يُعدّ الجازولين الزراعي أحد المطلوبات الأساسية لعمليات التحضير الزراعي بشقّيه المَطَري والمَرْوي، إضافة إلى المبيدات والأسمدة الزراعية بمختلف أنواعها والتقاوي المُحسّنة وغيرها من المطلوبات الأساسية والضرورية للعمليات الزراعية.
ومنذ يونيو 2021 أعلن وزير المالية جبريل إبراهيم خروج الحكومة من عملية دعم البنزين والجازولين، وقال إنها لن تعود إلى ذلك مرة أخرى. وقال جبريل في التصريحات التي نقلتها وسائل الإعلام حينها، إنهم يعملون على إجراءات اقتصادية مؤلمة، لأنهم وجدوا اقتصاداً مُشوَّهاً، و«ليس لديهم حلّ سوى استئصال المرض بجراحة مؤلمة حتى يتعافى الاقتصاد».
حَدَّدت السياسة الحكومية وقتها ما قالت إنها ترتيبات أخرى لدعم المزارعين، مثل شراء المنتَج بسعر تركيزي. بَنَت الحكومة حجَّتها في تغيير سياسات دعم الوقود الزراعي على أنّها كانت تدعم 90% من المزارعين بالوقود، لكنها اكتشفت، على حدّ قول وزير المالية أنّ «43% فقط منهم زرعوا بالوقود المدعوم»، وأنّ البقية كانوا يبيعون الوقود في السوق مستفيدين من فرق السعر.
منذ الفترة الانتقالية وانتهاج الحكومة سياسة التخلّي عن الدعم، لم تَضع الدولة سياسة بديلة واضحة، لكن استمرّت عملية التمويل الزراعي من البنوك التي توفّر تمويلاً نقدياً يستخدمه المزارع للتحضير وشراء الوقود والسماد والتقاوي. بهذا وَجَد المُزارع نفسه أمام تحدّيات الارتفاع المستمر في أسعار الوقود وفقاً لتقلّبات الأسواق العالمية وتغيُّر ظروف النقل الداخلية، ما انعكس على الإنتاج وأسعار الغذاء.
يتابع هذا التقرير قضية الجازولين الزراعي في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والقضارف وكسلا، وكيف أثّرت في التكلفة الزراعية وأوضاع المزارعين المالية وغالباً على إنتاج الموسم الصيفي الحالي؟.
في الجزيرة
بحسب متابعات «أتَـر»، في العام 2020 كانت تكلفة تحضير الفدان 10 آلاف جنيه، وارتفعت في العام 2021 إلى 50 ألف جنيه، وسرعان ما زادت في العام 2022 إلى أكثر من 150 ألف جنيه للفدان الواحد، و200 ألف جنيه في العام 2023، و300 ألف جنيه في العام 2024، بينما بلغت تكلفة تحضير الفدان الواحد في العام الماضي 500 ألف جنيه، وتناهز حالياً المليون جنيه.
في العام 2021، توقف فجأة الجازولين الزراعي المدعوم، الذي كانت تقدّمه الحكومة، للآليات الزراعية التي تعمل في تحضير الأراضي الزراعية، بمشروع الجزيرة. ووفق معلومات تحصلت عليها اتر من بإدارة مشروع الجزيرة لـ «أتَـر»، فإنّ القرار أتى من وزارة المالية الاتحادية، التي علّلت ذلك بأنّ المزارعين لا يستفيدون من الجازولين الزراعي بقدر ما يستفيد منه أصحاب الآليات. كذلك برَّرت وزارة المالية الخطوة، وفق إفادة المسؤول بمشروع الجزيرة، بأنها تهدف إلى توجيه الدعم إلى مستحِقّيه، وذلك باعتماد سعر تركيزي مجزٍ للمحاصيل الزراعية.
ولا يُخفي المسؤول بإدارة المشروع، اتفاقه مع الوجهة العامة للقرار، لأنه يؤدّي فعلاً إلى دعم المزارعين مباشرة، بحسب ما يرى، لكن ذلك يجب إتْباعه بسعر تركيزي مُجزٍ للمحاصيل. بَيد أن المسؤول يقول لـ «أتَـر»، إنّ الجازولين المدعوم توقف، بينما شهد العام ذاته إقرار سعر تركيزي غير مُجزٍ. ويضيف المسؤول أن وزارة المالية مضت في تنصّلها أكثر من ذلك، إذ أوقفت العمل بنظام السعر التركيزي منذ عام 2022، ما جعل الجازولين والسعر التركيزي، مُحرَّرين تماماً، وهو ما يعتبره بمثابة وضع المزارع أمام آلة السوق الضخمة، التي قال إنها افترسته.
ويشير المسؤول بإدارة المشروع إلى أنّ الجازولين المدعوم والمخصَّص للزراعة، كان يساعد في تخفيض تكاليف الإنتاج على المزارعين، وذلك لأنه كان يساهم في تخفيض تكلفة تحضير الأرض إلى 70% مما هي عليه الآن، ويقول: «كان الجازولين المدعوم يُساعدنا كثيراً في أعمال تطهير قنوات الري، والتي انخفضت في 2023 إلى 30% فقط من قنوات الري، وفي العام الماضي كان المزارعون يشترون الجازولين من السوق الموازي، لتشغيل الآليات تطهير القنوات، ولم يصلنا إلا جالون فقط».
وحتى العام 2020، كانت وزارة الطاقة تخصِّص 40 ألف جالون من الجازولين يومياً لمشروع الجزيرة، لمقابلة احتياجات الآليات الزراعية من الجازولين لتحضير الأرض وتطهير القنوات. وفي أبريل الماضي، أعلن محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى أنّ مشروع الجزيرة، يحتاج لأربعة آلاف جالون من الجازولين لتسيير حركة الآليات الزراعية بالمشروع؛ جلُّها يُوفِّره المزارعون من مواردهم الشحيحة، وفقاً لما أخبر به مزارعون «أتَـر».
وقال مصدر بوحدة ري مشروع الجزيرة لـ «أتَـر»، إنّ الحكومة تمنحهم دفعات من الوقود لحركة الآليات بـ «القَطّارة»، وكشف عن أنهم تلقّوا وعداً في مايو الماضي من الحكومة الاتحادية بتسليم إدارة المشروع 200 ألف جالون من الجازولين للعروة الصيفية، وصل منها 60 ألف جالون فقط حتى وقت حديثه، بينما تبقى لنهاية العروة الصيفية شهر ونصف فقط.
وشكَّل إلغاء الجازولين المدعوم للقطاع الزراعي نقطة تحوّل جذرية في معادلة الإنتاج داخل مشروع الجزيرة، إذ ارتفعت كلفة العمليات التي تعتمد كلياً على الآليات (مثل الحراثة والتسوية وفتح الجداول والحصاد) بنسَب قياسية، ما رفع التكلفة الكلّية للفدان. واضطرّ العديد من صغار المزارعين لتقليص المساحات المستهدفة أو العزوف عن زراعة بعض المحاصيل عالية التكلفة لعدم توفر السيولة الكافية لشراء الوقود بالسعر التجاري.
ولاحقاً أدّى العجز عن توفير الوقود في الوقت المناسب إلى تأخير عمليات التحضير والري، ما انعكس سلباً على إنتاجية الفدان، وتعرّضت المحاصيل للآفات أو العطش. وارتفعت نسبة المخاطرة المالية، وتزايدت المديونيات على المزارعين لمصلحة البنك الزراعي والجهات المموِّلة نتيجة عدم تناسب التكاليف مع عائدات البيع.
ويقول صاحب آلة زراعية بمنطقة طابت بمحلية الحصاحيصا، إنه فور رفع الدعم عن الوقود «لجأنا مجبرين لمضاعفة سعر «حرث الفدان» أو لتغطية تكلفة الجازولين». ويضيف لـ «أتَـر» أنّ هذا «الارتفاع يواجَه غالباً برفض أو عجز من المزارعين، ما يقلِّل عدد ساعات عملنا اليومية وتراجُع الطلب على خدماتنا. وبسبب نقص السيولة لدى المزارعين، نتعرّض لضغوط كبيرة للعمل بنظام الدفع الآجل «بعد الحصاد» وفي ظل التضخّم وتراجُع القيمة الشرائية للعملة، تصبح القيمة الفعلية لأجْرنا عند التحصيل أقل بكثير من وقت تقديم الخدمة».
أما المزارع بمكتب بجيجة بقسم أبو قوتة الزراعي، هيثم فضل السيد الرهيد، فيقول لـ «أتَـر»، إنّ المنطق الذي بنَى عليه وزير المالية قراره أوان ذاك برفع الدعم عن الوقود وبالخصوص الجازولين، كان منفصلاً عن الواقع؛ وأشار إلى أنّ المزارعين هم الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، وأنهم الآن من يتحمّلون الزيادة في الأسعار كاملة.
وقال الرهيد إنه كان الأجدر بالحكومة، إن كانت تستهدف وصول الدعم إلى مستحِقّيه، أن تدعم «منتج الفدان النهائي» أو توفير الوقود عبر الجمعيات التعاونية الزراعية بوقود يجري توزيعه بالرقم الوطني للمزارع وبتقدير المساحة الفعلية، بدلاً من رفع الدعم كلياً وترك المزارع يعاني غلاء التكاليف وحده.
بدَوره يقول الخبير في الاقتصاد الزراعي، والباشمفتش السابق بمشروع الجزيرة، بابكر اللبيب، في حديثه لـ «أتَر»، إنّ قرار إيقاف الجازولين المدعوم بحجّة أنّ «الدعم يذهب لأصحاب الآليات وليس للمزارعين»، يعكس عدم فهم للديناميكية الاقتصادية في الغيط، لأنّ صاحب الآلة لا يتحمل زيادة الأسعار من جيبه، إنما ينقل التكلفة بالكامل وبنحوٍ مُباشر إلى المُزارع عن طريق رفع أسعار تحضير الأرض والحصاد، وهو ما يحدث منذ عام 2021. وقال إنّ الزراعة في مشروع الجزيرة تعتمد كلياً على الآلات في أغلب المراحل، وإنّ إلغاء دعم الجازولين يعني تضاعف أسعار عمليات التحضير التي ترتفع فوراً لأنّ صاحب التراكتور يحسب لتر الجازولين بالسعر التجاري.
ويلفت إلى بُعد آخر مُهمّ قائلاً: «على الرغم من أنّ المشروع يعتمد على الري الانسيابي، إلا أنّ أجزاء واسعة، خاصة عند نهايات الترع، تعتمد على طلمبات الشفط التي تعمل بالجازولين لسحب المياه عند انخفاض المناسيب، وإيقاف الدعم جعَل عملية «ري الإنعاش» للمحاصيل مكلفة جداً، ما أدّى إلى تعرّض المحاصيل للتعطيش والذبول في فترات حرجة، لافتاً إلى أنه بسبب نقص السيولة النقدية لشراء الوقود بالسعر التجاري، اضطرّ العديد من المزارعين لزراعة نصف مساحة حوّاشاتهم فقط أو تركها بوراً، وأنّ تأخُّر المُزارع في توفير الوقود للآليات يعني التأخّر في الزراعة أو الحصاد، ما يعرّض المحصول للتلف أو تدنّي الجودة (مثل تلف القمح بسبب حرارة الصيف أو تلف القطن بالأمطار)، ولمواجهة تكاليف الوقود العالية للآليات، يضطرّ المزارعون للاستدانة أو بيع المحصول للتجّار مقدّماً بأسعار زهيدة.
ويدعو اللبيب إلى ضرورة اعتماد حصص وقود مخصّصة ومراقبة لآليات التحضير الزراعي بسعر مخصّص، بجانب إدراج تكلفة التحضير ضمن حزم التمويل الأصغر عبر البنك الزراعي أو المَحافظ المُخصَّصة، لتفادي الإرهاق النقدي المباشر للمُزارع؛ فضلاً عن تشجيع الجمعيات الزراعية على إدارة وامتلاك الآليات جماعياً لتخفيض تكاليف الصيانة والوساطة التجارية.
في النيل الأبيض
تشهد أسواق ولاية النيل الأبيض ارتفاعاً في أسعار عدد من المحاصيل الزراعية وسط شكاوى من التجّار والمستهلكين هذا الموسم، بينما يعزو مزارعون الزيادة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج والوقود ومدخلات الزراعة إلى جانب زيادة تكلفة الترحيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق. ورغم خفض سعر جالون الجازولين بالنيل الأبيض خلال الأيام الماضية، لكنه لم يؤثر على أسعار المحاصيل والخضروات في الولاية.
يقول تاجر الخضروات بمدينة الدويم، محمد عوض، إنه تخلّى عن زراعة القمح منذ أكثر من خمسة مواسم بسبب ارتفاع أسعار الوقود واتجه إلى زراعة الخضروات. وأضاف في حديثه لـ «أتَـر»، أن محصولَي الطماطم والأسود يُعدّان من الخضروات الشتوية، لذلك ترتبط أسباب ندرتهما بزراعتهما في البيوت المحمية، بينما تعود ندرة البطاطس إلى ظروف الحرب، إذ كانت تُخزَّن في الثلاجات.
ويشير عوض إلى أنّ بقية الخضروات محلية، وأن سبب شحِّها يعود إلى تعاقب الموسمين الصيفي والشتوي ونزول النيل وارتفاع منسوبه، وقال إنّ السبب المباشر في ارتفاع أسعارها هو زيادة تكلفة الصرف على عمليات الحرث والتجهيز والتواريب والجازولين، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الحشرية.
ويقول إنّ سعر صفيحة الطماطم ارتفع من 40 ألفاً إلى 200 ألف جنيه، بينما سجّل سعر جوال الأسود زنة 15 كيلو 30 ألف جنيه بدلاً عن 10 آلاف جنيه، أما البطاطس فارتفع سعر جوالها زنة 50 كيلو من 100 ألف جنيه إلى 240 ألف جنيه سوداني.
وعن انخفاض أسعار الجازولين في النيل الأبيض، يقول عوض إنّ ذلك لم يساعد في خفض أسعار الخضروات؛ بسبب ارتفاع الجبايات في مدينة الدويم، ما أدى إلى عزوف أصحاب الناقلات عن الحضور إلى الدويم خاصة عبر إستاد الدويم والكوبري، حيث تصل تعرفة عبور الخضروات إلى مليون ونصف المليون جنيه للشاحنة أو السيارة.
أما المُزارع بولاية النيل الأبيض، الحاج النور، فيقول إنّ أسباب ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية تعود إلى ضعف الإنتاج هذا العام وانعدام المخزون الكافي، مشيراً إلى أن الكميات الموجودة في الأسواق خلال الفترة الأخيرة تراجعت وأصبحت مناطق عدة في البلاد تتَّجه إلى كوستي وشمال كردفان وجنوب السودان للحصول على المحاصيل، ما أدّى إلى شحّ بعض المحاصيل والخضروات.
ويشير النور، في حديثه لـ «أتَـر»، إلى أنّ الثروة الحيوانية أثّرت أيضاً على الموسم الزراعي إذ تحتاج إلى الأعلاف، لافتاً إلى أنّ ارتفاع أسعار البذور والوقود والأسمدة أثَّر أيضاً على الإنتاج الزراعي. ويوضح أن المزارعين كانوا يعتمدون على التقاوي التي ارتفعت أسعارها على نحو بالغ إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود الذي يُستخدم في تشغيل الطلمبات والآليات الزراعية وتحسين الإنتاج ما أدى إلى انخفاض الإنتاج.
ويضيف أنّ انخفاض سعر جالون الجازولين في الولاية خلال الأيام الماضية لم ينعكس على تكاليف الإنتاج، موضحاً أنّ سعر الجالون وصل إلى 43 ألف جنيه، وأنّ المشروع يستهلك نحو جالون واحد لكل فدان، بينما يحتاج مشروع بمساحة ألف فدان إلى نحو ألف جالون من الجازولين. أما في الزراعة المطرية فتقدَّر المساحة المزروعة بنحو مليونين و550 ألف فدان، وتستهلك نحو مليونين و500 ألف جالون من الجازولين لأغراض الزراعة.
وقال إنّ الظروف التي مرّ بها المزارعون منذ اندلاع الحرب جعلت من الصعب عليهم الاحتفاظ بمحاصيلهم بعد الحصاد، إذ يشتري منهم التجّار معظمَها مباشرة ويخزنونها، ما يمنحهم قدرة أكبر على التحكم في أسعارها بالأسواق.
ويوضح أنّ هناك محاصيل لا يمكن تخزينها مثل الخضروات، نظراً إلى كونها موسمية وتحتاج زراعتها إلى المياه باستمرار، ويتطلّب ذلك تشغيل طلمبات المياه التي تعتمد على الوقود، مشيراً إلى أنّ ارتفاع تكلفة الوقود أدى أيضاً إلى زيادة تكلفة ترحيل الخضروات.
ويضيف أنّ ارتفاع درجات الحرارة يجعل زراعة الطماطم غير ممكنة في مناطق محدّدة ولا يمكن زراعتها في أي مزرعة، ما يُقلِّل نسبة إنتاجها ويسبب شُحّها في الأسواق. ويشير إلى أنّ أسعار الوقود والأسمدة والمُبيدات والبذور ارتفعت على نحو بالغ، مُبيّناً أن أسعار بعض المدخلات الزراعية زادت ثلاثة أضعاف مُقارنةً بالعام الماضي، إذ ارتفع سعر جوال السماد من 150 ألفاً إلى 250 ألف جنيه، وسعر المبيد من مليونين ونصف المليون إلى خمسة ملايين جنيه، بينما ارتفعت تكلفة التقاوي من مليون و200 ألف إلى ثلاثة ملايين و200 ألف جنيه.
وتعزو المهندسة الزراعية نشوى عثمان، أسباب ارتفاع أسعار المحاصيل والخضروات الزراعية في النيل الأبيض إلى ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج على نحو غير مسبوق، ما أجبر المزارعين على رفع أسعار بيع المحاصيل لتغطية التكلفة وتحقيق هامش ربح قليل يضمن استمرارهم.
وتضيف نشوى في حديثها لـ «أتر» أنّ السبب الثاني يتمثّل في انخفاض المعروض، موضحةً أنّ عجز بعض المزارعين عن تغطية التكاليف المُرتفعة ونقص التمويل أدَّيَا إلى تقليص المساحات المزروعة أو خروج بعض المشاريع عن الخدمة، ما أدَّى إلى نقص الكميات المعروضة في الأسواق، وشكّل ضغطاً إضافياً دفع الأسعار إلى الارتفاع.
وتشير إلى تأثير الوقود «الجازولين»، موضحةً أن ارتفاع أسعاره يؤثّر على أسعار المحاصيل والخضروات في المشاريع المَرْوية بالطلمبات، وكذلك في المشاريع المَطَرية، خاصة في عمليات تجهيز الأرض والترحيل.
وتقول إنّ تذبذب أسعار الوقود يؤثّر مباشرة على ارتفاع أسعار المحاصيل ونقصها في الولاية، مضيفةً أن الوقود ليس السبب الوحيد، إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها نقص الأسمدة وصعوبة التمويل وتراجُع المساحات المزروعة. وتوضح أنّ الزراعة نفسها تعتمد بشدة على الوقود، فالجرّارات تحتاج إلى الديزل لحرث الأرض وتجهيزها، كما تحتاج مضخّات الري إلى الوقود، إضافة إلى الحصادات والآليات الزراعية الأخرى. وتلفت إلى أنه مع ارتفاع سعر الجازولين ترتفع تكلفة زراعة الفدان على المزارع، ما يضطرّه إلى تقليل المساحة المزروعة، في ظلّ ارتفاع تكلفة الحرث والري والحصاد.
وتشير نشوى إلى أنّ بعض المزارعين يلجأون إلى زراعة مساحات أقلّ أو ترك جزء من الأراضي دون زراعة، ما يؤدّي إلى انخفاض كمية المحاصيل المعروضة في الأسواق؛ إلى جانب ارتفاع تكلفة نقل المحاصيل بعد الحصاد، موضحة أن المحصول يحتاج إلى شاحنات لنقله من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، ومع ارتفاع سعر الجازولين ترتفع تكلفة النقل، ما يدفع التاجر إلى إضافة هذه التكلفة إلى سعر المحصول.
في القضارف
لكونها حاضرة الولاية، يقع على مدينة القضارف العبء الأكبر في توفير وقود الجازولين للمزارعين بالكميات المحدّدة واللازمة لإكمال عمليات التحضير الزراعي (مَطَري ومَرْوي)، بحساب المساحات المُدرَجة للموسم، ليُحدّد ذلك لاحقاً المُنتَج من المحاصيل.
وحتى العام 2020، اتّسمت عملية توفير الجاز الزراعي وتوزيعه على المزارعين، بآلية مضبوطة ودقيقة بتنسيق بين الحكومة ممثلة في وزارة الطاقة المعنية بتوفير الوقود للزراعة الآلية، وحصر المساحات الزراعية المحدّدة للموسم، والبنك الزراعي السوداني الذي كان يُعنى بتمويل المزارعين بمطلوبات الزراعة خلال عمليات التحضير.
تضمّنت هذه الآلية وصول وقود الجازولين إلى المُزارع في الوقت المطلوب لعمليات التحضير من تشغيل الآليات الزراعية والحراثة وبسعر مدعوم من الحكومة – معفى من الضرائب الحكومية – ومهمّ لنجاح الموسم الزراعي والإيفاء بتوفير المحصول حسبما خُطط له.
يقول المزارع أحمد الناجي من منطقة بازورة بالولاية، إنّ توقيت توفير الجازولين في الوقت المناسب يُحدّد مدى نجاح وكفاءة العمليات الزراعية؛ فالزراعة مواقيت وجداول زمنية محدّدة، وتأخير أي عملية من الموعد المحدّد يؤثر سلباً على الناتج في المحصول، لتقع الخسارة على المُزارع. ومن جانب آخر، تقع على المُزارع أعباء الترحيل المضاعفة، مع تواصل هطول الأمطار وتقدّم فصل الخريف، بدخول كثير من المناطق في دائرة المناطق المقفولة بفعل الأمطار وصعوبة التواصل مع المدينة لتعسّر حركة سير مركبات الشحن.
يضيف الناجي في حديثه لـ «أتَـر»: «في العام السابق، في الفترة بين شهري يونيو وأكتوبر، ومع تواصل هطول الأمطار، ارتفع سعر برميل الجازولين من 650 ألف جنيه سوداني إلى 750 ألف جنيه، ثمّ إلى 900 ألف جنيه، واستقرّ في سعر 1,050 ألف جنيه. وقد تسبّبت الأمطار في الزيادة، وواصل صغار التجار في استغلال حاجة المزارعين لتكملة الموسم الزراعي».
وفي العام الماضي كان إيجار التراكتور لحراثة ساعة الأرض مساحة (5 أفدنة) بسعر 70 ألف جنيه في بداية الموسم، ومع تزايُد سعر برميل الجازولين ارتفعت خلال فترة الخريف إلى 80 ألف جنيه ثم إلى 90 ألف جنيه ليستقر على 120 ألف جنيه إلى نهاية الموسم الزراعي. ومع بداية الموسم الزراعي الحالي، كان سعر برميل الجازولين في المدينة 2.070 مليون جنيه، وكان إيجار الساعة لحراثة الأرض يتراوح بين 190 و200 ألف جنيه، باعتبار أن سعر الجالون 42 ألف جنيه وأنّ البرميل يسع لعبوة 48 جالوناً، أي 200 لتر، إضافة إلى رسوم التصديق، وقد يصل سعر البرميل في بعض المناطق إلى قيمة 2.200 مليون جنيه.
ويحتاج المزارع إلى ما يعادل 12 برميلاً من الجازولين، في اللحظة التي لا تقتضي الضرورة فيها عمل «السّرْوَلة»، وهي عمل الدسكي على الزراعة مرة ثانية بعد الإنبات والوصول إلى عمر ما قبل الإثمار للذرة والدخن، وتُجرَى لتخفيف الزراعة في حال كان الإنبات غزيراً، ويترتّب عليها قتل الحشائش بطريقة غير مباشرة لفائدة الزراعة والتهوية أو في حالة ظهور مرض البودة، فيكتفي المُزارع بعمل السرولة بديلاً لاستخدام المُبيد لمنع البودة ومكافحتها، وهي الطريقة الأقلّ تكلفة، والمتعارف عليها وسط المزارعين.
ويظلّ المزارعون بالقضارف في حالة انتظار حرج، إذ إنّ البنك الزراعي في بعض الحالات لا يفي بالمطلوبات الزراعية للمزارعين في وقتها المحدّد. ومع الوضع في الاعتبار أنّ عامل الزمن أحد العوامل المهمة لنجاح الموسم، فإنّ تأخير مرحلة مُعينة من مراحل التحضير لا يأتي بثمار جيدة بنهاية الموسم، حتى وإن جرى الإنجاز كما هو مُحدّد، وفي أحيان أخرى لا تكون الكميات كما يجب. كما أنّ البنوك التجارية في أغلب الأحيان تلتزم بالوقت في توفير الاحتياجات اللازمة للمزارعين، وبالكميات المطلوبة من وقود الجازولين والمبيدات والآليات وغيرها من اللوازم الزراعية.
في كسلا
في ولاية كسلا، شكا مُزارعون من ارتفاع أسعار الجازولين وتكاليف ترحيله، الأمر الذي يُهدّد الموسم الزراعي في الولاية؛ إذ قفز سعر البرميل إلى نحو مليونَي جنيه، ما دفع كثيراً من المُزارعين إلى العزوف عن الزراعة أو تقليص المساحات المزروعة لتفادي الخسائر.
وقال مُزارعٌ بمنطقة القرقف التابعة لولاية كسلا لـ «أتَـر»، إنّهم كانوا يحصلون على الجازولين المدعوم عبر وزارة الزراعة؛ إذ يتطلّب الأمرُ أن تكون مشاريعهم مسجّلةً ومُعتمَدةً لدى وزارة الزراعة، ويُقدِّم المزارع طلبه لفرع البنك الزراعي، مُوضَّحَاً فيه المساحة والمحصول وطبيعة النشاط الزراعي؛ ليَجري على إثرها تقدير كمية الجاز اللازمة للعمليات الزراعية بناءً على نوع المحصول والآليات المُستخدَمة. وعقب الموافقة على التمويل، يُدرَج الجازولين ضمن احتياجات العملية الزراعية، ويُمنَح المُزارع تصديقاً يُثبت أحقّيّته في الكمية المقرَّرة، ليتوجَّه به إلى الأمن الاقتصادي للتَّدقيق ومنع أي عمليات تهريب أو بيع غير قانوني للوقود، وبعد اعتماده، يتوجّه المُزارع إلى محطة الوقود لصرف حصّته المقرّرة من الجاز.
وقال مُزارع آخر بالمنطقة لـ «أتَـر»، إنّ البنك كان يموِّل العمليات الزراعية؛ إذ يُقدِّم المُزارع ما يُثبت ملكيّته للأرض الزراعية، ومن ثمّ يعتمد البنك نظام تمويل بضمانات، بأن يَرهن المُزارع أيّاً من ممتلكاته «عقاراً أو آليات زراعية»، ويُقيّم البنك قيمة المرهونات بنسبة تصل إلى 70% من قيمتها الأصلية، مع تقديم شيكات ضمان، وهي صيغة كانت تُيسّر شراء مدخلات الإنتاج، بحسب تعبيره. غيرَ أنّ البنك لجأ إلى صيغة «السَّلَم»، وبموجبها يدفع البنك للمُزارع قيمة المحصول مقدّماً؛ لتمويل احتياجاته من التقاوي والأسمدة والوقود والعمالة، على أن يلتزم المُزارع بتسليم كمية محدّدة من المحصول، بالمواصفات المتفق عليها بعد الحصاد. وفي هذا العام قَيم البنك أردب الذُّرة بمبلغ 300 ألف جنيه، ليضطرّ المُزارع إلى شراء الجازولين من السوق في ظِّل الأزمة الحالية. ويُضيف: «إنّ سياسات البنوك التجارية متشدّدة وتَفرض أرباحاً وضمانات قاسية لا تراعي ظروفنا عند وقوع الكوارث أو الأزمات، إنما تُسرع إلى إنفاذ الرهن وعرض ممتلكاتنا للبيع في المزادات العلنية فور انقضاء أجل السداد، مُقارنةً مع البنك الزراعي الذي يراعي الظروف القاهرة، ويُقدِّم لنا تسهيلاتٍ لتأجيل سداد التمويل قد تمتد لسنتين في أوقات الأزمات».



