أتر

ماذا لو كان الحوار الذي نريد ليس هو الحوار الذي نحتاج إليه؟

ذهب عددٌ من السودانيين المقيمين خارج البلاد، بينهم محامون معروفون وأكاديميون وناشطون سياسيون، ودبلوماسيون، وصحافيون، وغيرهم، في عدة زيارات إلى السودان شملت بورتسودان والخرطوم وربما بعض المدن الأخرى. لم تنقطع هذه الزيارات منذ مطلع العام 2026، وازدادت أكثر بعد التقدّم العسكري للقوات المُسلَّحة. هذه الزيارات لم تُنظِّمها الحكومة بالضرورة، ولا كانت من ترتيباتها، بل علمت «أتَـر» من أكثر من مصدر، أنّ الزائرين هم من تكفّلوا بمعظم هذه الزيارات أو دبّروها بطريقتهم. وقابلوا خلالها سياسيين محليين، وناشطين، وأكاديميين، ومسؤولين في الحكومة بما في ذلك رئيس وأعضاء مجلس السيادة.

تحدّث أحد الزائرين مع «أتَـر»، مُشترطاً حجب اسمه وهويّته، أنّه كان يسعى إلى فهم وجهات نظر الجميع في كيفية إنهاء الحرب: «قابلت أشخاصاً من الإسلاميين، والجيش، والحكومة، وكتلاً سياسية، وأفراداً من جهاز الأمن، وكلّ من رغب ووافق على مُقابلتي». وحينما سألَتْه «أتَـر» عن ما دَفَعَه لإبقاء لقاءاته في الخفاء، قال: «في الوقت الراهن فقط، تعرفون كيف هي حساسية الناس، ولأنّ غرضنا تقريب وجهات النظر وإنهاء معاناة أهلنا، لكن قريباً سيكون الوقت مناسباً للحديث عن ما نقوم به».

تحدَّثت «أتَـر» إلى أكثر من 10 أشخاص، كان لبعضهم اتصال مباشر بالمناقشات التي دارت أثناء الزيارات، وكان بعضهم قريباً منها، مكّنتهم صلاتهم من الوصول إلى معلومات تفيد بأنّ أكثر من مبادرة كانت تتحرّك حينها، ومنهم أشخاص التحقوا بأكثر من وفد لهدف واحد وهو إقناع السُّلطات العسكرية، وتحديداً رئيس مجلس السيادة، بتأييد ومباركة وضمان أن يكون هناك حلّ سياسي للحرب في السودان.

 قال أحد المصادر لـ «أتَـر»: «في زيارتنا الأخيرة في يوليو الماضي وجدنا الجميع يبحثون عن حلّ». تردّدَت عبارة «البحث عن حلّ» على لسان أكثر من مصدر واحد، وهذا يعني أنه لم يكن هناك مَن يحمل تصوّراً لكيفية إيقاف الحرب. الجميع يقرّون بأنهم يبحثون عن طريقةٍ لحوار يحدِّد آليات إيقاف الحرب وأسس النظام السياسي البديل، ويتيح فرصةً للحديث عن التفاصيل؛ لكن كلما حانت هذه الفرصة احتمت القوى السياسية بقضية «المشكلات الجذرية»، واختلفت في ماهية المشكلات التي تريد حلّها.

في نهاية أغسطس الماضي، عقدت اللجنة التيسيرية للحوار السوداني – السوداني، أول مؤتمر صحفيّ لها في فندق السلام روتانا بالخرطوم. قالت اللجنة في بيانها الأول: «انطلاقاً من اللحظة الوطنية الحرجة التي يمرّ بها السودان وفي ظل معاناة قاسية يعيشها المواطن بسبب الحرب وما خلفته، تعلن مجموعة من بنات وأبناء السودان عن إطلاق جهد وطني مستقلّ لتهيئة شروط الحوار السوداني – السوداني». وأوضحت اللجنة أنّ دَورها في هذه المرحلة يقوم «على تهيئة المناخ وبناء الثقة وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية داخل والسودان وخارجه».

ما يبدو من سياق هذا الإعلان أنّ بعضاً من أبناء وبنات السودان قد تصدَّوا أو وافقوا على أداء مهمة صعبة، لم يتصدّ لها أحدٌ لأكثر من ثلاث سنوات. إنّ الجرح والتعديل والطعن وإصلاح الخطأ عمليات تأتي دائماً من التجربة، وهي بذور يُبنَى عليها.

انهالت الانتقادات وأصوات الرفض للجنة، واستمرّت لتشمل أعضاء اللجنة شخصياً في قبولهم لهذا الدّور الصعب. طالت الانتقادات الشخصية رئيس جامعة الأحفاد، سليل آل بدري، وعابت عليه هذه السقطة الشنيعة. للوقوف على حقيقة لجنة الحوار السوداني – السوداني، زارَته المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحرّيات في محلّ إقامته، وهو يقترب من الثمانين سنة. وقال بروفيسور قاسم للمجموعة، حسب ما نقل حسين سعد، «إنّ مجموعة صغيرة من السودانيين بادَرَت من تلقاء نفسها إلى إطلاق دعوة لتهيئة الحوار السوداني- السوداني. لكنه قال إنّ صلته بها انتهت بالإعلان عنها». بهذا تراجعت المجموعة السودانية من تقديم مقترحاتها؛ لانتفاء صلة قاسم بدري باللجنة.

تلقَّى قاسم بدري هجوماً عنيفاً، حتى من أقاربه، لمجرد ارتباط اسمه باللجنة. لذلك لا غرابة في الأمر إنْ حاوَل قاسم بدري أن يتخلّى عن هذه المسؤولية، ما دامت تجلب عليه وعلى أسرته وإرثه كلّ هذا الهجوم. السؤال الذي يبقى، إنْ غادَر قاسم بدري اللجنة أو بَقِي: ما الغرض من ذلك؟

إنّ إبعادَ رجل رائد من روّاد السودان، في منزلة قاسم بدري، بمنطق إنقاذِه من نفسه، سوف يَحمل في المستقبل أيَّ شخص آخر على التردّد في قبول مَهمَّة عامة. شرحَت اللجنة، أكثر من مرة، أنّ مَهمّتها هي إجراء مشاورات مع القوى السياسية والمجتمعية، وليس تحديد مَن يشارك فيه. وأبْدَت استعدادها لأن تلتقي بجميع القوى، ومن حقّها أن تطلب لقاء أيّ مجموعة وأن تسعى لجمع ما يمكن تسميته تقريراً عن حالة الوطن والقضايا التي تهمّ القوى الاجتماعية والسياسية. لا تضمن اللجنة أن ينعقد الحوار، لكنها ستَجمع لنا معلومات وبيانات ربما تشكّل مرجعية وحيدة في يوم من الأيام.

أرادت اللجنة أن تحصل على ضمانات، وحصلت عليها، تتعلّق بالحضور إلى الحوار في السودان. لكنّ ذلك لن يمنعها من أن تُسافر إلى العواصم التي يوجد بها قادة الكتل السياسية. ولا أتصوَّر مدى صعوبة أنْ يتحدَّث عمر الدقير أو مبارك الفاضل إلى الدكتور الواثق كمير أو الدكتور قاسم بدري. الفرق هنا أنّ ما سيقوله لهما سيكون مسجَّلاً أو سيُكتب في وثيقة للتاريخ.

يُقلِق كثيراً من القوى السياسية أنّ الدعوة التي أطلقها الفريق البرهان في 10 أغسطس الماضي، فيها عيوب تصل إلى درجة رفضها رفضاً تاماً. وقبل إعلان البرهان، أصدَر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بياناً ردّاً على أحاديث عابرة عن ترتيبات لحوار سياسي داخل السودان. نفَى تحالف «صمود» نفياً قاطعاً أيّ اتصالات رسمية أو غير رسمية بشأن المبادرة، لكنّ ذلك لم يمنعه من انتهاز الفرصة لتأكيد أنها على حقّ حينما قالت إنه ليس هناك حلّ عسكري للنزاع في السودان. بناءً عليه، فإنّ تحالف «صمود» يؤكّد «أنّ موقفنا دائماً وأبداً سيظلّ داعياً لإيجاد حلول فورية وحقيقية توقف الحرب ولن نكون طرفاً في حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية». عليه اقترح تحالف «صمود» الآتي لمنع حدوث ذلك. أولاً: يجب أن يكون وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية غايةَ أي عملية سياسية. وثانياً: لضمان استقلالية أيّ عملية سياسية ومصداقيتها، يجب أن تكون مستقلّة عن هيمنة أي طرف من أطراف الحرب. ثالثاً: الحديث عن حوار داخل مناطق سيطرة الجيش سيقود إلى ترسيخ تقسيم البلاد. رابعاً: المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتها لا يمكن أن يكونوا جزءاً من أي حوار يهدف لتحقيق السلام.

في 23 أغسطس الماضي – أي بعد بيان الفريق البرهان – صدَر عن مجموعة القوى المناهِضة للحرب بيان تنسيقيّ مشترك. هذه القوى تضمّ، إلى جانب صمود، عدداً من الكيانات الأخرى مثل حزب الأمة (جناح مبارك الفاضل)، والمؤتمر الشعبي بزعامة علي الحاج، وحركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد محمد النور)، ومجموعات أخرى. تحت عنوان «السلام الذي نريد»، اجتمعت هذه القوى في أديس أبابا ليومين من 22-23 أغسطس، واستعرضت السياق السياسي للنزاع، مثل الجوع والأزمة الإنسانية وجميع الاعتبارات ذات الصلة بعمق الأزمة، ومع ذلك خلصت إلى أنّ الأفضل للسودان ولقضايا شعبه أن يرفضوا دعوة البرهان للحوار. ومع أنها ليست بأيّ حال من الأحوال دعوة البرهان، لكنّ أسباب رفضها هي نفسها خطوة نحو الحوار. أولاً: قالت القوى المناهِضة للحرب، يتقدّمها تحالف «صمود»، إنّ السودان يحتاج إلى عملية سلام حقيقي وليس حواراً تضليلياً؛ دليلها لهذه الخلاصة هو التاريخ الذي لا تخطئه العين. بهذا «المنهج التاريخيّ» فإنّ الحوار، بمنطق هذه القوى، ليس من حيث الجوهر والمنهج، عمليةً للسلام بالمعنى المتعارف عليه؛ إنما هي آلية تتكون من أُطر ومفاهيم ومنهج ووقف عدائيات، وأمور التفاوض المعروفة من ترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، فوقف دائم لإطلاق النار، ضمن مسار يُسمّى «التفاوض»، ويقوم على الندّية، تَضمَنه وتُشرِف عليه آلية مستقلة.

بهذا المفهوم تفرض القوى المناهضة للحرب مساراً جديداً ومختلفاً لا يُسمَّى حواراً وإنما هو تفاوضٌ يقوم بين جهتين بالندّية.

Scroll to Top