ثمة اتفاقٌ صامتٌ يَنسجه تُجَّار محلية مروي كأنه قانون غير مكتوب؛ قانون يُوزع أيام الأسبوع بين قرى الضفاف لضمان ألا تموت نقطة جغرافية من عزلة السلع. لهذا السبب تحديداً، لا يفتح «سوق بَلَالة» وسط مدينة نوري، أبوابه بكامل طاقته طوال أيام الأسبوع، فسرُّ أهميته يكمن في كونه عقداً جوهرياً في خيط شبكة تجارية متحرّكة تُغذي الإقليم بأكمله من الفجر إلى الغروب.
يبدأ الإيقاع الأسبوعي من فجر الجمعة في قرية «السّقاي» قرب مدينة نوري، وفي ساحة ترابية لا يَرتادها أحد طوال الأيام، يتخلَّق سوق الجمعة فجأة من اللا شيء. تصل «البكاسي» و «التكاتك» مُحمَّلة بالبضائع والبهائم والناس، لتدبّ الحياة في المساحة العارية حتى أذان صلاة الجمعة. وبلا جدران تحده أو دكاكين تثبت وجوده، يفضّ السوق سامره بعد ساعات، ويعود المكان خالياً حتى يصعب على غريب لم يشهده أن يتخيَّل أن خيول التجارة ومُساومات البيع والشراء مرَّت من هنا قبل قليل.
من تلك النقطة، يبدأ الترحّل اليومي، كأن التجار رحّالة يحملون أرزاقهم على ظهور المركبات: السبت والأربعاء في بلالة، الاثنين والخميس في كريمة، والثلاثاء في تنقاسي. يرى «أسامة مسيك»، الناشط في اللجان الشعبية بمدينة نوري، أن هذا التبادل التجاري هو الإكسير الذي يضمن استمرارية الحياة وازدهار لجميع المناطق بالمحلية؛ فلا يضطر سوق واحد لتحمل عبء التمويل اليومي، بل يكمل كل سوق ما نقص بالآخر في اليوم التالي.
مع ساعات الفجر الأولى ليومَي السبت والأربعاء، يتبدَّل شكل سوق «بَلَالة» الهادئ تماماً؛ يفيض المكان بالناس القادمين من نوري والقرى المجاورة وجميع الأماكن بين كريمة والدبة، ليتحوَّل الشارع الرئيسي وحواري السوق إلى لوحة حية تعج بالحركة. تتزاحم «الكوارّو» و «التكاتك» جنباً إلى جنب مع سيارات النقل القادمة من مروي، والحقاب، والدبة، مُحمَّلة بأجود أنواع الخضار الطازج. على جانبي الطريق، يفرش الباعة أقمشتهم وحصائرهم على الأرض، لتتراكم فوقها أهرامات التمر الطازج أو كراتين المانجو حسب الموسم، والسلع الأخرى مثل الصابون والزيوت القادمة عبر الحدود المصرية، وأكياس السكر والحبوب.
تختلط في الهواء أصوات الجزارين في السلخانة ونداءات باعة الخضروات المنتظمة وصوت التجمعات عند قهوة «خليفة رحمة»، حيث يحتشد الزوار لارتشاف القهوة وتبادل الأخبار قبل خوض مساومات الأسعار. إنه ليس مجرد مكان للتسوق، بل هو العُشرة واللقاء الحي الذي ينتظره السكان من أسبوع إلى آخر يليه، ليجدوا كل ما تشتهي بيوتهم من طعام وسمك ولحوم وخضار طازج.
لكن لماذا يظل «سوق بَلَالة» تحديداً حجر الزاوية في هذه الذاكرة التجارية؟
لتفهم أهميته، عليك أن تعود بالزمن إلى خمسينيات القرن الماضي. قبل أن يُعرف باسمه الحالي، كان يُدعى «سوق ود شَنّة» في مكان وصفه الناس بقولهم: «على تحت من هنا» أيَ أنه كان أقربَ للنهر. في تلك الحقبة، كانت الحكومة تعمل على تنظيم المساحات وتخطيطها، ولم تكن الأراضي تُمنح بالوثائق الحديثة، بل بصوت «الجرس» الذي يُجلجل في الأرجاء؛ مُعلناً بدء المزاد العلني: يُنادي السمسار على القطع، وتُضرب الأجراس، ليتنافس الراغبون في وضع حجر الأساس لدكاكينهم.
ومع أصوات الجرس، لم تتشكل محال التموين وحدها، بل وُلدت المقاهي التي غدت أوردة السوق الاجتماعية. ظهرت «قهوة خليفة رحمة»، و«قهوة كرم الله»، وغيرهما من المساحات التي لم تكن مجرد أماكن لشرب الشاي والقهوة فحسب، إنما «برلمانات» مفتوحة لمتابعة حركة الأسعار، وانتظار قوافل التجار، وتبادل أخبار النيل والبلدات الممتدة من أم بكول والدبيبة حتى الدبة.
غير أن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً؛ ففي عام 1988، ضرب الفيضان الكبير المنطقة ليطمس جميع معالمها البارزة. غمرت السيول المتاجر وجرفت المباني الطينية، واضطر السكان لبناء رواكيب مؤقتة في الجبل، منتظرين شهوراً طويلة حتى تجف الأرض. حينها، لم تكن العودة مجرد إعادة فتح للدكاكين القديمة، لكنها كانت عملية إعادة تأسيس إنسانية وتجارية من الصفر.
في تلك اللحظة الفارقة، كان العم «محيي الدين الزاكي» واحداً ممن خاضوا طين التعافي. ورغم استقراره آنذاك في مدينة أم درمان، لكنه عاد فور سماعه بخبر الفيضان الذي أغرق مسقط رأسه في منطقة حلوف جوار بلالة. عاد بعد الفيضان ليبني دكانه شبراً بشبر، رفقة أقرانه الذين خسروا كل شيء، ليُشارك في إعادة تشكيل هُوية بلالة العمرانية والتجارية من جديد في تسعينيات القرن الماضي.
واليوم بعد عقود من الزمن تظهر علاقة مُربكة بين التجار والجهات الحكومية؛ ففي صبيحة السبت والأربعاء، تجوب طواقم التجميع والمحلية أرجاء السوق لجمع الرسوم. وعلى جميع باعة «الفرشات» على الأرض وأصحاب التربيزات ومحلات الخضار، دفع رسوم رمزية يومية مقابل المساحة التي تُأخذ من السوق. وذكر التجار أن مبلغ الرسوم يجري تحديده حسب نوع السلع المُباعة. أما الدكاكين والمحلات الثابتة، فتأتي إليهم لجنة الضرائب سنوياً لتقدير المبالغ المُترتّبة عليهم. ذكر البعض أن هذه هي المحطة الوحيدة التي يضطرب لها صفو السوق، ويصف البعض المشهد عند انتشار خبر قدوم اللجنة: تُغلق بعض المحال والطبليات غير المستقرة وبعض الباعة «الفِرّيشة»، وينسحبون مؤقتاً لتفادي الاحتكاك بهم، وقد تكون هذه هي أقصى مراحل التذمر التي قد تراها في أرجاء سوق بلالة، حيث يعيش معظمهم في تآلف شعبي وصفو بين التجار والزبائن.
ولم تكن رسوم المحلية هي الوجه الوحيد لإدارة السوق. في بداية الألفية الثالثة، وتحديداً بين عامي 2004 و2005، كان سوق بلالة يخضع كذلك لمتابعة صحية مُنتظمة، بحسب إفادة ضابطة صحة عملت في السوق خلال تلك الفترة، وتحدثت لـ «أتر»؛ كان فريق الصحة يضم ضابط الصحة والملاحظ ومساعد الملاحظ، ويتولّى تفقّد الباعة والتأكد من امتلاكهم كروتاً صحية سارية، تسمح لهم بممارسة البيع، خاصة من يتعاملون مع الطعام والخضروات واللحوم، بما يضمن الحد من انتقال الأمراض عبر ما يُعرض في السوق. وكان التفتيش يمتدُّ إلى الذبائح أيضاً، إذ يحضر الطبيب البيطري في صباح كل يوم سوق لفحص اللحوم، ولا يسمح ببيع الذبيحة إلا بعد التأكد منها ووضع الختم الذي يُثبت فحصها. وإذا وجد ضابط الصحة لحوماً لا تحمل الختم، كان يمنع بيعها.
وتتذكر ضابطة الصحة أن الرقابة لم تكن تقتصر على البطاقات والذبائح، بل شملت طريقة عرض الطعام نفسه. كانت تمنع باعة الخضروات من فرش بضائعهم على الأرض، وتُلزمهم باستخدام طاولات نظيفة لعرض الخضروات عليها. أما اليوم، فتقول الإفادات الواردة من تُجار بالسوق، إن وجود المحلية ما زال قائماً، ويأتي أفراد منها برفقة بعض العاملين في الصحة، إلا أن المتابعة الصحية لم تعد بالانتظام نفسه. وبحسب ما أفادت به مصادر تعمل بالسوق وعلى معرفة بأوضاعه، فإنّ أفراد الصحة يزورون السوق مرة واحدة كل شهر تقريباً، ولا تشمل الزيارات جميع أيام السوق، بينما يحمل معظم الباعة كروتاً صحية قديمة لم تخضع للمراجعة. أما ختم الطبيب البيطري الذي كان يثبت فحص اللحوم، فلم يعد حاضراً في المشهد كما كان، ولا يبدو أن هناك فحصاً بيطرياً منتظماً للذبائح في أيام السوق. وفي الوقت الذي كانت فيه الرقابة تمنع فرش الخضروات على الأرض، أصبح ذلك اليومَ جزءاً من المشهد المُعتاد في سوق بلالة.
ومع تجدُّد السنوات وحتى يومنا هذا، تبدَّلت الوجوه والملكيات؛ فغادر بعض المالكين الأوائل وتركوا محالهم لمستأجرين جُدد، وانتقلت القهاوي القديمة بين أيدي الأبناء والأحفاد معتزة بأسمائها الأولى. وعلى سبيل المثال، فإن قهوة «خليفة رحمة» يمسك بزمامها اليوم أحمد خليفة، حافظاً إرث والده وجده.
واليوم، عندما يشرق صباح السبت أو الأربعاء، وتزدحم أزقة «سوق بلالة» بالباعة القادمين من تنقاسي ومروي، وبزبائن الخضار والتمر والمعادن، يبدو السوق كأنه مسرح حي يشهد تعاقب المواسم الزراعية، وتتوافد إليه المحاصيل المختلفة، وتدور فيه الأمور التي تهمُّ تجار المنطقة. ربما لم تعد الإدارة الصحية اليوم كما شهدها الناس في السابق، لكنّ كثيراً من الباعة اليوم يتمسكون بكروتهم الصحية، ويتأهَّبون لعودة الفحص الدوري؛ لأنهم يعتبرونه قاعدة مهمة من قواعد السوق. وبينما تتجاور كل تلك القصص في السوق، تظل في المكان ذاكرة «سوق ود شَنّة»، وأصداء مزادات «الجرس» التي مثّلت بداية قصته، وتظل ذكرى ما واجهوه جميعاً بعد الفيضان، تُشكِّل لوحة حية تختصر قوة التكاتف الشعبي وصموده، ليس حول السوق وحده، بل حول محلية مروي والولاية الشمالية.