أتر

بطلة النُّظم الزراعيّة والغذائيّة والتنمية الريفيّة بسمات سليمان: بالزراعة تَلقى مُرادك والفي نِيتك

تصحو الأرض كلَّ صباح على وقعِ أيدٍ تعرف أسرارها؛ تشقُّ التربة، وتزرعها. وفي المشاريع الزراعية، تظهر حكايات تصنع الغذاء من لغة الأرض. وبين مواسم الزرع والحصاد، اختارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) المزارعة بسمات سليمان مرسال خليل، ضمن قائمة أول 100 امرأة بطلة في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية على مستوى العالم؛ تقديراً لإسهاماتها في خدمة المجتمعات الريفية، ودعم التنمية الزراعية، وتمكين المنتجين، وحماية الموارد الطبيعية. وجاء هذا الاختيار من بين أكثر من 600 مرشّحة من 131 دولة.

الدُّنيا ما زالت بخير

تُعرِّفُ المُزارعة بسمات سليمان مُرسال خليل نفسها لـ «أتَـر» بـ: «أنا من ولاية سنار، محلية شرق سنار، قرية حلمي عباس. أمتهن الزراعة منذ زمن طويل، ومُذ وَعيتُ وجدتُ نفسي مهتمّةً بالزراعة، والدي ووالدتي مزارعان، ويمتلك والدي مساحات واسعة من الأراضي المطَرية والمرْوية. وفي صغرنا كان والدي يصطحبنا معه إلى المشاريع، وبينما هو يضرب الأرض باحثاً عن ثمارها، كنا نلعب بجانبه، ولم يكن يُثقِل علينا بالعمل، إنما كان يحثّنا دائماً على التركيز في تعليمنا».

بعد أن أكملَت بسمات المرحلة الثانوية، تفرَّغَت للزراعة؛ فهي المهنة التي أحبَّتها، إلى جانب العمل العام والخيري في أوساط النساء. تقول بسمات: «بدأت مسيرتي عام 1989، بتأسيس جمعية نسوية خيرية تهدف إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، وقد لقيَت قبولاً واسعاً؛ إذ تكاتفت جهودنا وشكَّلْنا مكتباً تنفيذياً، وسجَّلنا الجمعية في وزارة الرعاية الاجتماعية، واعتمدنا في تمويل أنشطتها على اشتراكات رمزية ودعم المجتمع المحلي، ونظَّمْنا أسابيع ثقافية ومعارض لتمويل الأنشطة».

هدفت الجمعية النسوية الخيرية إلى إبراز قدرات المرأة المنتجة، وبثِّ الثقةِ في نفوسهنّ لتنمية ذواتهن وبناء أسرٍ كريمة. تكفلت الجمعية بتعليم عدد من الطالبات اليتيمات، ودفعَت رسومهنّ الدراسية، وكانت بسمات تتولّى تسليم الرسوم إلى المعلّمين؛ حتى صاروا يوجّهون إليها مَن يتعثّر من الطلاب والطالبات في دفع الرسوم. كذلك عملت الجمعية على مساعدة المرضى المُتعسّرين عن الدفع في المستشفيات والوقوف إلى جانبهم، وكانت تشتري محاصيل الذرة وتوزّعها على الأسر الفقيرة والعاجزة التي لا مُعيل لها. عندما تتذكّر بسمات أيام عملها في الجمعية، تشكر العناية الإلهية التي يسّرت لهم الأمور، وتقول: «أنا مؤمنة بهذا العمل، وأجد فيه راحة كبيرة وسعادة غامرة في مسار العمل الطوعي».

لاحقاً، بدأَت بسمات رحلةً أخرى في مجال حماية البيئة، فقادت جمعية حماية البيئة بقريتها، وعملت بتنسيق مباشر مع الجهات المختصة. وعن ما تُحْدثه المبادرة الفردية من أثر فارق في تعضيد العمل الجماعي، تقول بسمات لـ «أتَـر»: «لقد حَظيَت جمعية حماية البيئة بدعم مُقدّر من رجب يعقوب عبد الله، المترجم بالسفارة القطرية، الذي زوّدَنا بالمعلومات والمَجلات البيئية المُتخصّصة، والوسائل اللازمة لإنجاز عملنا على أكمل وجه، خاصة في احتفالات يوم البيئة العالمي؛ إذ ساعدَنا في توفير عدد كبير من الشتول لتجميل الشوارع والمنازل. ومن أبرز مشاركاتنا في يوم البيئة العالمي في أحد الأعوام، أننا غرسنا أكثر من 300 شجرة مثمرة وزّعناها على المنازل، وقد استفاد منها سكّان القرية بنحوٍ مباشر».

كنتُ أشرف على البرامج الصحية الصيفية لطلاب الجامعات والخريجين، وأتولّى متابعة ميزانياتهم، وتوفير سكنهم وضيافتهم، حتى لو تطلب الأمر الإنفاق من مالي الخاص

وثّقَت بسمات عملها في أسطوانات مدمجة (CDs)، تضمّنت شهادات الدورات التدريبية الإرشادية والولائية والقومية، إضافةً إلى البرامج التي نفَّذَتْها مع طلاب الجامعات في المجال الصحي: «كنتُ أشرف على البرامج الصحية الصيفية لطلاب الجامعات والخريجين، وأتولّى متابعة ميزانياتهم، وتوفير سكنهم وضيافتهم، حتى لو تطلب الأمر الإنفاق من مالي الخاص». ويحوي أرشيف بسمات سجلّاً حافلاً بتقارير الطلاب الجامعيين عن الأيام الصحّية التي قضوها في مختلف مناطق عمل الجمعية.

وتشارك بسمات بانتظام في الندوات والمنتديات، ولها حضور فاعل في الأوساط الاجتماعية والصحية والزراعية والغذائية. تقول: «أنا فخورة بأن أكون نموذجاً للمرأة السودانية التي تسعى لتقديم العون لبلدها في هذه الظروف الصعبة التي نمرّ بها، والتي تعاني فيها جميع القطاعات. وأجد سعادتي في العمل الخيري، فهو غايتي التي أسعى إليها، وأؤمن بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وأنا بطبعي محبة للخير وأتألم لألم الآخرين، ولا أتردّد في تقديم المساعدة إلى من يحتاجها، فخدمة الناس وقضاياهم -وخاصة المرأة- من أولويات حياتي. وقد كنتُ دائماً أناشد أخواتي النساء وأوجّههن لتكوين جمعيات نسوية؛ فنحن نهتم بشؤون أسرنا، وتعليم أبنائنا، وصحتهم، وكسائهم».

جمعيات زراعية: إيدينا للبلد

بفعل هذا الدافع إلى العمل الخيري، أسَّست بسمات خمس جمعيات زراعية نسوية، تضمّ كلّ منها ثلاثين مزارعة إضافة إلى مجموعة من المزارعين. من هذه الجمعيات، ترأس بسمات جمعية «عدن» القاعدية، وفيها تزرع خمسين فداناً من أرضها، أما بقية المساحة التي تملكها فقد وزّعتها على النساء الأخريات. واتّجهن جميعاً للزراعة على شريط النيل الأزرق بولاية سنار، يدعمن بعضنّ البعض ويقتسمن المساحات بينهنّ ليتمكنَّ من مواجهة متطلبات الحياة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي أحدثتها بعد الحرب.

بعد ذلك ترشحَت بسمات مع المزارعين بالمنطقة في دورة لمهن الإنتاج الزراعي والحيواني، وشاركت فيها مع مجموعة الإنتاج الزراعي والحيواني لكن بعد معاناة كبيرة. وتعزو بسمات ذلك إلى أنّ وجود المرأة العاملة وسط الرجال أمر صعب للغاية. وتُضيف قائلة: «عندما انضممتُ إليهم، شعرت بتوجّسهم وعدم قبولهم بوجود امرأة بينهم في جمعيات مهن الإنتاج الزراعي، وراوَدَتهم أسئلة حول قدرتي على التعامل بنفس كفاءة الرجل في المشروع، وهم لا يعلمون حجم الأعمال الواسعة التي أقوم بها وسط النساء».

عندما عزموا على إعادة بناء القاعدة التنظيمية لجمعية عدن، رشّحها المزارعون والمزارعات لدورةٍ أخرى في رئاسة الجمعية، لثقتهم في نشاطها ومبادئها وأخلاقها، وأُعيد اختيار زملائها للسبب ذاته. خلال مرحلة التكوين، أبدى رؤساء الجمعيات القاعدية، ومن ضمنها جمعية عدن، رغبتهم في أن تتولّى بسمات رئاسة الجمعية النوعية. وتفصّل بسمات قائلةً: «تتكوّن الجمعية النوعية من إحدى عشرة جمعية قاعدية. وهناك أيضاً الجمعية المتخصصة، وتتكوّن من خمس جمعيات نوعية بإجمالي خمس وخمسين جمعية قاعدية. وبحساب متوسّط مائتي عضو لكل جمعية نوعية أو متخصصة، فإنّ القاعدة الجماهيرية واسعة جداً».

وإزاء ترشيحها لرئاسة الجمعية النوعية، تقول بسمات إنها رأت بعض الإشكالات: «لذلك قرَّرتُ دراسة الموقف والجلوس مع كلّ طرف لتوضيح وجهة نظري بعدم رغبتي في هذا الموقع؛ كونه لا يتماشى مع طموحي في التقدّم إلى الأمام، فأكّدوا لي حرصهم على وجودي. وقد عملت لاحقاً على ترشيح شخص كفؤ من قرية مجاورة يملك مؤهلات ممتازة وخبرة في المجال الزراعي، تواصلت معه وأقنعته بالترشّح، واتفقنا على أن يجري الاختيار بالتزكية بدلاً من الانتخاب. وبالفعل، عقدنا اجتماعاً، وجرت العملية بسلاسة وهدوء، وكانت من أكثر الجمعيات استقراراً. وقد بذلتُ جهداً كبيراً في ترتيب دفاتر وملفات الجمعية ومتابعة أعمالها».

المرأة الحديدية

كانت بسمات تخرج للعمل منذ السادسة صباحاً حتى الثامنة مساءً، تتابع الأرض وعمليات الرّي وسير العمل.

تقول بسمات لـ «أتَـر»: «عند انتقالي إلى جمعية «كسّاب» المتخصّصة، كان لا بدّ من اختيار رئيس جديد، فرشّحنا أحد الإخوة لنشاطه وتميّزه ليتولى الرئاسة، وجرى اختياري لمنصب أمين مال للجمعية. في ذلك الموسم زرعنا القطن بدعم من برنامج «سيرڨي»، وضمنتُ ألف مزارع بضمانتي الشخصية، وكان رئيس الجمعية يقول لي إنها مغامرة صعبة، فكنت أردّ عليه بأنّ دَوري في مجتمعي كبير، ومساعدة أهلي واجبة».

كانت بسمات تخرج للعمل منذ السادسة صباحاً حتى الثامنة مساءً، تتابع الأرض وعمليات الرّي وسير العمل. وتمتدح تميّز المفتشين الزراعيين الذي كانوا يعملون معهم من الإدارة العامة للإرشاد الزراعي قائلة: «لقد كان المفتشون يلبّون طلباتنا في أي وقت لخدمة الزراعة. وعندما كنتُ أبحث عن «كراكة» لتطهير قنوات الري، حدّدت موقع العمل، وطلبت من المسؤولين توفير الآليات وفتح القنوات لتوفير المياه، خاصةً وأنّ اليأس قد أصاب المزارعين بسبب نقص المياه وخشوا الوقوع في فخ الديون. بعد فتح القنوات، ضخّت المياه ووصلت إلى مساحة 4050 فداناً، وبفضل الله تجاوزنا ذلك الموسم الصعب بنجاح فاق التوقّعات، واستفاد المزارعون استفادةً كبرى؛ إذ سدّدوا ديونهم وتكاليف الإنتاج، وحقّقوا أرباحاً وفيرة».

مع بداية الموسم الجديد، تسلّمت بسمات مستحقاتها عن زراعتها في الموسم الزراعي الماضي وسُلِّمَت الشيك وسط المزارعين في اجتماعهم ومعه حافز إضافي، وأشادوا بها ولُقِّبت بـ «المرأة الحديدية». تقول: «لم تكن سعادتي بالمال بقدر سعادتي بنجاح المزارعين وتحقيقهم تلك الأرباح التي مكّنتهم من تعليم أبنائهم، وتحسين معيشتهم، وتأمين احتياجاتهم. وبفضل هذا النجاح، جرى ترشيحي من جديد من قِبل المزارعين لقيادة جمعيتنا القاعدية، ولم تتغيّر ثقتهم بي، بل زادت العضوية لتصل إلى 226 فداناً إضافية في جمعية عدن».

في سنةِ الحرب: غابت الدولة وتعاون الناس

في 2023، زرعوا بأيديهم معتمدين على الأدوات التقليدية، وبذلوا جهوداً مضنية في تربة صلبة ومتماسكة، وقد نزح كثيرٌ من المزارعين حينها خوفاً من الحرب، بينما آثر آخرون البقاء مفضّلين الموت في بيوتهم على النزوح. وتُضيف بسمات قائلة: «استقرّ كثير من النازحين في قريتنا والقرى المجاورة لها، لقد اقتربت الحرب منا كثيراً، فبيننا وبين مناطق الصراع نهرٌ، وقد كان سدّاً منيعاً حال دون وصول الدعم السريع إلينا. إنّ هذه الحرب لم تستهدف الجيش السوداني فحسب، إنما امتدّت إلى المجتمع السوداني بأسْره، وسعَت لتدمير بنيته التحتية، فهي حربٌ اقتصادية استهدفت النساء والأطفال والشباب، واستهدفتنا نحن في الصميم».

على الرغم من تلك الصعاب، تصفه بسمات بأنه كان «موسماً مليئاً بالخير والبركة؛ إذ لم نفقد فيه أحداً، ونجا أطفالنا ونساؤنا من كلّ مكروه، كما كان أهل القرية جميعاً يداً واحدة، يتشاركون المأكل ويَطمئنّ بعضهم على بعض». وتمضي في وصف الحال حينها: «في تلك الفترة، ورغم انقطاع التيار الكهربائي، وصعوبة الحصول على المياه مع قُربنا من النيل، وتفشّي مرض الكوليرا في القرى المجاورة، كانت تعمل بالمنطقة ثلاث كرْجَاكات (مضخّات مياه) كانت سبباً في سقايتنا ونجاتنا. ولم نمنع أحداً من أهل القرى المجاورة من الشرب منها، كُنا نتقاسم المياه مع الجميع، وأنعم الله علينا بوفرة في محصول الذرة، فمَدَدنا يد العون للنازحين الذين لجأوا إلينا، وقد استقبلتُ في منزلي خلال الحرب 35 نازحاً من الخرطوم».

في ظل تلك الظروف القاسية التي مرّوا بها، تقول بسمات إنهم تلقوا دعماً من ولاية سنّار، متمثلاً في تقاوي زراعية تسلموها ووزّعوها على أهل القرية والقرى المجاورة: «وقد زرعناها بعزيمة وإصرار رغم جميع التحديات. وبفضل الله، وبدعم منظمة «الفاو» في موسم 2023-2024، كان المحصول وفيراً جداً؛ إذ بلغ إنتاج الفدان الواحد ما بين سبعة إلى ثمانية جوالات».

حاضراً ومُستقبلاً: كيف نزرع؟

عن تمويل عمليات الزراعة في جمعية عدن، تُخبر بسمات «أتَـر» قائلةً: «نعتمد على التمويل الذاتي، ولا نفضِّل التعامل مع البنوك؛ إذ لم يسبق لنا التعامل معها ولن نفعل، فهي إما أن تصادر أرضك أو تسجنك، والتزاماتها تتطلّب سداداً عاجلاً. لذا، ديدنُنا الاعتماد على أنفسنا، فالمحصول الذي نحصده نضعه في المخازن، ونخصّص جزءاً منه للاستهلاك، وجزءاً للتقاوي التي نحتاج إليها في الموسم المقبل، لضمان بداية صحيحة. ذلك لأننا نؤمن بأهمية الزراعة المبكّرة والاجتهاد منذ بداية الخريف، إذ إنّ الموسم الزراعي قصير لا يتجاوز ثلاثة إلى أربعة أشهر؛ لذا ننصح المزارعين بادّخار نصف المحصول للموسم القادم».

وتُضيف بسمات: «نعمل من خلال الجمعيات حالياً على التعاقد مع الشركات في القطاعين المرْوي والمطَري. وفي القطاع المطري، عقدنا شراكة مع شركة «واس» في يوليو الماضي، وذلك لزراعة 2000 فدان لإنتاج تقاوي الذرة، وقد وضعنا لها مخطّطاً دقيقاً نعمل بموجبه على زراعة التقاوي في مناطق بعيدة ومعزولة لتجنّب الآفات والمشكلات الزراعية، ولضمان حماية المحصول ونجاحه، ونتطلّع إلى المستقبل. بدأنا بزراعة ألفَي فدان، وحالياً نملك 11 ألف فدان، لكن طموحنا يتجاوز ذلك بكثير. وقد بذلت وزارة الزراعة والولاية جهوداً مقدّرة لتطهير الترع وقنوات الري، ما أراح المزارعين كثيراً. وزراعتنا تسير على ما يرام في هذا الموسم».

ننهض بالعلم والمعرفة

لا أتمنى أن نعتمد على المساعدات، فنحن قادرون على الإنتاج متى تلقينا الدعم المعرفي والأفكار والوسائل التطبيقية.

تقول بسمات في حديثها لـ «أتَـر»، إنّ الجمعيات والمبادرات الزراعية توفر للمزارعات والمزارعين الأدوات اللازمة لتحقيق الهدف؛ وبدلاً من الاعتماد على الإعانات، ترى أنهم يستطيعون حماية البلاد من الجوع وتحقيق الاكتفاء الذاتي: «ورغم تقديري لكلّ جهد يُبذل، إلا أنني لا أتمنى أن نعتمد على المساعدات، فنحن قادرون على الإنتاج متى تلقينا الدعم المعرفي والأفكار والوسائل التطبيقية».

وتمضي في تفصيل ذلك إلى مداه الأقصى: «بوسعنا النهوض ببلدنا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء عبر العمل الجادّ. ولا ينبغي للمرأة أن تترك هذا العبء للرجل وحده، فمن كانت لديها وظيفة فلتتقن أداءها، ومن كانت لديها أرض فلتزرعها ولتعتنِ بها. نحن نمتلك أراضي خصبة، ومساحات شاسعة صالحة للزراعة المطَرية والمرْوية والبستانية، وما علينا إلا نبذ الكسل والبدء بالعمل؛ فإذا استنهضَت كلّ امرأة هِمّتها لتعمل في أرضها هذا الموسم، سنغيّر واقعنا نحو الأفضل في وقت قصير، وننتقل من الفقر إلى الرخاء. وينبغي أن يتجاوز طموحنا ذواتنا ليشمل أسَرنا وشعبنا، وآمل أن نكون كسودانيات نموذجاً يُحتذى به عالمياً في الاهتمام بالزراعة والتعليم والصحة. إن أراضينا الغنية تُهدَر بينما يطمع الآخرون في خيراتنا ومياهنا. وإذا نجحنا في إشراك نسبة من النساء في الزراعة هذا الموسم، ورفعنا هذه النسبة تدريجياً في المواسم القادمة، سنحقّق نهضة حقيقية. وأدعو إلى توجيه الجهود لدعم العلماء وتطبيق نظرياتهم الزراعية؛ فبالتعاون معهم سنحقّق أهدافنا. نحن لا نسعى للاحتكار، إنما نهدف إلى وضع خطة زمنية واضحة وموحّدة، تضمن توفير التقاوي والمدخلات الزراعية لكلّ مزارع، وتدريب الجميع على الطرق الحديثة لزيادة الإنتاج والإنتاجية، بما يكفل لكلّ أسرة الاعتماد على نفسها. وأنا على يقين بأن صغار المزارعين الذين يملكون مساحات تتراوح بين 10 و15 فداناً، كما هو الحال في جمعيتي، هم ركيزة أساسية للإنتاج؛ فهذه المساحة ليست صغيرة، إنما هي وحدة إنتاجية قادرة على إحداث فرق كبير».

تروي بسمات لـ «أتَـر»، أن مزارعاً حدَّثها عن واقعة جرت بينه ومزارع مصري في أحد المشاريع الزراعية بمصر؛ إذ سأله المصري عن مساحة أرضه، فأجابه بأنه يملك عشرة أفدنة، فاستغرب المصري قائلاً: «أنا لا أملك سوى فدانٍ واحد، وأنت تمتلك عشرة وتأتي إلى هنا؟». وتُضيف: «هذا الموقف يدعونا لمراجعة أنفسنا، والعمل بصدق على النهوض بالسودان والتمسك بأرضنا ومواردنا المائية».

وتُخبر بسمات: «حصولي على الجائزة أمرٌ يبعث على التقدير، بخاصة في هذا الوقت الذي فقدَت فيه المرأة السودانية الكثير؛ أحبتنا ومنازلنا وأموالنا. إننا نرى أسَراً كانت تنعم بحياة مستقرة، باتت اليوم تعيش ظروفاً قاسية. آمل أن تكون هذه الجائزة سبباً لانتصار قريب يعيد إلى الأطفال والنساء والرجال السعادة، وإلى السودان استقراره وعافيته، والسودان غالٍ علينا».

Scroll to Top