أتر

سمسم القضارف: ذهبٌ يَنبت في حنايا الأرض

يا سِمْسمَ القضارف، الزُّول صَغِيرْ ما عارِفْ

قليب الرِّيد، الرِّيد الريد، كلْ ما هَوِيتَك شارِفْ

يا حبيب بريدك ريدة، ريدة الحمامة لي وليدا

يا حبيب تعال، تعال تعال، تعال نتِمّ الريدة

لو ما بخاف الرُّقَبَا، بَسْكُنْ معاك في العَقَبة

عِقْدَ السوميت، السوميت يا الفَصَّلوك للرَّقبة

يا يُمّا ما تُدقنُّو، العُقَّر ما بيِلْدَنُّو

اتنين جنيه، من اُمُّو ما بْكَفنُّو

رغم أنّ أغنية «سمسم القضارف» التي اشتُهرت بصوت عائشة الفلاتية لها قصة توثيقية غير محسومة تماماً، وهناك أكثر من رواية حول مؤلِّفها، لكنها بلا شكّ دخلت في تعريف الوجدان السوداني بمدينة القضارف العريقة في شرق السودان، وتعريفه أيضاً بقيمة السمسم الاقتصادية والاجتماعية، وهو المحصول النقديّ الأهمّ الذي اشتهرَت به الولاية وأهلها، إضافة إلى محاصيل أخرى.

وفضلاً عن ارتباطه الوطيد بسكّان القضارف، كان السمسم ولا يزال محصولاً يسهم في ناتج أهل الولاية، ورافعةً لتحسين الدَّخْل وترقية الحياة في المدينة، فعندما يكون المحصول وافراً وسِعرُه مُجزياً، يتكاتف أهل المدينة والمناطق المجاورة في صيانة المدارس والمراكز الصحّية وحتى المرافق العامة، وإنشاء الصناديق الخيرية لصيوانات العزاء والأعراس. ولمن يرغبون في الزواج فإنّهم يغتنمون هذه الفرصة لإقامة مراسمه، وكلٌّ يمدّ يدَه بما يستطيع لإكمال الفرحة، التي لا تكتمل إلا بدخول السِّمسم في صُنع المخبوزات التي تُقدَّم احتفالاً بعقد القران، فضلاً عن استخدامات زيته المتعدّدة التي تبدأ من العناية بالبشرة بالنسبة للنساء والأطفال، ولا تنتهي باستخدامه زيتاً للطعام، أو في إعداد الطحنية التي يتلذَّذ بها الصغار والكبار، أو في الصناعات التحويلية الأخرى.

وأكثر من ذلك، فإنّ محصول السِّمسم، يُسهم في إكمال الصفقات التجارية الأخرى، شأنه في ذلك شأن الأوراق النقدية، فقد تُكمَل صفقة بيع للأصول والممتلكات، كالمنازل والمركبات والآليات والمساحات الزراعية، سمسماً بدلاً عن النقد، كما يُمثِّل الضامن الأول للمزارع ليُسهل عليه صيانة الآليات الزراعية، ويساعده أيضاً على الاستعداد بقوة للموسم الجديد بتحضير كميات الجاز اللازمة، وتغطية التكاليف الزراعية للموسم الجديد، ويتدارك بحصاده المُبَكِّر تكملة عمليات الحصاد لمحاصيل الذرة والدخن والتسالي بمختلف أنواعها ومواقيتها، بمعنى آخر، فإنه يَقِي زُرَّاعَه شرّ الاستدانة لتكملة عمليات الحصاد، كما أصبحت قيمته تدخل في عمليات الكَدِيب (تنظيف الآفات) في زراعة التسالي.

خصائص السمسم

يمتاز السمسم بالمحافظة على خصائصه، فإذا كان منثوراً على الأرض في الحقل طوال فترة الصيف، لا تسلبه حرارة الشمس شيئاً من تلك الخصائص، لأنه من الحبوب الزيتية. ومع حلول فصل الخريف، وبهطول الأمطار، تنبت الحبوب من جديد، ويُسمَّى هذا النوع «السمسم البَروس»، الذي يَستغني صاحبه عن أعمال الزراعة والحرثات الأولى، ولا يتطلَّب إلا مواصلة باقي العمليات من الكديب والمبيدات. ولصغر حبة السمسم مقارنةً بحبات الذرة فإنها تنبت بدرجة أقلّ من الرطوبة، بالمقارنة ببقية حبوب المحاصيل الأخرى، كما أن نسبة الدهون الموجودة ببذرة السمسم تمنع تلفها بخلاف الذرة التي تحتوي على عناصر نشوية.

يُعدّ السمسم من الأغذية النباتية مرتفعة الكثافة الغذائية؛ فهو يجمع بين الطاقة، والبروتين، والدهون غير المشبعة، والألياف، وعدد من المعادن المهمة. وتختلف تركيبته باختلاف الصنف والمنشأ وطريقة المعالجة، لكنّ بذور السمسم تحتوي على نحو 50–56% من الدهون و17–24% من البروتين، مع كمية معتبرة من الألياف والكربوهيدرات، بحسب ما حدّثت به اختصاصية التغذية د. نبراس مصطفى «أتَر».

ويتميّز السمسم باحتوائه على معادن مثل المغنيسيوم، والكالسيوم، والحديد، والزنك، والفوسفور، والنحاس والمنغنيز. تقول نبراس: «تُظهر التحليلات أنّ محتوى المغنيسيوم والحديد والزنك فيه مرتفع نسبياً مقارنة بكثير من الأغذية النباتية، لكنّ وجود المعدن في الغذاء لا يعني بالضرورة امتصاص كامل كمّيته؛ إذ يحتوي السمسم أيضاً على مركّبات مثل حمض الفيتيك والأوكسالات التي يمكن أن تقلّل امتصاص الجسم لبعض المعادن».

وحول نوعية الدهون التي يحتوي عليها السمسم، تقول نبراس، إنّ معظمها من الدهون غير المشبعة، خاصة حمض اللينوليك (أوميغا-6) وحمض الأولييك (أوميغا-9)، مع نسبة أقل من الدهون المشبعة، لذلك فإنّ القيمة الغذائية للسمسم لا ترتبط بارتفاع محتواه من الدهون فقط، وإنما بنوعية هذه الدهون أيضاً.

تقول نبراس: «إلى جانب المغذّيات الأساسية، يحتوي السمسم على مركّبات مميّزة هي مركّبات الليغنان (Lignans)، وأهمّها Sesamin وSesamolin وSesamol، إضافة إلى مركبات فينولية وفيتوستيرولات وتوكوفيرولات. لهذه المركّبات نشاطٌ مضادٌّ للأكسدة، وهي من الأسباب التي جعلت السمسم محلّ اهتمام في أبحاث التغذية والأغذية الوظيفية». وتشير إلى أنّ كمية الكالسيوم في الملعقة الواحدة من السمسم تعادل كمية الكالسيوم المتوفرة في 7 أكواب من الحليب، إلا أنّ عملية الهضم لا تَستخلص الكالسيوم بالسرعة المناسبة بسبب ارتفاع نسبة الدهون في السمسم باعتبار أنّ 73% من وزن السمسم هو دهون وسُعرات حرارية، وطاقة يستفيد منها الجسم بسرعة أكبر من الكالسيوم.

وتختلف المنتجات الناتجة من السمسم غذائياً؛ فـبذور السمسم الكاملة تُوفّر البروتين والألياف والمعادن مع الدهون، بينما الطحينة تُعَدُّ مصدراً مركّزاً للطاقة والدهون، مع احتفاظها بجزء مهمّ من البروتين والمعادن والألياف. أما زيت السمسم فهو في الأساس مصدر للدهون والمركّبات الذائبة فيها، ولا يوفر البروتين والألياف والمعادن الموجودة في البذرة كاملة على النحو ذاته.

ومن عجائب السمسم أنّ عمليات الطحن والتحميص والنقع وغيرها من طرق المعالجة؛ لا تؤثر بالطريقة نفسها على جميع مكوناته؛ فبعض المعالجات قد تقلّل مركبات مضادة للتغذية مثل الفيتات، ما قد يحسّن إتاحة بعض المعادن، بينما يمكن للحرارة المرتفعة أو المعالجة المطولة أن تغير بعض المركبات النباتية النشطة. لذلك لا يمكن القول إن طريقة واحدة هي الأفضل لكل العناصر الغذائية.

وتقول نبراس، إنه من الناحية التطبيقية، يمكن استخدام السمسم والطحينة لزيادة كثافة الطاقة والعناصر الغذائية في الوجبة دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في حجمها؛ ولذلك يمكن أن يكون مفيداً في الأنظمة التي تحتاج إلى رفع الطاقة أو الدهون والبروتين، بحسب الحالة الغذائية والاحتياجات الفردية.

ويفضَّل العَصْر البلدي للسمسم – معصرة الجمل – لبطء سرعة الدوران التي تُحافظ على المواد الفعالة وخصائص العناصر في حبات السمسم، كما أن ارتفاع درجة الحرارة يعمل على تدمير المواد الفعالة فيه.

وبحسب نبراس فإنّ هناك دراسات تشير إلى دَور السمسم مكمّلاً غذائياً مُسانداً في بعض الحالات مثل السكري، واضطرابات الدهون والالتهابات وبعض أمراض القلب، لكنه لا يُعتبر علاجاً مستقلاً لتلك الأمراض.

القيمة الغذائية للسمسم (لكل 100 جرام تقريباً)
السُّعرات الحرارية 600–570 سعرة حرارية
البروتين 17–18 جرام
الدهون 49–50 جرام
الكربوهيدرات 23 جرام
الألياف الغذائية 11–12 جرام
الكالسيوم حوالي 975 مليجرام
الحديد حوالي 14–15 مليجرام
المغنيسيوم حوالي 350 مليجرام
الفوسفور حوالي 600 مليجرام
الزنك حوالي 7–8 مليجرام
البوتاسيوم حوالي 450 مليجرام

ملحوظة: على الرغم من احتواء السمسم على كميات كبيرة من الكالسيوم، إلا أنّ امتصاصه يتأثر بحمض الفيتيك والأوكسلات.

كيف يُزرَع؟

في منتصف يونيو من كلّ عام، تبدأ عمليات زراعة محصول السمسم بإزالة الشِّقل «شجر اللَعوت» والبُوص، وحرثه في الأرض بواسطة الدسكي العريض لعمل الكَسْرة «الحَرْثة» الأولى، بعدها يَنتظر المزارع حتى 25 يونيو، وهي فترة كافية لهطول المطر وإنبات الحشائش المنافسة للزراعة وتهشيش التربة. بعد الكسرة الأولى وحتى الفترة بين الأول والخامس من يوليو من كلّ عام، تتكرّر العملية للمرة الثالثة لإزالة الحشائش مرة أخرى، مع زيادة تفكيك التربة مع الزراعة مباشرة. وتسبق مرحلة إزالة الحشائش والكديب مرحلة رشّ المبيد، لمكافحة الحشائش ذات الأوراق الرفيعة، كالعَدار والبُوْص وجَلَسو، أو النجيلة وبقايا الذرة أو الدخن المزروعة منذ العام السابق، وفي الغالب يُستخدم مبيد كلودوفيناب (كلودينافوب–بروبارجيل) بتركيز 600SL وهو مناسب للسمسم.

وتُكلِّف الحراثة لمساحة ساعة (أي 5 أفدنة) 300 ألف جنيه للحرثة الواحدة، ويحتاج السمسم إلى ثلاث حرثات: حرثة أولى في 15 يونيو، وحرثة ثانية في 25 يونيو، وحرثة ثالثة في 1 يوليو، أي أن تكلفة الحراثة 900 ألف جنيه لمساحة 5 أفدنة.

أما بالنسبة للتيراب، فيجب أن يكون مُحَسّناً لأنه «روحُ الزراعة»، كما يُسمّيه المزارعون. وأنواع التيراب كثيرة، والشائع منها تيراب «أبو نعامة» وعمره من 90 إلى 95 يوماً من الزراعة إلى الحصاد، وتيراب «أب صُوفة» وعمره 95 يوماً. أما تيراب «برومو»، وعمره 90 يوماً، فهو صنفٌ مُحَسَّن من أنواع السمسم بيضاء اللون، ومطلوبٌ في السوق لأنه يمتاز بمواصفات عالية، ما يجعله منافساً جيّداً في السوق، ويتراوح سعر الكيلوجرام منه بين 10 و12 ألف جنيه للتقاوي المُحسّنة، ويَستهلك الفدان كيلوجراميْن من التيراب بمعنى أنّ الساعة (5 أفدنة) تحتاج إلى مقدار 10 كيلوجرامات.

ومع بَذر السمسم في الأيام الأولى من شهر يوليو من كلّ عام، تقتضي الضرورة أن لا يُدفن السمسم في العمق، وذلك بإرخاء الصواميل لأمشاط الدسكي «صواميل السُّسْتة». وبعد زراعة السمسم بأسبوعين «15 يوماً»، تنبت منه أربع صَفَقَات «ورقات»، وتُسمّى محلياً «سمسم أب أربعة»، ومنها تبدأ عمليات خدمة محصول السمسم برشّ المبيد، إضافة إلى بدء العمال في إزالة الحشائش (الكَدِيب) ويكون العمل فيها باليومية (6 ساعات) أو الضَّحَوة (3 ساعات)، ويختلف الزمن من منطقة إلى أخرى؛ بحسب ما تعارَفَ عليه أهل المنطقة، أو بـ «القُوَال». وتتضمّن يومية العامل توفير وجبة الإفطار ومياه الشرب من صاحب الأرض، وتوفير المُكيّفات من القهوة والشاي والسجائر والتمباك بحسب رغبة العامل؛ وحسابها مخصوم من العامل. وقد يتطلّب الكَدِيب والحِرَاتة من المُزارع أو التاجر أيضاً توفير ميز للعمال من دقيق الذرة أو الدُّخن، بمقدار جوال، وعدد من أرطال السمك المجفف «الكَجِيك» التي تتراوح ما بين 10 إلى 20 سمكة، وبضعة أرطال من زيت الطعام، إضافة إلى الويكة والصلصة والشطّة وغيرها من المُحَدّقات التي يطلبها العُمّال بين فترة وأخرى.

في حال غزارة الحشائش المنافِسة للسمسم، يُفضَّل العمل بالمَقطوعيّات وهي قُوَالات، وحسابها وقتيّ بانتهاء العمل، وتجري بتحديد مساحة مُعينة (5 × 5 أمتار) مثلاً لإنجازها، وتكون بمبلغ مالي يجري الاتفاق عليه سلفاً.

يبدأ العمل في الكَدِيب الثاني للسمسم بعد 25 يوماً من الإنبات، وحينها يأخذ السمسم شكل 8 صفقات ويُسمَّى «أب ثمانية»، وتُزال الحشائش للمرة الثانية وتكون بحال أخفّ من حالها في الكديب الأول. والغرض الأساسي من الكديب الثاني، هو إزالة الحشائش وتقليب التربة للسمسم. يستمرّ الكديب الثاني باليومية أو القُوال إلى عمر 35 يوماً؛ وبها يحتاج السمسم التهوية، وهي فترة الإزهار وتُسمّى «شال النُوَّار»، ويكون السمسم في عمر 40 يوماً.

يبدأ المُزارع بالبحث عن الحشائش مرة أخرى، وفي حال وجودها يبدأ الكَدِيب للمرة الثالثة لإزالة بقية الحشائش، وهنا يُفضَّل القُوال لسرعة إنجاز العمل وكسب الوقت. ومن العوامل المهمّة لنجاح زراعة السمسم: الالتزام بمواقيت العمليات الزراعية، ففي فترة النوار يبدأ «الرَّص»، وهو الإزهار ونمو لالوب السمسم (الحامل لحبّات السمسم)، إلى فترة انتهاء الإزهار وتُسمَّى مرحلة «قَطْع النوَّار»، وهي الفترة الحقيقية لإثمار السمسم بنموّ اللالوب. مع اكتمال حساب الأيام إلى 90 يوماً، يبدأ السمسم في الاصفرار ليكتسب لوَنه المعروف ويبدأ في الجفاف وهي مرحلة القطع.

 تبدأ فترة الحصاد عندما يصل السمسم إلى عمر 85 إلى 90 يوماً من الإنبات، يكون القطع بـ «الحِلَّة»، وهي عن مجموعة حزم من محصول السمسم، وتتكوَّن الحِلة الواحدة من 400 رُبطة. وبلغت تكلفة قَطْع الحِلّة في العام الماضي 20 ألف جنيه سوداني، ويُقدَّر سعر القطع في هذا العام بين 30 و 40 ألف جنيه. ويجري التأكّد من أنّ الحِلّة مرصوصة على الأرض في ثلاث كُلِّيقَات، بطريقة طُولية متوالية، حتى يصل مجموع العدد إلى 400 كُلّيقة، تظلّ على وضعها هذا لمدة 15 يوماً في الشمس والهواء، حتى يجفّ السمسم على نحوٍ كامل، ويكون حينها جاهزاً للحَتّ، ويكون الحَتّ على فرشة (مُشمَع) 6×8 أمتار. ويجري حساب 5 حِلّة مضروبة في 400 كُلّيقة، بمعنى أن جوال السمسم يتكوّن من 2000 كُلّيقة لتنتج جوالاً من زنة 7.5 كيلة، أيّ قنطارين.

تُحسَب تكلفة الحَتّ باليومية، ومُدّتها ست ساعات يتوسّطها زمن لوجبة الإفطار، ويتراوح سعر اليومية في العام الماضي بين 20 و 25 ألف جنيه سوداني، ويُقدَّر متوسِّطها هذا العام بـ 40 ألف جنيه سوداني. ويُقدَّر إنتاج الساعة (5 أفدنة) بما يتراوح بين 10 و20 جوالاً من السمسم. وتختلف التقديرات حسب جودة التيراب، وعوامل فصل الخريف، والجدول الزمني للعمليات الزراعية من التحضيرات ومدى جودتها، والتوقيت المناسب لها، مع ملء الجوالات التي تُترَك مفتوحة، ويُضاف لأيّ جوال مقدار كيلة من محصول السمسم مع المندلة والدَّك، لزيادة العبوة، ذلك أنّ الجوالات تُباع بالقُنطار.

Scroll to Top