واصل الجنيه السوداني تدهوُره المستمرّ منذ بداية الحرب، ليتخطّى حاجز السبعة آلاف جنيه في الأيام السابقة، ما انعكس على أسعار بعض السلع بالسوق، وأدّى إلى إحجام المواطنين عن شراء حتى الأساسيات. هذه جولة بين مدن السودان أجراها مراسلو «أتر»، واستنتطقوا سكّانها وتجّارها عن الحال.
سنار: الغلاء يغيّر المائدة
«بِقينا نقلّل الكمية ونستغني عن الأطباق الجانبية، ونكتفي بطبق رئيسي واحد في الصينية»، هكذا ابتدرت نورا حديثها، وهي ربّة أسرة مقيمة في ولاية سنار، رداً على سؤال «أتَـر» عن ما أحدثه الغلاء في مائدة أسرتها، موضحةً كيف أجبرت الأسعار المرتفعة أسرتها المكوّنة من خمسة أفراد على تغيير عاداتها الغذائية في مائدتها اليومية.
لم يعد الطعام على مائدة الأسرة متنوّعاً كما كان من قبل، فارتفاع أسعار السلع الأساسية دفع نورا إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والاكتفاء بالأصناف الضرورية، بينما أصبحت الأطباق الجانبية من أول الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها لتقليل تكلفة الوجبة. وبحسب قائمة مشترياتها، تبلغ تكلفة وجبة الإفطار نحو 14,500 جنيه سوداني، تشمل ألفي جنيه للفول، و5 آلاف جنيه للخبز، وألفي جنيه للطعمية، و2,500 جنيه لربع رطل من زيت الفول، و3 آلاف جنيه لسَلَطة الخضار. أما وجبة الغداء فهي أكثر كلفة، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والزيوت والخضروات، ما دفع الأسرة إلى تقليل الكميات والبحث عن بدائل أرخص بدلاً من شراء ما اعتادت وضعه على المائدة. وتحتاج الأسرة المكوّنة من خمسة أفراد إلى نحو 37 ألف جنيه لإعداد وجبة الغداء، تشمل 10 آلاف جنيه للبطاطس، وألفي جنيه للبصل، و2,500 جنيه لربع رطل من زيت الفول، و5 آلاف جنيه للخبز، ونحو 5 آلاف جنيه للسَّلَطة التي لا تضمّ سوى الطماطم والعجّور، و500 جنيه للثوم، وألف جنيه للصلصة، و11 ألف جنيه لربع كيلو من اللحم. وتوضح ربة الأسرة أنّ المشكلة لم تعد في ارتفاع سعر صنف واحد، إنما في تراكم الزيادات على مكوّنات الوجبة كلها، حتى أصبحت الوجبة البسيطة عبئاً واضحاً على ميزانية الأسرة. وبينما تبدو هذه التغييرات بسيطة في ظاهرها، فإنها تعكس تحوّلاً أكبر في سلوك الأسر تحت ضغط الغلاء إذ لم يعد السؤال فقط: ماذا نريد أن نأكل؟ وإنما أصبح ماذا نستطيع أن نشتري؟.
الجزيرة: الأسواق بين الركود وانهيار القوة الشرائية
نأكل الآن طعاماً بلا طعم ليجعلنا على قيد الحياة فقط.
إخلاص جمال الدين، مواطنة بحي الكِريمِت بمحلية المناقل
امتدّت تداعيات الغلاء من مائدة الأسرة إلى الأسواق، حيث يواجه التجّار والمستهلكون معاً تراجُع القوة الشرائية واضطراب الأسعار، مع انخفاض قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية. ووفقاً لتاجر الجملة بسوق مدني الكبير، محمد فتحي الخليل، فإنّ التجّار أصبحوا يأتون إلى متاجرهم «أداء واجب»، بعد أن تحوّل العمل التجاري إلى مغامرة غير مأمونة، وأوضح في حديثه لـ «أتر»، أن أشدّ مخاطرها هو أنهم يبيعون اليوم بسعر، وعندما يذهبون في اليوم التالي لتغذية إمدادهم من السلعة ذاتها يجدونها بسعر يكاد يبلغ الضعف، ويعقد مقارنةً: «في الماضي كان الزبائن يحتجّون معنا حول الزيادات، لكنهم حالياً لا يأتون أصلاً، لأنهم أيضاً يعانون معاناتنا ذاتها، بسبب ضيق ذات اليد، وارتفاع الأسعار إلى ما يفوق طاقتهم بأضعاف».
ويقول الخليل، إنهم باتوا يأتون إلى السوق ويأكلون ويشربون القهوة، بينما لا أحد يشتري منهم: «كان المعهود سابقاً أن تجد مئات الشاحنات ممتلئة بالبضائع، تدخل إلى السوق، وتنتظرها شاحنات صغيرة، لتُحمَّل منها نحو المحليات الأخرى، وهذا مشهد كاد أن يختفي حالياً».
وفي سوق المسلَّمية وسط الجزيرة، يقول التاجر النعمان جبر السيد لـ «أتَر»، إنَّ التجار في سوق مدني متمسّكون ببضائعهم ويرفضون البيع، لأنهم إن باعوا بسعر اليوم فلن يستطيعوا شراء السلعة ذاتها غداً، وهو عينُه ما جعل النعمان وزملاءه يُحْجِمون عن البيع في متاجر التجزئة الخاصة بهم.
وكشفت جولة لـ «أتَـر» بأسواق المِحيريبا، وأبو قوتة، وطابت، والحصاحيصا، والمناقل، عن توقّفٍ شبه تام لعمليات البيع والشراء بالأسواق، وإغلاق عدد من المتاجر أبوابها، بخاصة المخابز التي توقّف عدد كبير منها عن العمل بسبب ارتفاع تكاليف صناعة الخبز، وإحجام السكّان عن الشراء، بعد لجوء المخابز إلى بيع الرغيفة الواحدة بسعر يتراوح بين 400 و500 جنيه. ويقول بشير البدين، صاحب مخبز بسوق المناقل لـ «أتَـر»، إنه حتى مع هذه الزيادات فإن العائد «لا يغطي التكلفة».
وخلال الجولة قال عدد من المواطنين لـ «أتَـر»، إنهم أحجموا عن شراء كثير من المواد الغذائية، واقتصر شراؤهم على ضروريات الحياة. وقالت إخلاص جمال الدين، وتسكن بحي الكِريمِت بمحلية المناقل، إنها توقفت تماماً عن شراء اللحوم منذ أكثر من شهرين بسبب ارتفاع أسعارها، واستعاضت عنها في الطبخ بمكعّبات «مرق الدجاج» التي قالت إنها هي نفسها بلغت أسعاراً فلكية، وإنها سوف تتوقف عن شرائها. وأضافت: «نأكل الآن طعاماً بلا طعم ليجعلنا على قيد الحياة فقط». وتشهد الأسواق وفرةً في الخضروات مع ركود في سوقها بمعظم أسواق الولاية، ويعود السبب إلى اعتماد أغلب سكّان ولاية الجزيرة، في الفترة الأخيرة على الزراعة المنزلية وزراعة الخضروات.
متحدثاً لـ «أتر» يقول حسن مضوي الذي أحجم عن شراء ما يريد بسبب غلاء الأسعار في سوق أبو قوتة، إنه منذ العام الماضي بات لا يشتري الخضروات من السوق، وإنما يَزرعها في منزله مُكتفياً منها ذاتياً. وقد أعان توفّر المياه في قريته ود زرّوق، ريفي أبو قوتة، على شيوع الزراعة المنزلية، بعد أن تكاتف السكّان لتوصيل محطات المياه بمنظومات الطاقة الشمسية، وأعانت على ذلك أيضاً وفرة المساحات الواسعة في حيشان البيوت.
وفي سوق الحصاحيصا، أبلغ عددٌ من التجّار «أتَـر»، عن اتجاههم إلى إغلاق متاجرهم الأسبوع القادم بسبب ارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف الترحيل، وإحجام السكّان عن الشراء، ما أدّى إلى تقلّص هامش أرباحهم، وتأتي من فوق ذلك الضرائب والجبايات المتزايدة لتفاقم من معاناتهم. ويقول التاجر أحمد عمران، لـ «أتَـر»: «إنّ ما يحدث حالياً لا يحفّز على أي نشاط تجاري، وهو وَضْع لم نألفه من قبل»، ويضيف: «هذه الظروف ستدفع بالتجّار إلى ترك المهنة، لأنها تجر عليهم الديون والمتاعب. ها هي البضائع مرصوصة ولا أحد يشتري، والضرائب والعوائد تزيد، فماذا نفعل إزاء التزاماتنا؟».
أم درمان وسوق ليبيا: توقّف المبيعات وعودة «بيع الكاش»
وإذا كان الركود في أسواق الجزيرة مرتبطاً بتراجع القوة الشرائية وارتفاع الأسعار، فإنّ أسواق أم درمان واجهت إلى جانب ذلك أزمةً أخرى تمثّلت في اضطراب السيولة النقدية وتوقّف بعض المتاجر عن التسعير.
وأعلنت أغلب المتاجر الكبرى في أم درمان عن تعليق حركة المبيعات وقوائم الأسعار القديمة مؤقتاً، بسبب التقلبات الحالية في أسعار صرف الدولار وعدم استقرار السوق. وكتبت أغلب محلات الهواتف الكبرى في شارع الوادي بالثورة أم درمان إعلانات اعتذار للزبائن على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي بإيقاف البيع حتى إشعار آخر. في المقابل، لا تزال حركة البيع مستمرة على نحو متواضع في المحلات الصغيرة داخل مجمّعات ميدان الشهداء للهواتف وأجهزة الكمبيوتر، مع زيادة واضحة في جميع الأسعار.
وفي سوق ليبيا، عادت ظاهرة «بيع الكاش» من جديد؛ حيث يقتنص المواطنون الأوقات القليلة التي يعمل فيها تطبيق «بنكك» لتحويل ما لديهم من أرصدة. ويخبر المواطن محمد بله «أتَـر» بأنه اضطرّ لاستبدال مليون جنيه (مليار بالقديم) مقابل عمولة بلغت 70 ألف جنيه من أجل الحصول على السيولة النقدية (الكاش) لأنّ لديه عمّالاً لا بدّ لهم في نهاية اليوم من مبالغ نقدية لشراء كيس الملاح. وقال إنه في حال استقر وضع تطبيق «بنكك» فسيضطرّ إلى شراء خزنة وسحب قدر كبير من أمواله لحفظها بالمنزل، حتى لا يتعرّض لهذه «الزنقة» مرة أخرى.
وفي سوق أم درمان، حدث انخفاض كبير في القوة الشرائية وقلّت حركة المرتادين؛ إذ جعلت مشكلات تطبيق بنكك أغلبهم يفضّلون التعامل التجاري داخل أحيائهم السكنية، كما توقّفت العديد من مصانع الزيوت والصابون عن تغذية أسواق العاصمة.
عطبرة: إضراب التجّار احتجاجاً على الضرائب والرسوم
إنّ السوق يشهد ركوداً واضحاً وضعفاً في الإقبال على الشراء، نتيجةً لتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع سعر الدولار، وتراكم الديون على التجّار والمواطنين.
تاجر جملة بسوق عطبرة
ومع تراجُع حركة الأسواق واضطراب التعاملات في العاصمة، يواجه التجّار في عطبرة ضغوطاً من نوع آخر، مثل ارتفاع الضرائب والرسوم والجبايات. وفي الأحد الماضي، دخل تجّارٌ في سوق عطبرة الكبير في إضراب عن العمل، احتجاجاً على الزيادات في الضرائب والرسوم والجبايات، وسط حالةٍ من الركود، وضعف القوة الشرائية، وارتفاع أسعار عدد من السلع الأساسية. وأعلنت اللجنة المسؤولة عن تجّار سوق عطبرة، أنّ الإضراب في يومه الأول نجح بنسبة 100%، ورُفع الإضراب يوم الثلاثاء الماضي.
يقول تاجرٌ وعضو بالغرفة التجارية بعطبرة، فضل حجب اسمه، إنّ الزيادات الجديدة في الضرائب فاقمت الضغوط على التجّار، مُشيراً في حديثه لـ »أتَـر» إلى أنّ بعض الالتزامات الضريبية ارتفعت إلى نحو عشرة أضعاف ما كانت عليه سابقاً؛ موضحاً أنّ التاجر الذي كان يدفع ضريبةً تبلغ نحو 3 ملآيين جنيه سنوياً قد تصل الضريبة المفروضة عليه حالياً إلى نحو 30 مليون جنيه سنوياً، إلى جانب العوائد التي تخصّ الأرضيّات ورسوم والجبايات والرخص الأخرى. وأشار إلى ارتفاع رسوم بعض الخدمات المرتبطة بالمحال التجارية، لافتاً إلى أنّ تعدّد الضرائب والزكاة والجبايات والرسوم المحلية أصبح يشكل عبئاً إضافياً على النشاط التجاري. وانتقد التاجر طريقة تحديد الضرائب، داعياً إلى إجراء تقييم كلّ نشاط تجاري وفق حجمه، وتعزيز التواصل بين التجّار وديوان الضرائب قبل تحديد القيمة الضريبية. وقال إن التزامات ضريبية سابقة مرتبطة ببعض المحال المؤجّرة، مطالباً بمراجعة هذه الحالات وعدم تحميل المتاجر الجديدة التزامات تخصّ نشاطاً تجارياً سابقاً.
من جانبه، قال تاجر جملة بسوق عطبرة، فضل بدوره حجب اسمه، إنّ السوق يشهد ركوداً واضحاً وضعفاً في الإقبال على الشراء، نتيجةً لتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع سعر الدولار، وتراكم الديون على التجّار والمواطنين. ويوضح في حديثه لـ »أتَـر» أنّ التعاملات التجارية أصبحت تعتمد بشدّة على الديون، وأنّ التاجر يشتري بالدَّين ويبيع بالدَّين، بينما تتراكم الالتزامات المالية على مختلف أطراف السوق، ما انعكس على حركة البيع والشراء. ويشير إلى ارتفاع أسعار عددٍ من السلع الأساسية، من بينها السكر والدقيق والزيت والعدس والأرز، موضحاً أنّ سعر جوال السكر ارتفع بحسب إفادته من نحو 260 ألف جنيه إلى 285 ألف جنيه خلال يوم واحد، ثمّ إلى 295 ألف جنيه، قائلاً إنّ هذه الزيادات المتكرّرة جعلت التجّار يواجهون صعوبة في شراء بضائع جديدة أو بيع مخزونهم بأسعار منخفضة في ظّل ارتفاع تكلفة الشراء وضعف القوة الشرائية لدى المستهلكين. ويقول حسين النور، تاجر ملابس، إنّ بعض المحال التجارية أغلقت أبوابها حتى قبل بدء قرار الإضراب، وإنّ التجّار تعاملوا مع الإضراب باعتباره موقفاً جماعياً للحفاظ على مطالبهم.
وفي المقابل، يشتكي أحمد جابر، أحد سكان عطبرة، من الزيادات المتكرّرة في أسعار السلع الأساسية، وأنها أصبحت عبئاً على الأسر، ويشير في حديثه لـ «أتَـر» إلى أن بعض المواطنين اضطروا إلى تقليل مشترياتهم أو تأجيل بعض الاحتياجات رغم ضرورتها. وقالت آمال علي، وتسكن عطبرة، لـ «أتَـر»، إنّ إضراب المحال التجارية زاد من صعوبة الحصول على بعض الاحتياجات اليومية، مؤكّدة أن الأسر، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، أصبحت تعتمد على شراء احتياجاتها يوماً بيوم، وأضافت: «وجاء الإضراب ليزيد من معاناتنا».
وفي سياق متصل، أصدر والي ولاية نهر النيل، محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون، يوم الاثنين الماضي، حزمةً من القرارات الحكومية العاجلة لتأمين السلع الأساسية ومحاربة الغلاء والاحتكار، شملت إنشاء صندوق معاش الناس، وتجميد مشروعات التنمية لمدة ثلاثة أشهر وتوجيه مخصّصاتها لشراء الدقيق والقمح والسلع الاستراتيجية، إلى جانب إيقاف الرسوم على المخابز خلال الفترة ذاتها. كما وجّه الوالي بتشديد الرقابة على الأسواق والمخازن، ومَنْع خروج الدقيق والقمح من الولاية، ودعم الأسر المتعفّفة، وتفعيل الحركة التعاونية، مع تشكيل لجنة طوارئ اقتصادية لمتابعة تنفيذ القرارات يومياً. ويطالب التجّار بمراجعة الضرائب والرسوم والجبايات المفروضة عليهم، ووضع آلية واضحة لتحديد الالتزامات المالية بما يتناسب مع حجم النشاط التجاري والظروف الاقتصادية.
سوق الدويم: بين الغلاء وغياب القوة الشرائية
إنّ ارتفاع الأسعار وشحّ السيولة جعلا المعيشة أكثر صعوبةً.
المواطنة فاطمة اليسع
في سوق الدويم، تبدو المحال مفتوحة، لكنّ حركة البيع لا تشبه ما اعتاد عليه التجّار: يقف بعضهم خلف بضائعهم في انتظار زبون يأتي لشراء الضروري فقط، بينما تتصاعد أسعار السلع الأساسية، وتضيق المسافة بين دَخْل الأسَر واحتياجاتها اليومية.
وخلال أسبوع واحد، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية، في وقت يواجه فيه التجّار رسوماً على السلع وصعوبة في الحصول على الوقود وارتفاع تكلفة الترحيل بينما ينعكس تغيُّر سعر صرف الدولار على أسعار البضائع المستوردة.
ويقول الرشيد علي مالك، صاحب محل مواد بناء، لـ «أتَـر»، إنّ السوق في حالة يُرثَى لها، مشيراً إلى أنّه غير مستقرّ، والأسعار متضاربة، مع غياب القوة الشرائية. ويضيف أن البضائع الجديدة غير متوفرة وأنّ المواطن الذي يأتي إلى السوق يشتري الضروريات فقط. ويرى مالك أن تغيُّر سعر صرف الدولار يتحكّم في أسعار البضائع المستوردة، ما يجعل أي تغيّر في سعر الصرف ينعكس على أسعارها.
من جهته يقول تاجر الجملة، آدم عيسى لـ «أتَـر»، إنّ الأسعار تفاقمت بسبب زيادة رسوم الولاية على السلع، موضحاً أنّ الولاية تضع رسوماً على السلع التي تدخل المحلية، وتبلغ 16,500 جنيه على جوال البنّ و1,500 جنيه على جوال السكّر. ويقول آدم عيسى إنّ السوق أصبح شبه متوقف وحركة البيع ضعيفة، مشيراً إلى أنّ تجّار الجملة يعتمدون على أصحاب الدكاكين الصغيرة الذين يشترون منهم، إلا أنّ حركة هؤلاء تراجعت خلال الأيام الأخيرة. ويضيف أنّ أصحاب الدكاكين يشتكون من تكلفة الترحيل، رغم ثبات سعر الوقود، لكنّ المشكلة تكمن في صعوبة الحصول عليه، إذ إنّ البعض قد يضطرّون إلى الانتظار يوماً كاملاً في صف الوقود. ويشير إلى أنّ صعوبة الحصول على الوقود دفعت البعض إلى اللجوء من جديد إلى السوق الأسود ما أدى إلى زيادة تكلفة الترحيل.
ويقول التاجر محمد الفاضل، صاحب بقالة، لـ «أتَـر» إنّ حركة السوق ضعيفة جداً والزيادات تسبّبت في عزوف كثير من الزبائن عن الشراء، بسبب ارتفاع أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الأسبوع نفسه، إذ ارتفع سعر كيلو السكر من 6,500 جنيه إلى 7 آلاف جنيه؛ وكيلو البن من 23 ألف جنيه إلى 25 ألف جنيه، ورطل اللبن من 3,500 جنيه إلى 4 آلاف جنيه، وملوة البصل من 5 آلاف جنيه إلى 6 آلاف جنيه، وكيلو الدقيق من 4,500 جنيه إلى 5 آلاف جنيه، وكيلو الأرز من 9 آلاف جنيه إلى 10 آلاف جنيه.
وتقول المواطنة فاطمة اليسع لـ «أتَـر»، إنّ ارتفاع الأسعار وشحّ السيولة جعلا المعيشة أكثر صعوبةً، مشيرة إلى أنها توقّفت عن شراء اللبن بعد وصول سعر الرطل منه إلى 4 آلاف جنيه، وتشكو من تراجع كمية الخبز التي يحصل عليها المواطن مقابل ألف جنيه من أربع أرغفة إلى ثلاث. وتصف الوضع قائلة: «حالة صعبة وعيشة مرة، والله المستعان، ما عارفين البلد دي ماشية وين».
القضارف: تراجُع القوة الشرائية وقلق التجّار
وفي سوق القضارف تتثاقل الخطوات وتتناقص مقارنةً بالأشهر السابقة. يقول علي محمود، صاحب بقالة بالسوق لـ «أتَـر»، إنّ إقبال الزبائن انخفض كثيراً في الأيام والأسابيع السابقة، ويعزو ذلك إلى الزيادات الكبيرة في السلع نسبة لارتفاع سعر صرف الدولار، ويضيف: «ارتفع سعر جوال لبن البودرة 25 كيلو من 810 آلاف جنيه إلى مليون ومائة ألف جنيه، وجوال السكّر 50 كيلو من 260 ألف جنيه إلى 310 آلاف جنيه، وجوال الدقيق 25 كيلو من 65 ألف جنيه إلى 110 آلاف جنيه، وجوال البصل من 170 ألف جنيه إلى 240 ألف جنيه؛ بينما بلغ سعر كرتونة الهبّهان 550 ألف جنيه».
كذلك أثّرت الزيادات على التعامل مع تجّار الجملة، حسب قول علي محمود، ففي الماضي كان يدفع جزءاً من المبلغ للتاجر على أن يكمل ما عليه لاحقاً بعد البيع، أما حالياً فإن التجّار يصرّون على دفع المبلغ دفعة واحدة. ويتخوّف محمود من تناقص رأس ماله، فبعض السلع التي يشتريها ويسعّرها، يكتشف أنه لا يستطيع شراءها من جديد لارتفاع ثمنها، ما يجعله أحياناً «يشيل من رأس المال»، بحسب تعبيره.
وامتدّ تأثير زيادة سعر الصرف إلى سوق الأسمنت. يقول أحمد إبراهيم، صاحب محل مواد بناء لـ «أتَـر»: «ارتفع سعر جوال الأسمنت من 55 ألف جنيه إلى 67 ألف جنيه، وتبقت لديّ خمسة جوالات ولن أستطيع الشراء من جديد حتى استقرار سعر الصرف. وحتى الذين يزوّدوننا بالأسمنت من عطبرة توقّف بعضهم عن البيع». ويَرى أحمد أنّ المواطنين ينظرون إلى السلع التي تُباع في محلات مواد البناء بوصفها كماليات، إذ تحتل ّالسلع الغذائية الصدارة بالتأكيد، ما جعل الركود كبيراً.
وقد دفعت الزيادات الأخيرة نضال موسى، ربة منزل، لتقليل كمية بعض المشتروات. تقول لـ «أتَـر»: «بلغ سعر كيلو السكّر 7 آلاف جنيه، وربع كيلو لبن البودرة 12 ألف جنيه، وكيلو الدقيق 4 آلاف جنيه. وجعلتنا هذه الزيادات نقلّل من الأوزان التي كنا نشتريها سابقاً».
نيالا: الخريف يُضاعف ركود السوق
السلعة قد تُباع في الصباح بسعر، ثم يرتفع في منتصف اليوم.
تاجر مواد غذائية في نيالا
تواجه أسواق مدينة نيالا ضعفاً في حركة البيع والشراء، في ظل ارتفاع الدولار وصعوبة انسياب البضائع إلى دارفور، وارتفاع تكلفة الترحيل، إلى جانب العوامل الموسمية المرتبطة بفصل الخريف.
ويقول محمود إبراهيم، وهو اسم مستعار لتاجر مواد بناء في سوق موقف الجنينة بنيالا، لـ «أتَـر»، إن حركة السوق ضعيفة، وتكاد حركة الشراء والبيع أن تنعدم، وعزا ذلك إلى ارتفاع سعر الدولار وصعوبة انسياب البضائع إلى دارفور نظراً لوعورة الطريق، ما تسبَّب في ارتفاعٍ شديدٍ في أسعار البضائع. ويوضح محمود أن شهري أغسطس وسبتمبر من أصعب الشهور على الناس، ويُطلق عليهما «السمبرية»، إذ تجف فيهما مصادر دخل الأسر وتنفد مخازن المزارعين من المحاصيل، وما تبقى من المحاصيل يُستخدم تقاوي للموسم الزراعي المقبل، لذلك تتراجع الحركة الشرائية. ومضى إبراهيم مضيفاً أن البيع في الأسواق لم يعد على النحو المألوف، هذا بجانب انعدام الكاش في السوق وزيادة فاتورة الترحيل ما سبب ركوداً في السوق.
وقال محمود إن التجار أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة هم الأقدر على تخزين البضائع، موضحاً أنهم قد يُوقفون البيع عند توقع ندرة سلعة أو ارتفاع أسعارها، ثم يعاودون بيعها لاحقاً بأسعار أعلى؛ لافتاً إلى أن طريق الدبة أصبح حالياً من أكثر الطرق نشاطاً في نقل البضائع، التي تمتد رحلتها من الدبة في الولاية الشمالية إلى جبرة الشيخ في شمال كردفان، ثم إلى داخل دارفور بالعربات الصغيرة، بينما أصبحت البضائع التي تمر عبر طريق أديكونق أعلى تكلفة ولا تكفي لتغطية احتياجات السوق.
ووصف محمود سوق مواد البناء بأنه الأكثر ركوداً هذه الأيام، واصفاً سوق المغالق بأنه أصبح «ميتاً» وأن التجار يأتون إلى السوق ويتناولون وجبة الإفطار ثم يعودون في ظل تراجع حركة البيع والشراء مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثة أشهر.
ويقول تاجر مواد غذائية في نيالا، فضل حجب اسمه، لـ «أتر»، إن ارتفاع أسعار السلع الأساسية تزامن مع انخفاض عدد السكان داخل المدينة خلال موسم الخريف وبداية الموسم الزراعي، حيث يعتمد معظم السكان على الزراعة؛ موضحاً أن حركة الشراء تتركز حالياً على الضروريات، مثل السكر والزيت والملح والصابون، إلى جانب مستلزمات المدارس مع بداية العام الدراسي، وعلق على ذلك قائلاً: «هذا التغيير أفقد السوق حركته المُعتادة». ويمضي التاجر بالقول: «معظم التجار حالياً يَعتمدون على مخزونهم بسبب شح البضائع وتقلب أسعار السلع»، قائلاً إن «السلعة قد تُباع في الصباح بسعر، ثم يرتفع في منتصف اليوم». وأضاف أن صغار التجار يعملون أحياناً بلا أرباح، لأنهم يشترون من تاجر الجملة ثم يفاجأون في اليوم التالي بزيادة تتجاوز 15% في سعر البضاعة.
ويرى التاجر أن ارتفاع الأسعار في نيالا لا يرتبط بالدولار وحده، لأن غالبية التعاملات تجري بالجنيه السوداني، وتسهم فيه أيضَاً زيادة تكلفة الترحيل وعمولة الحصول على الكاش مقابل التحويل عبر بنكك، مؤكداً أن طريق أدري التشادي أصبح المنفذ الرئيس لدخول البضائع إلى الولاية بعد زيادة الأمطار وتدفق البضائع عبر طريق جنوب السودان، بينما لا يزال طريق الدبة غير سالك تماماً بالنسبة لحركة البضائع.
بورتسودان: مواجهة المشكلات التقنية
تشهد أسواق مدينة بورتسودان هذه الأيام حالة من الركود وضعف حركة البيع والشراء متأثرةً بالارتفاع المفاجئ في أسعار السلع، إلى جانب المشكلات التقنية التي تواجه التطبيقات المصرفية والتي يعتمد عليها عدد كبير من المواطنين في شراء احتياجاتهم اليومية.
يقول محمد عبد الكريم، الذي يسكن بحي سلالاب، إن تعثر المعاملات المصرفية الإلكترونية عبر تطبيقات مثل بنكك وفوري أدى إلى تباطؤ حركة الشراء، وأصبح السؤال المتكرر من الباعة للمشترين هو: «عايز تشتري كاش ولا تحويل؟». ويظل الكاش هو سيد الموقف في السوق إلى حين إتمام التحويل وظهور إشعار الدفع من ثم يقوم البائع بتسليم المشتريات.
ويضيف عبد الكريم أنه اضطر إلى تقليل مشتريات اليوم إلى نحو النصف في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار؛ إذ بلغ سعر رطل الزيت 12 ألف جنيه، بينما ارتفع كيلو البصل من 3 آلاف إلى 5 آلاف جنيه خلال أيام قليلة؛ كما تراوحت أسعار خضروات السلطة بين 10 و15 ألف جنيه، ووصل كيلو العجالي إلى 44 ألف جنيه.
ويقول محمود، وهو تاجر جملة بسوق مدينة بورتسودان، إن ارتفاع الدولار أثر بنحو مباشر على أسعار السلع وعلى نشاطه، كما يواجه التجار ارتفاع تكاليف الوقود والترحيل والشحن والتفريغ. أما في المحلات الكبيرة، فقد اضطر بعض التجار إلى إيقاف البيع مؤقتاً. يقول محمد أحمد، صاحب مغلق بشارع المغالق في سوق بورتسودان، إنه أوقف البيع عقب قفزة الدولار من 6400 إلى 7000 ثم 7100 جنيه خلال فترة قصيرة، انتظاراً لاستقرار الأسعار. ويشير إلى أنه فوجئ بارتفاع سعر الأسمنت من 4 ملايين و500 ألف إلى 7 ملايين و500 ألف جنيه، ما دفعه إلى التريث في البيع خشية استمرار الارتفاع.



