أتر

الصحافة السودانية أمام تحدّي العصر الرقمي

في القرية الإلكترونية الصغيرة، غالباً ما تَجِدُ الصحافة، في سودان ما بعد الحرب، نفسَها في وضع يَتّسم بالمُنافسة الحادَّة، وهي تأخذ موقعها في فترينة العرض الواحدة، جنباً إلى جنبٍ مع صحفٍ من قَبيل لوموند ونيويورك تايمز وذا قارديان، لكَسْب القارئ العالمي من خلال تقديم خدمة إخبارية عاجلة وموثوقة عن السودان. وهو تحدٍّ يفرض عليها جهداً عالياً ومُكثفاً من التأهيل والتدريب. لا يتعلّق الأمرُ بخدمة الأخبار، لكنه يَشمل مُختلف فنون التحرير الصحفي من التحليل الإخباري ومقال الرأي والتقرير وغيرها؛ إذ لا تقتصر النقلة الرقمية وتداعياتها على الصحف، وإنما قد تمتدّ آثارها إلى القارئ، الذي ساهمت وسائط التواصل الاجتماعي في إعادة تكوينه المزاجي، ما يُعادل إعادة تعريفه، لغرض التواؤم مع عاداته الجديدة في الاطلاع والتلقِّي والتفاعل مع المحتوى، والمشاركة في المنافسة على هذا القارئ من خلال محتوى مُتقدِّم. قد يبدو التحوّل الرقمي في الصحف، بديلاً للوضع الورقي، أشبهَ ما يكون بالموضة المُستحدثة، أكثر من كونه وصفةً لتجاوز اختلالات تعاني منها الصحف، ومنها السودانية، أو طفرة من التطوّر إلى الأمام.

أفول العصر الورقي للصحافة

لقد تفاقمت أزمات الصحافة السودانية، بحيث أصبح التوقّف مصيرها المحتوم، بينما بدا التحوّل إلى النشر الرقمي مخرجَها المُحتمَل.

بعد ستين عاماً من الحضور اليومي، في بلاط صاحبة الجلالة، أعلنت جريدة «الرياض» السعودية منتصف أغسطس 2026، توقُّف نسختها الورقية، بجانب توقّف مجلة «اليمامة»، التي تَصدُر من الدار نفسها، وذلك «لمواكبة التوجّه نحو النشر الرقمي»، و «العادات الجديدة لدى القراء»، وفق ما ورَد في الخبر، وارتفاع تكلفة الإنتاج والتوزيع. لكنّ «الرياض» ليست الأولى ولا الأخيرة، التي تتوقّف ورقياً، وهي تخطو على طريق الرقمنة؛ فقد سبقَتها العديد من الصحف، في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها، والأرجح أن تتلوها أخريات، منها الصحف السودانية، مع تعدُّد الأسباب والدوافع وتنوّعها واختلافها. وقد ظلَّ خيار التحوُّل إلى النشر الرقمي مطروحاً في ساحة الإعلام السوداني، كبعض من خيارات للخروج من حالة التعثّر، التي ظلَّت تُعاني منها الصحف التقليدية في السنوات الأخيرة من حكم عمر البشير، والتي تفاقمت بتفاقم أزمات النظام الذي نشأت في ظلِّه، بعد أن ظلَّت، إلى حدّ كبير، تعتمد على دعمه، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

لقد تفاقمت أزمات الصحافة السودانية، بحيث أصبح التوقّف مصيرها المحتوم، بينما بدا التحوّل إلى النشر الرقمي مخرجَها المُحتمَل. ولعلَّ توقّف النسخة الورقية لجريدةٍ مثل «الرياض»، بعد أكثر من ستة عقود من صدورها، قد يدعم الرأي القائل بحتمية أفول الصحافة الورقية في العصر الرقمي، مقابل رأي يُدافع بقوة عن بقاء الصحافة الورقية؛ لكنّ «الأهرام» المصرية، وهي تكمل عامها الخمسين بعد المائة، تدعم خياراً ثالثاً، يُؤكِّد على إمكانية تعايش الورقي والرقمي، تحت سقف إصدار واحد.

في السودان، وفي بداية عهد جعفر نميري «يسارية الاتجاه» صُودِرت الصحف، ثم آلت، لاحقاً، إلى الحزب الواحد؛ حزب الحكومة المعروف بـ «الاتحاد الاشتراكي»، متأثّراً خطأً بالتجربة الناصرية. وبعد سقوط نظام نميري، سقطت الصحف التي جرى التواضع على وصفها بالقومية وعادت الصحف المُستقلَّة والحزبية. لكن حكم عمر البشير، الذي حارب الملكية الخاصة للصحف، عمل على إيجاد صيغة مُبتَكَرة، مُموَّهة لـ «الصحافة القومية»، من خلال دعم تملُّك شركات أنصار النظام للصحف، بما في ذلك صحافة الحزب الحاكم، المؤتمر الوطني.

آراء الصّحفيين ومُلاك الصحف

يرى بعض الصحفيين أن التحوّل الرقمي ليس قدَراً محتوماً، وأنّ الصحف الورقية لن تختفي نتيجة ثورة تكنولوجيا الاتصالات.

وبينما تبقى مسألة التمويل عقبةً أمام صحافة الأفراد والصحف المستقلة عموماً، واستثماراً غير مُنتِج، وفق أحد المُلاك، فإنه من غير المؤكّد، أن تُبدي الحكومة حماساً كافياً لتوفير تمويل سخيّ لنشاط غير ربحي.

ولمّا بدا أنّ إشكالية ملكية الصُّحف والحرية والمسؤولية وغيرها قد حُلَّت في مصر، البلد الرائد في هذا الميدان، من الناحيتين النظرية والتطبيقية، بما يؤهّل جريدة كـ «الأهرام» التي أكملت قرناً ونصف القرن منذ ميلادها لطفرة كبرى إلى الأمام ومواكبة تطورّات العصر، وبما يثير التساؤل بشأن ما إذا قد آن الأوان لتحوّل «الأهرام» من الورقي إلى الرقمي لمواكبة التطور في هذا المجال، فقد أجابت الأستاذة أسماء الحسيني، مدير تحرير «الأهرام»، التي طرحنا عليها هذا السؤال، قائلةً إنّ «الأهرام» تعمل على الورقي والديجتال معاً. ومع ذلك فقد أكّدت الحاجة إلى تطوير أكبر، وهو ما تعمل عليه الصحيفة التي تدير تحريرها.

بإعلانه أن الصحيفة تخرج من المطبعة وهي خاسرة مادياً، كشَف مسؤول عن إحدى الصحف السودانية عن جانب مهم من أزمة الصحافة، وهو الجانب المالي، الذي أثبتت التجارب المتتالية أنه لا يمكن حلّه كلّ مرة بزيادة سعر النسخة، الذي يقابله عادةً فقدانُ قارئٍ واحدٍ على الأقل. ومع اتساع مساحة البلاد، وضعف شبكة النقل والمواصلات، فإنّ ثلاثة أرباع المطبوع من إجمالي الصحف يجري توزيعه في العاصمة، بمدنها الثلاث: الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان. وعلى خلفية مشكلة زيادة تكلفة الإنتاج، مقابل ضعف العائد المادي مع شحّ الإعلان، التي تعوق صدور الصحف المستقلة، على وجه التحديد، بدأ يتصاعد الحديث عن «الصحف القومية»، وهي صيغة تختصّ بملكية الصحف، ومن ثم تمويلها من قِبل الدولة، بالاسترشاد بالتجربة المصرية، حيث تتبع الصحف لهيئة وطنية، تتبع بدَورها، للدولة.

ويرى بعض الصحفيين أن التحوّل الرقمي ليس قدَراً محتوماً، وأنّ الصحف الورقية لن تختفي نتيجة ثورة تكنولوجيا الاتصالات. ومع التطوّرات الدراماتيكية التي تشهدها البلاد، فإنّ الصحافة التي تنهض بوظيفة التنوير والتسلية والتثقيف وتسهيل تبادل الأفكار والآراء والمعلومات والأخبار ستظلُّ باقيةً وإن تَغَيَّرَ شكلُها. وهذا ما حدث للصحافة خلال القرنين الماضيين، منذ أول ظهورها في بريطانيا وأمريكا الشمالية.

ومع ذلك، ثمّة ما قد يَفقده الوسط الإعلامي، والصحافة تعيد تعريف نفسها وتعريف القارئ وعاداته الجديدة في الاطلاع، على ضوء ما يستجد من تطوّرات، وفق رؤية الصحافي محمود أبومازن.

تحت عنوان «يا صحافيي العالم، انقرِضُوا!»، علَّق الصحفي محمود الدنعو، أبو مازن، على ما ورَد في كتابي بشأن أزمات الصحافة السودانية، الصادر في 2025؛ مُلخِّصاً طبيعة الأزمة المركَّبة للصحافة السودانية، الورقية بطبيعة الحال، وصعوبات الخروج من تلك الأزمة، ليَخلُص إلى نعي رفاق الحرف الذين اجتمعوا على حبّ رائحة الورق وحبر المطابع. يقول أبومازن في صفحته على فيسبوك، متناولاً ما أوردتُه في كتابي حول الموضوع: «في سِفره القيّم (مغرب الصحافة السودانية التقليدية: تحديات الراهن ورهانات المستقبل) ينعى لنا -من حيث لا يودّ- شيخنا الصحفي المخضرم عبد الله رزق (أبوسيمازة) أفول شمس الصحافة الورقية في السودان، لأسباب اقتصادية وهيكلية، في الأساس، قبل أن تأتي الحرب و «ترمي بكلكلها» وأوزارها كاملة على الصحافة السودانية، فتصل روحها إلى حلقوم المنصّات، التي انتشرت كالحشائش الضارة».

وأكّد أبو مازن قناعته بأنّ الحرب، المُمتدَّة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ستتوقف، فتلك طبيعة الأشياء، على حدّ قوله، وحتمية أطوارها، وتبقى الصحافة السودانية، كما قال تلعق جراحها وحيدة. وأضاف: «قد يعود الرفاق، ولكن مع الأسف، لن تعود (الصحافة الورقية) كما عرفناها». وقطَع بأن الرقمنة ستبتلع كلّ جميل وعتيق، واستطرد أبو مازن الذي عمل في عدد من الصحف السودانية، قائلاً: «لو أنّ (أفول) الصحافة الورقية، حسب توقّعات شيخنا أبوسيمازه – قدّس الله سرّه – كان تمهيداً لـ (شروق) عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لما شقَّ علينا الأمر، فلا نقول إلا ما يُرضي الله، وإنها سنة التغيير والتطوير التي طالت الجميع، لكن صحافتنا كانت مصابة بضمور هيكلي، بهشاشة عظام مؤسسية، وسوء تغذية اقتصادية، وبيئة عمل غير جاذبة، ومشكلات في الجهاز التنفسي للحريات، وأزمات متطاولة أجملها الأستاذ عبد الله رزق في (غياب البيئة الديمقراطية وحرية التعبير)».

إعادة تعريف الصحيفة

لقد ارتبط نشوء الصحافة في السودان، في ظلّ الاستعمار الثنائي، المصري – البريطاني، بدخول المطبعة، ربما لأغراض استعمارية، لا تَمُتُّ إلى التنوير بِصِلة.

إنَّ قراءة مستقبل الصحافة الورقية، تقتضي مُعاينة ظروف انهيارها وأسبابه والعقبة أو العقبات التي تتعيّن إزالتها حتى تعود سيرتها الأولى، دون تجاهل أنّ المَسيرة المتعرّجة للصحافة هي تعبير عن الصراع على الحريات، في بلد يَسِم تطوّرَه السياسي عدمُ الاستقرار، وأنّ التقلبات في مَسيرة الصحافة، هي انعكاس للتقلّبات في المسرح السياسي، في إطار ما جرى التواضع عليه بالدوران في الحلقة المفرغة. ومن ثمّ فإنّ البحث عن حلول لأزمة الصحافة في العصر الرقمي، يرافقه من الجهة الأخرى مسعى حثيث لابتكار آليات للكبت الرقمي.

لقد ارتبط نشوء الصحافة في السودان، في ظلّ الاستعمار الثنائي، المصري – البريطاني، بدخول المطبعة، ربما لأغراض استعمارية، لا تَمُتُّ إلى التنوير بِصِلة. لا يتعلَّق الأمر بسماح سلطة الحكم الثنائي الاستعمارية بدخول المطبعة فحسب، وإنما بصدور الصحف، أيضاً. ويتعلَّق الأمر كذلك، بانتشار التعليم الحديث، في المقام الأول. ومن ذلك إنشاء كلية غردون التذكارية، ليتخرّج فيها الرعيل الأول للحركة الوطنية، التي صنعت الاستقلال، بحيث يمكن وصفها- وفق عبارة ماركس- بحافرة قبر الاستعمار البريطاني.

ويُعدّ النظام الديموقراطي، بما يؤمّنه من حرية للرأي والتعبير، الشرط الذي لا غنى عنه لازدهار الصحافة. وإذا كان تاريخ السودان الحديث، قد اتَّسم بعد الاستقلال بما عُرف بالدوران في الحلقة المُفرَغة، فقد كان تطوّر الصحافة السودانية انعكاساً لذلك الدوران، ما يعني حتمية الاستقرار السياسي شرطاً لاستقرار الصحافة.

لقد شهدَت سنوات حكم البشير أزمةً اقتصاديةً حادّة، كان من نتيجتها ارتفاع تكلفة إنتاج الجريدة، وضعف عائدها من المبيعات، والشحّ في الإعلانات، الأمور التي نتج عنه خروج الصحف من السوق بالخسارة، على الرغم من اعتماد غالبيتها على الدعم الحكومي متعدّد الأشكال؛ ما أدَّى إلى توقفها عن الصدور لاحقاً.

لذلك، فإنّ عودة الصحافة الورقية إلى ميدانها الطبيعي، بعد إيقاف الحرب، يُشترَط أن تسبقه جملة من الإصلاحات الأساسية في الاقتصاد والسياسة والتشريعات… إلخ، أو ما يمكن وصفه بإزالة آثار الحرب ومرتكزات النظام الشمولي، وهو ما قد يتطلَّب بعض الوقت.

لكنْ، لأنّ التاريخ لا يَقبل الفراغ، فإنّ المهام التي كانت تنهض بها الصحافة ومحتواها، لا سيما الورقية، غير قابلة للتأجيل أو الاستغناء عنها، وإنما ستستمرّ بوسائل أخرى. والقنوات العاملة بنظام الـ 24 ساعة، بجانب وسائل التواصل الاجتماعي، وصحافة المواطن وغيرها، قد وفرت للجمهور، بجانب التسلية، سبل معرفة التطوّرات في مختلف الأصعدة ومتابعتها.

وجاء التطوّر الأهم؛ محمولاً على أجنحة ثورة الاتصالات التكنولوجية، التي لم تكتفِ بإعادة تعريف الصحافة ورسالتها فحسب، وإنما عملت على تطوير وسائل وأدوات ملائمة وجديدة للاطلاع والمطالعة، ولم تعد القراءة هي المهارة الوحيدة للاتصال.

من الناحية التاريخية، يُمكن النظر إلى العودة للصحافة الورقية، بما يحتمله ذلك من تخطٍّ لجُملة من العقبات، بمثابة رِدّة حضارية، في ضوء التقدّم الذي تجسّده ثورة الاتصالات التكنولوجية، التي أعادت تعريف الصحافة، من جديد، وابتدعت تقاليد جديدة للاطلاع، تضاءلت معها مهارات التلقّي التقليدية.

Scroll to Top