الكرمك وقيسان نزوحٌ مُتزايدٌ ومُعاناة تتضاعف
مراسل أتر
مع استمرار المعارك بين قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال، بمواقع واسعة في محافظتي الكرمك وقيسان الحدوديتين، بإقليم النيل الأزرق، تشهد المنطقة حركة نزوح واسعة، بموجات متسارعة وغير مسبوقة جراء تدهور الأوضاع الأمنية، فراراً من النزاع الدائر. وأجبرت وتيرة الصراع المتصاعدة عشرات الآلاف من الأسر على الفرار نحو مناطق ود الماحي، والدمازين، والروصيرص، وباو، وسط ظروف معيشية وصحية بالغة القسوة، يفاقمها هطول الأمطار الموسمية وانعدام الخدمات الأساسية.
وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 1690 شخصاً إضافياً من ثلاث قرى في محافظة الكرمك، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة. وأوضحت المنظمة أنّ النازحين توجهوا إلى محافظة باو، مؤكدةً أن الوضع لا يزال متوتراً ومتقلباً، وذلك بعد أيام من نزوح 3 آلاف شخص من ثلاث قرى في الكرمك نتيجة انعدام الأمن.
وقالت مسؤولة الاتصال الخارجي بمجلس تنسيق غرف طوارئ النيل الأزرق، هويدا من الله، لـ «أتَـر»، إنّ فريقاً من المجلس، أجرى تحديثاً ميدانياً عبر جولات استمرت تسعة أيام بمحافظة ود الماحي، عقب أحداث مدينة قيسان. وأبلغ الفريقُ بوجود 4,345 أسرة، بما يُقدَّر بـ 21,725 فرداً، يتوزعون على ثمانية مواقع رئيسة، وأنّ معظم النازحين قادمون من مناطق الديم سعد، يارا، خور مقو، قومبد، أبو رندو، أداسي، الكار، وكذلك من مناطق أمورات، حماري، بكوري، فاذوغلي، خور الذهب، وخرطوم بالليل؛ مُشيرةً إلى أنّ عملية الحصر لا تزال مُستمرةً مع تزايد حركة النزوح نحو الضفة الشرقية، ولفتت إلى أنّ معظم الأسر النازحة تعيش داخل الغابات في المناطق المذكورة دون مأوى مناسب.
وقال سليمان الدومة بكار، النازح من منطقة قيسان، لـ «أتَـر»، إن مصيرهم يكتنفه الغموض ولا يدرون ماذا يفعلون، وأضاف: «وصلنا إلى هنا، لكن قد نضطر إلى النزوح مجدداً، وهو خيار لا نحتمل التفكير فيه من هول ما رأيناه في رحلة نزوحنا الطويلة. لقد قطعنا مسافات طويلة سيراً على الأقدام، وشققنا جغرافيا قاسية، وظننا أن وصولنا إلى هنا نهاية المعاناة، غيرَ أنّه تحول لبداية فصل آخر من الاحتياج للمأوى والغذاء والدواء، وهذه موارد شحيحة هنا».
وفي السياق ذاته، تحدث نازحون آخرون لمراسل «أتَـر»، عن محاولاتهم للتأقلم مع واقعهم الجديد. ويقول عمر عوضين عجبنا، شيخ قرية «سنجة نبق» مُتحدثاً لـ «أتَـر»، إن المجتمع المضيف، أخجلهم بكرمه، واصفاً إياه بأنه أظهر «صلابة سودانية لافتة»، ويضيف أن النازحين في ود الماحي يَسعون حالياً لتنظيم حياتهم وفق المتاح، ومتمسكون بأمل عودة الهدوء إلى مناطقهم الأصلية.
وأعلنت مفوضية العون الإنساني، في الأول من سبتمبر الجاري، أنّ منظمة اليونيسف بإقليم النيل الأزرق، نفذت تدخلاً إنسانياً استهدف النازحين من محافظة قيسان، وقالت إنّ التدخل أتى في إطار الجهود المشتركة الرامية إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمُتأثّرين بالنزوح جراء الأحداث الأخيرة.
من جانبها قالت نائب مفوض العون الإنساني، بإقليم النيل الأزرق، قسمة عبد الكريم دلدوم، لـ «أتَـر»، إنّ أوضاع النازحين في مناطق الدمازين وود الماحي بالغة الصعوبة، في ظل تعذُّر وصول المفوضية إلى أعداد كبيرة منهم، بسبب وجودهم في مناطقَ وعرة يُصعِّب هطولُ الأمطار من الوصول إليها. وأوضحت دلدوم أنّ حجم الاستجابة للنازحين في المراكز الرسمية ضعيف، «بسبب شُح دعم المانحين»، مؤكدةً اعتمادهم على المبادرات المحلية. وناشدت قسمة المجتمع الدولي والمانحين التدخل العاجل، ونبّهت إلى استمرار ما وصفته بحركة النزوح المركب في الإقليم، إذ يتنقل النازحون من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان في ظل تواصل الصراع.
وأعلنت غرفة طوارئ قيسان في 29 أغسطس، عن نزوح أكثر من 20 ألف مواطن من الموجة الثانية عشرة. وكشفت في بيان صادر عنها عن تفرّق النازحين في عدة مناطق، من بينها شيرة، أبو قمي، والحلة القديمة، ومحافظات ود الماحي شرقاً بينما اتجه جزءٌ منهم إلى مراكز الإيواء بمدينة الدمازين.
وتُواجه الأسرُ النازحة في هذه المناطق أوضاعاً إنسانية قاسية، في ظلِّ نقصٍ حادٍّ في مواد الإيواء والمُستلزمات الأساسية. وكان مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان قد وثّق منذ منتصف أغسطس نزوح آلاف الأشخاص من مناطق الكرمك وقيسان.
وبحسب غرفة طوارئ قيسان على فيسبوك التي استفسرها مراسل «أتَـر» عن الأوضاع، فإن أغلب قرى ومدن محافظة قيسان في حالة نزوح ولجوء ما عدا القرية 11 و10 و9، التي صارت مراكز للنزوح من القرى المجاورة. وبلغ إجمالي النازحين حسب الرصد الميداني فوق الـ 55 ألف نازح، موزعين ما بين المراكز في محافظة ود الماحي والروصيرص، وجزء أقل داخل محافظة. وتوقعت الغرفة موجات نزوح جديدة نسبة لتمدُّد الاشتباكات.
«بنكك»: نُذر مقاطعة شعبية في أم روابة
مراسل أتر
على خلفية، الانقطاع المُتكرِّر في خدمات الموبايل المصرفي لبنك الخرطوم «بنكك» في الفترة الماضية، سرت موجة من التذمر والسخط وسط قطاعات شعبية واسعة، تعتمد على التطبيق البنكي في تسيير حياتها اليومية. ومع استمرار الانقطاع إضافة إلى شح الكاش في الأسواق، يعاني المواطنون الذين يشكون من ارتفاع أسعار السلع بصورة جنونية، معاناة مركبة، عقدت من مهامهم اليومية، ما حدا بجزء كبير منهم للبحث عن بدائل أخرى شاقة. وفي محلية أم روابة بولاية شمال كردفان، تقف صرخة الاتحاد التعاوني لمنتجي الصمغ شاهقة في وجه المعاناة، بسلسلة من الإجراءات قد تنتهي بقطع العلاقة على نحو كاملٍ مع بنك الخرطوم.
وكشف رئيس الاتحاد التعاوني لمنتجي الصمغ بمحلية أم روابة الأمين الدروتة لـ «أتَر»، عن اتجاههم الأربعاء لسحب أموالهم المودعة ببنك الخرطوم، وإغلاق حسابتهم البنكية، ومسح التطبيقات من على هواتفهم، «ليكون إجراءً عقابياً لبنك الخرطوم، واحتجاجاً على سوء خدماته»، وفقاً لما يقول الدروتة. ووصف الدروتة البنك بأنه متعنّت، ولا يستجيب لنداءات وطلبات عملائه، وقال: «خاطبنا إدارة البنك أكثر من مرة، وأوضحنا لهم الأثر البالغ على المزارعين والمُنتجين نتيجة سوء الخدمات ولم نجد أي رد كافٍ». ولفت الدروتة إلى أن قرار مقاطعة بنك الخرطوم، صادر من الجمعية العمومية للاتحاد.
وأشار الدروتة إلى الآثار المترتبة على توقف خدمات البنك على منتجي الصمغ، قائلاً: «يتأثر المجتمع بأكمله بتوقف خدمات بنكك، لكنّ أثره علينا بالغ لأننا «ناس خلاء»، ولا توجد شبكة إنترنت في الريف، ونأتي للمدينة لنبيع محصولنا، ونضطر للبقاء فيها لأيام متتالية، وهذا يؤثر على التزاماتنا الأسرية وكذلك رعاية مزارعنا»، وأضاف: «بسبب ذلك توقفت حركة البيع تماماً».
ونفى الدروتة لـ «أتَـر»، أن تكون خطوتهم فقط لخدمة مصالح شريحة منتجي الصمغ، إنما هي «صرخة» ضد ما قال إنه يساهم في تشكيل أكبر أشكال المعاناة التي يعانيها الشعب السوداني بمختلف قطاعاته، حيث لا توجد سيولة نقدية، ولا يستطيع المواطن إرسال وتسلُّم الأموال بسلاسة.
وكان الاتحاد التعاوني النوعي لمُنتجي الصمغ، قد أمهل بنك الخرطوم، في 5 سبتمبر الجاري، مهلة لمدة 72 ساعة، لحل مشكلات التطبيق البنكي؛ وانتهت المهلة الأربعاء، ما جعل أعضاء الاتحاد ينفذون تهديدهم بسحب أموالهم وإغلاق حساباتهم، والتحول إلى بنوك أخرى.
ويقول المزارع هارون جابر كرم الله لـ «أتَـر»، إنّ توقف تطبيق «بنكك» في عز حاجتهم إليه، يعني الحكم بالإعدام على مُنتجهم، ويؤثر بنحوٍ كبير على النشاط الزراعي في المواسم القادمة. ويُضيف: «نحن أبناء الريف نأتي لسوق المدينة لبيع محصولنا، وبطبيعتنا فإن المدينة ليست مكاناً مريحاً لنا؛ وكل أملنا في أن نبيع محصولنا ونشتري لوازمنا ونذهب حيث أتينا، فهناك طفل ينتظر الدواء، وأم تئن تحت ألم المرض، وهناك من ينتظر ما يسد رمقه، وكل ساعة نقضيها في المدينة تتطلب منا مصاريف نقدية من سكن وطعام ومواصلات، وتتضاعف الضائقة حين نجد أن ما نحمله من سيولة نقدية ضئيلة، بدأ ينفد ونحن ننتظر فرج التطبيق البنكي، لتتحول رحلة البيع والرزق إلى عبء مالي ونفسي جديد علينا»؛ مشيراً إلى ألم نفسي يعانيه المزارعون لحظة وصولهم للمدينة بالتزامن مع توقف التطبيق البنكي، وقال: «كل دقيقة تمضي وأنت تنتظر عودة الخدمة، يتقطع جزء من أعصابك، لأنك تعلم أن الوقت بالنسبة لمن ينتظرونك في القرية ليس مجرد زمن، إنما هو ألمٌ إضافي ومعاناة». وكشف أن المزارعين حالياً يقعون فريسة لمن يملكون «الكاش»، ويضطرون لبيع محصولهم بسعر بخس وبخصم ظالم لمجرد الحصول على سيولة عاجلة لتدبير الأمور.
ويقول الهادي أحمد الفضل التاجر بسوق أم روابة، إنهم كانوا يعتمدون على التحويل عبر «بنكك» رغم أنه مُحدَّد بسقف معين، ويقول إن الذين يريدون تحويل مبالغ مالية كبيرة، يتجهون نحو تندلتي أو كوستي، واللتين توجد بهما أفرُع لهذه البنوك، وقال: «لو كان لديك شيك مصرفي، فليس أمامك حل سوى الذهاب إلى تندلتي أو كوستي». ويشير الفضل إلى أنّ توقف عمل تطبيق بنكك تسبب في شلل الحركة التجارية بالسوق، والتي كانت تمضي بصورة بطيئة جداً، حسب وصفه، بسبب غياب أفرُع للبنوك في المحلية.
ومع سيطرة الدعم السريع على مدينة أم روابة، توقف عمل فروع البنوك في المدينة، وحتى بعد استعادة قوات الجيش للسيطرة على المدينة، لا تزال أبواب البنوك مغلقة، بما فيها بنك الخرطوم نفسه، ولا يعمل غير البنك الزراعي السوداني، بنشاط محدود مرتبط فقط بتمويل المزارعين.
وناهز غياب المصارف عن العمل السنتين، وقد أثر بنحوٍ كبير على الحركة التجارية بالسوق. وبحسب الموظف السابق ببنك الخرطوم بأم روابة، صبحي صالح الذي تحدث لـ «أتَـر»، فإن تطبيق بنكك كان يساهم في حلول جزئية تساعد في استمرار جزء من النشاط التجاري، لكنه مع التغييرات الأخيرة، أصبح هو نفسه «أزمة». ويضيف صالح: «السوق الآن تشهد حالة مؤسفة بسبب الركود، لعدم استطاعة المستهلكين الوصول لأموالهم المودعة في البنوك لشراء احتياجاتهم، مما يؤدي لتراكم الخسائر على التجار، في وقت تتراكم فيه عليهم المديونيات والضرائب».
وطالب صبحي بعودة النشاط المصرفي، إلى مدينة أم روابة، لتوفير معينات العمل للنشاط التجاري، بجانب خلق حالة من المنافسة بين البنوك، تساهم في تجويد الخدمات، بما يُسهل على مواطن المدينة، ونفى وجود أي أسباب مقنعة أو منطقية لتوقف النشاط المصرفي، بعد استرداد الجيش للمدينة في بداية العام الماضي.



