحد مع توقّف هطول الأمطار، التي يقول بابا، إنها تقوم بدَور تكميلي في عملية ري المحاصيل. وكشف بابا لـ «أتَر» عن برنامج إسعافي كانت تقوم به إدارة المشروع في الأعوام الماضية، وذلك بتوفير الجازولين للكرّاكات حتى تتمكّن من إزالة العوائق التي تعترض مسار المياه، مثل الأعشاب النيلية ونبات «أم برمبيط» التي قال إنها تسدّ الترع الآن، وتمنع انسياب المياه. مشيراً إلى تجاهل ترع بعينها من التطهير قائلاً: «هناك ترع لم تُطهَّر منذ 10 أعوام». ولفت إلى توقّف جزئيّ لهذا البرنامج في الموسم الحالي، واقتصاره على قنوات محدّدة.
ويمضي بابا قائلاً، إنّ نفس الأسباب التي أدّت إلى عطش محاصيلهم في العام الماضي تتجدّد الآن، مما يهدّدها بالتلف التام، متخوّفاً معية المزارعين بجمعيته من أن تؤثر الظروف ذاتها على محاصيلهم التي سيزرعونها في الموسم الشتوي القادم، فتتضاعُف خسائرهم.
يقول المزارع والقيادي بجمعيات المزارعين، محمد أحمد محمد، لمراسل «أتَـر»، إنّ إدارة المشروع عجزت تماماً عن وضع رؤية أو معالجة جذرية للتدهور المريع الذي أصاب بنيته التحتية، من انسداد شبكات الري وتراكم الطمي وانتشار الحشائش في القنوات الرئيسية والفرعية وإهمال صيانة الجسور والكباري.
ويُحمّل محمد أحمد إدارة المشروع مسؤولية أزمة العطش الحالية، شارحاً أنّ الإدارة عطّلت أصول هيئة حلفا الجديدة الزراعية ودمّرتها، وحوّلت ورشتها إلى مقبرة للمعدات، إذ تعجّ بالآليات والجرّارات والحاصدات والعربات المتعطلة، دون أي خطط جادة للصيانة والتأهيل أو البيع، والاستعاضة عنها بأصول حديثة تُعِين على حلّ الاختناقات وتجهيز القنوات والمسارات. ويواصل محمد، أنّ الإدارة بجانب ذلك تشجّع على التعديات، وذلك بالتراخي في التزام الدورة الزراعية، وباستبدال الإجراءات الصارمة والحازمة، مثل «ردم الأبو عشرين»، بنظام الغرامات التي شجّعت المزارعين على مخالفة النظم والتأثير سلباً على جدول وانتظام الري.
وفي سياق متصل، يشتكي أيضاً سكّان الأحياء الجنوبية بمدينة حلفا الجديدة، من قلة مياه الشرب في منازلهم، بسبب توقف محطة تغذية الأحياء الجنوبية منذ أكثر من أسبوعين. إلى ذلك ذكرت المواطنة بحي دبروسة المهندسين، سماح جميل لمراسل «أتَـر»، أنّ المياه كانت تأتي ليلاً على نحو متقطّع، وتنقطع تماماً عند الفجر، طالبةً من مهندسي المياه مراجعة المحطة والخطوط. وتقول: «طالبناهم بزيارة ميدانية، بيد أنهم لم يأتوا إلينا. ونطلب الآن توفير المياه عاجلاً، أو أن يوضحوا لنا الأسباب التي تقف وراء أزمة مياه الشرب، حتى نتعاون معهم لإزالتها». وكشفت سماح عن انقطاع المياه في مربعات 7 و10 و15 و16.
وتخبر وئام شرف الدين، وتسكن بمربع 10 بدبروسة، مراسل «أتَـر»، أنّ المياه تنقطع عن منازلهم لأكثر من 20 ساعة في اليوم، قائلةً إنّ المياه تُضخ في بعض المنازل عبر طلمبات سحب، ومع ذلك لا يستطيعون أخذ حاجتهم عبرها، وتضيف: «في أحياء كاملة في المدينة ما شافت الموية إلا بمعاناة، والناس اشتروا موتورات سحب بآلاف الجنيهات وسهرانين للصباح وأطفالهم عطشانين».
وكشف مصدر بهيئة مياه المدن في ولاية كسلا، لمراسل «أتَـر»، أنّ السبب في أزمة مياه الشرب يرجع لعطب في محطة الأحياء الجنوبية، وأن صيانتها تتطلّب أموالاً كثيرة، تعمل الهيئة على توفيرها.
ويطالب سكّان مدينة حلفا بتشغيل جميع الطلمبات فوراً وزيادة ساعات الضخّ، ومحاسبة كلّ مقصر ومهمِل في المحطة، ووضع جدول عادل ومعلن لجميع الأحياء، وتشكيل لجنة ميدانية لحلّ أزمة المياه.



