«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
فصّل المرحوم الدكتور محمد سعيد القدال في «مهدية» الإمام محمد أحمد المهدي كوعي بالصراع الاجتماعي بعبارة دينية، ووطّن هذا الصراع الاجتماعي في نهضة قوى اجتماعية واسعة لمجابهة ظلم التركية وفي التخلق الجنيني للبرجوازية السودانية. وبطبيعة الحال، حق للمرحوم الدكتور القدال أن ينسب «مهدية» الإمام إلى فكرة «المهدي المنتظر» في التراث الباطني، الشيعي منه والصوفي، وبينهما وشيجة قوية ليس هذا موقع تفصيلها.
كتب المرحوم الدكتور القدال بسند في شغل المرحوم الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم («مخطوط تاريخ مؤسس الختمية»، مجلة الدراسات السودانية، م 1، ع 1، يوليو 1968، ص 36 – 44): «لم يأخذ محمد أحمد فكرة المهدي المنتظر من بطون الكتب، ولا عثر عليها في مؤلفات ابن عربي. فالفكرة مُستقرّة هناك منذ قرون، ولكن أفرزتها ظروف المجتمع في ظل الحكم الأجنبي ونمو النشاط التجاري. فهي نتاج لجهد مجتمع كان يسعى بين أروقة التراث باحثاً عن أيديولوجية تلم شتاته وتوحد كيانه. وكانت فكرة المهدي تمثل الخروج من واقع الظلم في إطار عريض وتحت مظلة وارفة شكلت «أساساً جديداً للتماسك، يتخطى كل الروابط المحدودة، القبلية، الإقليمية، العرقية، واللغوية» فراجت الفكرة قبل محمد أحمد. فقد كان السيد محمد عثمان الميرغني (الختم) يُشير كثيراً إلى المهدي المنتظر. وهو يضع المهدي بعد الرسول (ص) ثم يليه الختم. «وبهذا يكون المراغنة قد شاركوا في نشر فكرة المهدية في السودان وإذاعتها بين الناس. ويذكر محمد أحمد فيما بعد أن السيد الحسن الميرغني أشار مراراً إلى المهدي وصفاته ومكان ظهوره» (الدكتور محمد سعيد القدال، «الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله 1844 – 1885»، دار الجيل، بيروت، 1992، ص 34).
لكن، كيف أفرزت هذه الظروف فكرة «المهدية»؟ لمَّا نشأت بها حركة اجتماعية كمهدية الإمام صاحب الراية وسيد البقعة المباركة في مقابل أكثر من مهدي متعثر؛ جاء بهم المرحوم الدكتور القدال دلالةً على فشوِّ هذه الفكرة قبل أن تنضج مياسمها وتُزهر. نقل قطب الأنثربولوجيا السودانية المرحوم الطيب محمد الطيب رواية من بابو نمر، ناظر المسيرية، عن جده علي الجُلَّة الذي صار لاحقاً من كبارات المهدية أن رجلاً جاءهم من الغرب، واتصل بهم قبل محمد أحمد بسنوات، كان يخرج إلى العراء ويستنشق الهواء، فسألوه ماذا يفعل، فقال إنه يستنشق رائحة المهدي القادم. وشهد يوسف ميخائيل المُوظّف في التركية في مذكراته على رواج فكرة المهدي في كردفان ودارفور، خاصة في الأُبيِّض، حتى أن بطولة المهدي، ولِما تتحقَّق، كانت موضوعاً للعب الأطفال. وبرز من ادَّعى المهدية قبل الإمام صراحةً مثل فخر الدين حسن معلاوي، الذي أعلن عن نفسه في 1884، فكتب إليه الإمام محمد أحمد يدعو له بالهداية، كما تكرَّر الادعاء بالمهدية بعد وفاة المهدي، على سبيل المثال على لسان أبو جميزة في دارفور ومحمد آدم البرقاوي في القلابات (القدال، المصدر السابق، ص 35)، بل لم تنقطع حتى في عصرنا فجاء بصيغ منها محدثون ادعوا صيغاً من النبوة والإلهام الإلهي في رفاعة وفي شارع المين جامعة الخرطوم وفي أم بدة كرور وفي الخرطوم 2 وفي مهجر أستراليا البعيدة. ولم يبلغ أيٌّ من هؤلاء مبلغ المهدي الإمام قسيمَ المُحيَّا الذي صارت بيده «المهدية» نضالاً وفُتوحاً من جنس شهادة الشيخ محمد طاهر المجذوب:
ركبوا الجياد وغادروا شلّو العدا رزق النسور ولحمهم أقوات
والخيلُ ترقصُ بالكُماة كأنها تغتال في ميدانها فتيات
فأثرن نقعَ الموت في عرصاتها وأغَرْنَ صُبحاً إذ علت أصوات
وذباب أسياف المنية فوقها رعفت دماً وجلاؤها الهامات
والأرض سالت بالدماء وما بها غير الجماجم والشعور نبات
(عبد المجيد عابدين، «تاريخ الثقافة العربية في السودان»، دار الثقافة، القاهرة، 1967، 222-223).
فما منبع غيرية المهدي الإمام إذن؟ ولِمَ بلغته النُّصرة وتقاصرت عن سواه؟ لهذه القضية العصية اسمٌ في الكتاب عنوانها عند جورج بليخانوف (1856-1918) «دور الفرد في التاريخ». وبليخانوف علمٌ من أعلام الماركسية الروسية، بل هو رائدها، جَنَّدَ إليها مثل لينين، وشاركه في تحرير «إسكرا»، وتعريبها «الشرارة»، الجريدة الناطقة باسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي قبل المُفاصلة بين المنشفيك والبلشفيك. تمنَّعَ بليخانوف على البلشفة، وكان تقديره أن استيلاء البلاشفة على السلطة سيكون وبالاً عليهم وعلى مستقبل الثورة، فالتاريخ عند بليخانوف حَرونٌ لا يَقبل الدفع إلى الأمام بعزم مثل عزم لينين. على كُلِّ حالٍ، مات بليخانوف على هذا الشك في ثورية الثورة البلشفية بالسُّلِّ الرئوي في فنلنده القريبة التي فرَّ إليها خشية تعسف الثوريين، لكن قُبِرَ في بتروغراد، وشهد جنازته جمعٌ غفير إجلالاً له، وهو الذي نشأت بشغله في جنيف السويسرية عام 1883 أوَّل حلقة للماركسيين الروس «جماعة تحرير العمل»، التي ضمَّت بجانب بليخانوف كلاً من فيرا زازوليتش وبافل آكسلرود وليو دويتش، وأنجزت ضمن ما أنجزت ترجمة الأعمال البارزة للمرحومين ماركس وإنقلز، إلى الروسية. أعاد البلاشفة الاعتبار لهذا الرائد بعد وفاته، فكان جرد حسابه في دفتر السوفييت أنه «مفكر عظيم» وقع في «بعض الأخطاء المنشفية»، لكن فتح الطريق لانتصار لينين والبلاشفة.
أياً كان، نشر بليخانوف في العام 1898، مقالاً طويلاً في عددين من مجلة الأكاديمية العلمية الروسية بعنوان «دور الفرد في التاريخ» صدر لاحقاً ضمن أعماله الكاملة، فكيف صاغ بليخانوف هذا السؤال: «فلنفحص إذن الوضع الذي تبدو فيه أعمال هذا الفرد، في الماضي كانت أم الحاضر أم المستقبل، بالنسبة إليه قدراً أملته الضرورة. نعلم أن الفرد من هذا الطراز، رسولاً كان كمحمد [ص] أم مختاراً فرزه القدر النافذ كنابليون أم ممثلاً لحركة التقدم التاريخي كبعض رجالات القرن التاسع عشر، نعلم أن مثل هذا الفرد ينطوي على إرادة تبدو أمضى من الطبيعة نفسها، ويُطيح عن طريقه كل ما يعرقل مساره، كأن العراقيل أسمال بالية. لكن ما يهمنا في هذه المسألة هو جانب آخر: عندما يتملَّكني الشعور بأني خلوٌ من الإرادة الذاتية، بل يستحيل عليَّ بالكلية ذاتياً وموضوعياً أن أتصرَّف على أيِّ نحو غير هذا النحو المعين، وعندما تبدو لي أعمالي، على النحو الذي وقعت، هي أحب الأعمال إلى نفسي بالمُقارنة مع كلِّ الخيارات الأخرى، عندها تصبح الضرورة في ذهني هي عين الحرية والحرية هي عين الضرورة، أي يتطابقان. وعندها أنا منقوص الحرية فقط من حيث أنني لا أستطيع فض هذا التطابق بين الحرية والضرورة، ولا أقوى على مقارعة هذه بتلك، ولا أشعر حتى بكبح الضرورة، بل إن تقلص الحرية هو في ذات الوقت أكمل تعبير عنها» (ج. بليخانوف، «دور الفرد في التاريخ»، لورنس ووشارت، لندن، 1950، ص 15 – 16). فمن أنت يا ذا؟
أصلو حبي أقوى وأكبر من إرادتي
وأنا حاسس في جحيم نارك سعادتي
واللهيب البكوي في روحي
في ذاتي
هو إنت
قلبي دايرك، حبي عارفك
في شبابك في صباك
في جمالك في وفاك
في شبابك وفي وفاك
يا المُسيَّر وماك مَخيَّر
انت يا الصابر وعند الله جزاك
وربما فاق إسماعيل حسن جورج بليخانوف بلاغةً في صياغة تطابق الحرية والضرورة، واقتلع لها من التجربة الذاتية اسم «الحُب». وهذا الحب لدى إسماعيل تسييرٌ فوق الإرادة البشرية، والعقدة هنا هي التحلُّل من الرغبة الفردية للإمساك بقرون الإرادة التي تتطابق فيها الضرورة والحرية، لا تنفصم هذه عن تلك. ولهذه العروة الوثقى ترقيمٌ جديدٌ عند آلان باديو (مواليد 1937)، فهي «الواقعة» بالعبارة القرآنية، الحدث الذي يتملَّكُ الفرد ويُملي عليه الوفاء أبداً. وتقرأ القارئة عند باديو صيغة عرفانية أو تكاد لهذا المعنى كان ليقبلها المهدي الإمام، ولن يستغربها: «وجهة نظري الفلسفية، هي ما أحاول أن أطرحه، أنه لا يمكن اختصار الحُب إلى أيٍّ من تلك المقاربات [يقصد مفهوم الحب كغرام عاشقين ينتفع كل منهما بالآخر أو كوهم لا يتحقق]، فالحب هو بناء الحرية. سوف تسألني: أي نوع من الحرية؟ حسناً، أنا أعني الحرية في نقطة محددة تماماً: ما نوع العالم الذي يراه المرء حين يختبره من وجهة نظر اثنين وليس واحد؟ كيف يصبح العالم حين يختبره المرء ويُمارسه ويَعيشه من وجهة نظر الاختلاف وليس الهوية؟ هذا هو الحب في اعتقادي. إنه المشروع، الذي يشمل بديهياً الرغبة الجنسية وكلَّ محنها، ويشمل ميلاد الطفل، بل وآلاف الأشياء الأخرى. في الحقيقة كل شيء بدءاً من اللحظة التي يتحدَّى فيها منظور الاختلاف حيواتنا». ويقدم باديو تعريفاً شافياً لهذا الحب فيقول: «أعتقد بأن الحب هو فعلياً ما أُسمّيه في قاموسي الفلسفي “إجراء الحقيقة”، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيد نوع معين من الحقيقة. هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين. حقيقة الاختلاف كما هي. وأعتقد بأن الحب – الذي أسميه “مشهداً من اثنين” – هو هذه الخبرة. بهذا المعنى، الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرارية، ويقبل خبرة العالم هذه تماماً، فإنه من وجهة نظر الاختلاف ينتج، على هذا النحو، حقيقة جديدة حول الاختلاف. لهذا فإن الحب الحقيقي محط اهتمام الإنسانية كلها دائماً، بغضّ النظر عن تواضعه الظاهري، وعن تواريه. نعرف كيف ينجرف الناس بقصص الحب! لا بد أن يسأل الفيلسوف لماذا يحدث هذا» (آلان باديو، «في مدح الحب»، تعريب غادة الحلواني، دار التنوير، القاهرة. 2014، ص 59 وص 75). ولو وَضعت القارئة الذكية «الزمان» في محلِّ «الحب» لجاءت بمهدية الإمام سوى خطوة وحيدة، بيني وبينها لو أسرعت!



