في سوق الدويم بولاية النيل الأبيض، لا يبدأ يوم بعض الأطفال بجرس المدرسة؛ وإنما بحمل بضائع صغيرة والتجوّل بها تحت الشمس، بين المارّة والعربات، بحثاً عن زبون، وقد تحوّلت الكراتين والجرادل والصناديق والأكياس البلاستيكية إلى أدوات للعمل، بينما تراجعت الكتب والدفاتر إلى هامش يومهم. وبين الضرورة والحقّ تتشكّل يوميات أطفال وجدوا أنفسهم في السوق، في وقت كان يفترض أن يكونوا فيه داخل الفصول الدراسيةً. تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة، وكلّ منهم يحمل سبباً دفعه إلى السوق؛ وحلماً لم يَتخلّ عنه. ها هم يواجهون الشّمس بالضحك؛ ومطاردات المحلية بالهروب إلى حين ثم يعودون إلى السوق لمواصلة البيع.
جلسَت إليهم مراسلة «أتَـر»، وقبل أن تبدأ الحديث معهم، وبينما كانت تراقب حركتهم وأنسهم، سمعَت أحدهم يدندن بأغنية من أغاني قناة «طيور الجنة» الفضائية: «دجاجتي الكبيرة تبيت في الحظيرة، تبيض كلّ يوم بيضة كبيرة». لقد بقيت في أصواتهم نبرة الطفولة، لكنّ تفاصيل يومهم كانت أكبر من أعمارهم.
![]()
يَحكم عمالة الأطفال في السودان قانون العمل وقانون الطفل، إضافة إلى اتفاقية حقوق الطفل، ويعد السودان من أوائل الدول التي صادقت عليها في أغسطس 1990. يَحظر قانون الطفل عمل الأطفال من هم دون سن الرابعة عشرة، ويستثني عمل الأطفال في الرعي والأعمال الزراعية غير الخطرة، أو الضارّة بالصحة، ويحظر استخدام الأطفال في جميع الأعمال الخطرة أو الضارة، لكن لم يُحدِّد القانون ما هي الأعمال بالضبط. حدَّدَ القانون شروط عمل معينة على أن لا يتجاوز عمر الطفل سبع سنوات، وأن لا يعمل أكثر من أربع ساعات متتالية، وحظر عمل الأطفال لساعات إضافية ليلاً، وفي أيام العطل الرسمية.
نجوبُ السوق تحت الشمس
يقول منذر خالد*، البالغ من العمر عشر سنوات، لمراسلة «أتَـر»، إنه ترك المدرسة بعد إكمال الصف الثالث: « قرّرت أن أعمل في السوق، بسبب الظروف الصعبة في البلد والبيت».
داخل كرتونة صغيرة يضع منذر بضاعته، ويحملها جائلاً بها بين المارّة والعربات بحثاً عن رزقه. بدأ منذر عمله برأس مال ألف جنيه، وكان يغيِّر الأشياء التي يبيعها من وقت إلى آخر: «اشتريت في البداية أكياساً وبعتها، ثمّ بدأت أبيع معجون الأسنان وصابون الغسيل، والآن أبيع المشابك والحبال لنشر الغسيل».
لكنّ العمل في السوق لا يخلو من المطاردات: «يطاردنا أفراد المحلية ويطلبون منا مغادرة السوق، ما يجعلنا نبيع أحياناً داخل العيادات الطبية، لكنّنا نُطرد منها أيضاً؛ لأنّ البيع يكثر في المكان، ووجودنا يسبّب زحمة. كذلك نبحث عن رزقنا أحياناً بين العربات السفرية والناس في الشارع».
يقول منذر إنه يكسب ما يكفي قوت اليوم دون احتساب رأس المال، وإنه أجّل سنة دراسية حتى يجمع المال ويسجّل في مدرسة خاصة: «بعد أن أجمع المال سوف أفتح طبلية أمام البيت لكي أستطيع مواصلة تعليمي، وأحلم بأن أصبح محاسباً. لكنني لا أعرف لماذا تعتبرنا المحلية مشكلة؛ فنحن نبيع بأيدينا ونجوب السوق تحت الشمس. عندما أراهم أنادي بقية الأطفال ونهرب».
سأكمل الدراسة من أجل أمّي
يبلغ أسامة الأمين* خمس عشرة سنة. ها هو يحمل جردلاً بلاستيكياً صغيراً بداخله أكواب شاي ومصافي وملاعق، ومنه يكسب رزقه. يقول أسامة لمراسلة «أتَـر»: «تركتُ المدرسة لأنّ والدي توفي وتعيَّن عليّ أن أعمل. والدتي تعمل أيضاً، وأنا وهي نوفّر احتياجاتنا».
تُعارض والدته عمله وتطالبه بإكمال تعليمه: «أمّي تقول لي دائماً: لازم تدرس عشان تنفع نفسك وبلدك. وكنت أقول لها: يا أمّي البلد دي نفعتني بشنو؟ فتقول لي: بلدك هي الأرض التي تعيش فيها. والله ما كنت أفهم كلامها، لكنني حتماً سأكمل الدراسة من أجل أمّي. أريد أن أدرس الحاسوب، وأن أصبح تاجراً في السوق أيضاً».
واجهْنا مصيرْنا بدري
في الحادية عشرة من عمره، يطوف سالم برعي* ببضاعته في سوق الدويم. يقول لمراسلة «أتَـر» إنّه اضطرّ لدخول السوق بعد انفصال والديه وزواج والده من أخرى: «اخترتُ طريق السوق حتى أساعد أمي في تربية شقيقيّ الاثنين. أمي تعمل أيضاً في الغسيل والكي».
يحمل بيده بعض سمّاعات الأذن وشواحن الهواتف، وبيده الأخرى ستيكرات وذواكر، يكسب منها رزق اليوم له ولأسرته. يقول: «الحمد لله ساكنين مع جدّتي أمّ أمي، وليس علينا دفع إيجار بيت، ودِي أحلى حاجة».
يجيد سالم القراءة والكتابة، ويساعد بعضَ الناس في السوق أحياناً بقراءة قوائم المشتريات أو العناوين، وقد يعطيه أحدهم هاتفه ليبحث له عن اسم في القائمة ويتصل بصاحبه. ويتحسّر سالم عندما ينظر إليه التلاميذ في مثل عمره، وهم عائدون من المدرسة إلى البيت: «إنهم ينظرون إلينا كأننا شيء سيئ. بصراحة دي أكتر حاجة بتحرجني، لأن أشكالنا وملابسنا ما حلوة. لكن نحن واجَهْنا مصيرنا بدري، ودخلنا السوق عيونا فاتحة».
يحلم سالم بأن يصبح تاجر سيارات.
تحفزني كرتونة الدواء هذه
سوف أصبح صيدلانياً عندما تتحسّن ظروفنا مستقبلاً
يبلغ حسام سعيد* ثلاث عشرة سنة. يحمل كرتونة عليها ماركة إحدى شركات الأدوية، وبداخلها كريمات مختلفة وحنة الرسم، ويتجول بها بين ممرّات السوق ليكسب رزقاً يساعده على مواجهة ظروفه. يقول لمراسلة «أتَـر» إن ما دفعه للعمل هو رغبته في تحسين حياة أسرته الريفية، إذ إنّ والده يعمل مزارعاً. يقول حسام لمراسلة «أتَـر»: «الزراعة موسميّة، ومع انقضاء الموسم الزراعي يصبح المنزل جافاً من الأكل، لذلك قرّرت أن أعمل».
ولذلك يتغيّب حسام من المدرسة ليأتي إلى سوق الدويم. يأتي إلى السوق يومياً من منطقة مجاورة برفقة جاره على حمار لبيع اللبن، في رحلة تستغرق ساعة، وأحياناً ينقله بعض السائقين بسياراتهم ليصل إلى السوق.
يُمضي حسام يومه بين عرض الكريمات، وحنة الرسم وانتظار الزبائن، وبينما يبيع بضاعته لا يغيب التعليم عن طموحه، وكلّ صباح يواظب على قراءة اللافتات وكلّ مكتوب تقع عليه عيناه. ومشيراً إلى كرتونته يقول: «تحفزني كرتونة الدواء هذه، وتعطيني دافعاً قوياً: سوف أصبح صيدلانياً عندما تتحسّن ظروفنا مستقبلاً».
مُصِرّ على مساعدة الأسرة
يبلغ يحيى عزّ الدين* اثنتي عشرة سنة. التقت به مراسلة «أتَـر» وهو يدفع درداقته بيديه، ويبيع عليها مجموعة من الأدوات. يقول: «أبيع الكَشَب ومجموعة من الأدوات مثل أمشاط التسريح وأمواس الحلاقة والمرايا والشرابات والباندات والشرائط للفتيات».
وعندما لا يتوفّر له رأس مال، يبحث يحيى عن عمل آخر، فيوصل جوالات البن والشاي من المخازن إلى دكاكين الجملة، أو يساعد بعض النساء المسنّات في حمل الأكياس إلى المواصلات مقابل ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه.
أسرة يحيى معترضة على دخوله السوق وتركه المدرسة، ويقول إنّ والده كان من أكبر المعارضين لعمله، لكنه أصرّ على مساعدة الأسرة. وهو يتمنّى مواصلة الدراسة والتخرج من كلية القانون.
لا أخاف من أدوات عملي
يحمل التجاني بشير*، وهو عامل ورنيش يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، كيساً بلاستيكياً بداخله أدوات عمله من طلاء ولمّاع وألوان وخيوط وإبر وشفرات. يخبر مراسلة «أتَـر» بأنه لا يخاف من تلك الأدوات الحادة، فهو يحذق استعمالها.
في كلّ صباح يحمل كيسَه بيده اليسرى ويحمل باليمنى كشكوشاً يُصدِر به دندنات تعلن بدء عمل «سيد الورنيش»، وكلّ من يريد أن يخيط أو يلمع حذاءه يطلبه عند سماع رنة الكشكوش.
لم يدخل التجاني المدرسة، وكان يتعلّم في الخلوة القرآن والأحاديث النبوية. يقول إنّ بيئته صغيرة ومحدودة وإنّ هدف أسرته كان تعليم القرآن ثم البحث عن الرزق. يقول: «لو كنت دخلت المدرسة كنت سأدرس السياسة حتى أصبح شخصاً صاحب سلطة ورأي».
يتخيّل التجاني نفسَه رجل أعمال في يوم من الأيام.
أرشّ عطري في الهواء
بدأ حبّي للرسم منذ وقت مبكر. زمان رسمت بيتنا، وكمان حديقة قدّام البيت، وفي رمضان أنا البعمل مكان الإفطار في الشارع عشان بكون منظم بطريقة جميلة.
أما تاجر العطور الصغير، ياسر خليفة*، وهو في الحادية عشرة من عمره، فيحمل صندوقاً خشبياً يضع عليه عبوات العطور الزيتية الصغيرة والعطور التركيبة ويتجوّل به داخل السوق بحثا عن الزبائن. يخبر ياسر مراسلة «أتَـر» بأنه يستخدم طرقاً مختلفة لجذب الزبون وإقناعه بالشراء: «أحياناً أبدأ بالدعاء فيردّد الزبون: آمين، وأثناء ذلك يُخرج المال من جيبه لشراء العطر. وأحياناً أجلس وسط الناس بغرض الاستراحة ومراجعة العطور لترتيبها وعرضها بطريقة لافتة، وأثناء جلستي أرشّ من العطر في الهواء فينتبه الموجودون ويبدأون بالسؤال عن السعر».
يقول ياسر إنّ بعض الزبائن يشترون منه بدافع الشفقة، ويقدّمون له في الوقت ذاته نصائح بالاهتمام بنفسه والابتعاد عن المشكلات وإكمال تعليمه: «السوق علّمني حاجات كثيرة غير البيع؛ علّمني الصدق والأمانة، وكمان علّمني الصلاة».
عند حلول وقت الصلاة يجلس ياسر ورفاقه الصّغار تحت شجرة النيم القريبة من الجامع، وعندما ينادي المؤذن: الله أكبر، يتركون حاجاتهم ويذهبون للوضوء والصلاة.
يحبّ ياسر الرسم: «بدأ حبّي للرسم منذ وقت مبكر. زمان رسمت بيتنا، وكمان حديقة قدّام البيت، وفي رمضان أنا البعمل مكان الإفطار في الشارع عشان بكون منظم بطريقة جميلة».
ويقول إنّ الظروف الصعبة هي ما دفعه إلى السوق: «قلنا نساعد أهل البيت. الحمد لله أبوي عايش، ويعمل في بيع المياه، وقرّرت أساعده بدل أن أجلس في البيت».
يحلم ياسر بأن يصبح مهندساً.
تشغيل الأطفال القصّر ممنوع
يقول شيخ سوق الدويم، أمير زهران، لـ «أتَـر»: «إنّنا في السوق نمنع تشغيل الأطفال القصّر. أما الذين تطاردهم المحلية داخل السوق فهُم من يتعاطون السلسيون والنوكرين، وإنّ ذلك يقود أحياناً إلى مشاجرات وإصابات». ويضيف: «إنّ مسؤولية السوق تجاه أيّ طفل يمارس نشاطاً تجارياً، تبدأ بمعرفة الظروف التي دفعته إلى العمل ومحاولة حلّها».
ولاحَظ شيخ السوق أنّ وجود الأطفال العاملين يقلّ مع استمرار العام الدراسي، مؤكّداً: «إذا وجدنا طفلاً يعمل في السوق، فإننا نحاول معرفة الأسباب التي دفعته إلى ذلك، ونعمل على إرجاعه إلى المدرسة».
مكانهم في الفصول بين الكتب
تخبر الأستاذة هندة محمد إبراهيم، معلّمة بمدرسة النهضة الأساسية بنين بالدويم، مراسلة «أتَـر»، بأنّ عدداً من الأطفال تغيّبوا عن الدراسة مع بداية العام بسبب ظروف مختلفة، مشيرة إلى أنّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحرب أسهمت في ابتعادهم عن التعليم. وتوضح أن غالبية الذين تركوا المدرسة كانوا من الطلاب المميّزين والمتفوّقين وكانوا يشاركون في المنافسات والأنشطة الرياضية. وتقول الأستاذة هندة: «إن عمل هؤلاء الأطفال في السوق يحمّلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم. ومكانتهم ليس السوق، وإنما الفصول وبين الكتب».
وتؤكّد أنّ الأساتذة على استعداد لاستيعاب أي طالب يعود إلى المدرسة، ومساعدته مادياً حتى يتمكّن من مواصلة تعليمه.



