تشهد ولايات إقليم دارفور تدهوراً خطيراً في الأمن الغذائي؛ وذلك نتيجة لفشل الموسم الزراعي وتراجُع المراعي الطبيعية بفعل الجفاف. ومن مليط وكُتم شمالاً، إلى ياسين وأبو كارنكا والضعين شرقاً، ونيالا جنوباً، تتطابق شهادات المزارعين وغرف الطوارئ، لتؤكد دخول المنطقة في أزمة إنسانية مركبة، تجمع بين شح الأمطار ومياه الآبار، والارتفاع القياسي لأسعار المحاصيل، ونفاد المخزون الغذائي.
ويتخوف المزارعون من أن يتسبَّب الشح الكبير في الأمطار هذا العام، في تعميق الجراح التي خلفتها سنوات من الحرب والنزاع، حتى وصلت فيها معدلات الأمن الغذائي لأدنى مستوياتها. ويمتد تخوّف المزارعين الذين يفقدون مخزونهم، إلى أن يُسهم الجفاف في شل قدرتهم على تعويض ما فقدوه، في معاناة، بات سكان الإقليم، يعيشون في كنفها.
وكان رئيس وزراء حكومة السلام – المعينة من قبل تحالف تأسيس – محمد حسن التعايشي، قد وجه خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حذّر فيه من مؤشرات مناخية وإنتاجية وإنسانية تنذر باتساع أزمة الغذاء في السودان وامتداد تداعياتها إلى دول المنطقة، ما لم يُتخذ تحرك دولي مبكر ومنسق. وقال التعايشي إن تراجع معدلات الأمطار واضطراب توزيعها، بالتزامن مع مخاطر الجفاف الزراعي وانخفاض إنتاج المحاصيل والمراعي، يشكل تهديداً مباشراً لملايين السودانيين الذين يعتمدون على الزراعة المطرية والرعي مصدراً أساسياً للغذاء والدخل.
في المقابل حذّر وزير الزراعة بحكومة إقليم دارفور – المُعيَّن من قبل الحكومة المركزية – الصادق برانقو من كارثة وشيكة تتمثَّل في شبح المجاعة الذي بات يُهدِّد حياة ملايين السكان في معظم مناطق إقليم دارفور، وقال إن هذا الخطر لا يقل تأثيراً عن أهوال الحرب. وناشد المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية الاضطلاع بأدوراهم والقيام بمسؤولياتهم تجاه إنسان الإقليم والسودان. ونبه برانقو بحسب موقع حركة جيش تحرير السودان- المجلس الانتقالي، إلى ما قال إنه «تكالب التحديات» على إنسان ومزارع الإقليم، مشيراً إلى أن أبرز المهددات التي تؤثر على قوت المواطن هي شح الأمطار هذا العام والذي أدى إلى جفاف الأراضي المزروعة وتيبس المساحات الشاسعة المخصصة للرعي الطبيعي للماشية، بجانب الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها قوات الدعم السريع بحق المزارعين، «التي تجاوزت القتل والتهجير إلى التعمد المباشر بإتلاف الحقول والمزارع عنوة، لا سيما مزارع الفاكهة والمحاصيل النقدية التي تشكل عصب الاقتصاد المحلي ومعاش المواطن».
تدهور الزراعة والثروة الحيوانية
أفكر في النزوح بماشيتي لمكان تتوفر فيه المراعي، لكني لا أدري إلى أين سأذهب، فكل مكان سألت عنه، وجدت أن ذات الوضع الذي نعيشه ينطبق عليه.
موسى الرضي جبارة، راعي ماشية، بمنطقة الصياح بولاية شمال دارفور
وفي ولاية شمال دارفور التي تعد واحدة من أكثر المناطق جفافاً بإقليم دارفور، يعيش مزارعو غربي مليط والمناطق المختلفة حولها حالة من القلق، بسبب شح الأمطار وانحباسها في كثير من المناطق. وفي المقابل أكد عددٌ من المُزارعين بمدينة مليط في شمال دارفور، أن الأرض لا تزال بوراً، ولم يتمكنوا من بدء عمليات الزراعة بسبب انقطاع هطول الأمطار. ومع اقتراب نهاية الموسم الزراعي، فإن الآمال تنخفض في إنقاذه.
ويتعدى إحساس الجفاف ومترادفاته من أحاسيس أخرى القطاع الزراعي، ليمتد إلى قطاع آخر يشكل ضلعاً أساسياً في مُعادلة الأمن الغذائي، وهو قطاع الثروة الحيوانية، إذ تُعاني الماشية من الجوع بسبب شح الأمطار. يقول موسى الرضي جبارة، راعي ماشية، بمنطقة الصياح بولاية شمال دارفور لـ «أتَر»: «أفكر في النزوح بماشيتي لمكان تتوفر فيه المراعي، لكني لا أدري إلى أين سأذهب، فكل مكان سألت عنه، وجدت أن ذات الوضع الذي نعيشه ينطبق عليه».
وليس بعيداً من مليط، تعيش منطقة دليبة، الواقعة غربي مدينة كُتم، والقرى المجاورة لها المخاوف بسبب فشل الموسم الزراعي. وقالت غرفة طوارئ دليبة، إن معظم السكان والنازحين يعتمدون على الزراعة المطرية في معيشتهم، بينما تواجه الثروة الحيوانية أيضاً خطراً متزايداً بسبب نقص الحشائش والمياه، ما يُثير مخاوف من تفاقم انعدام الأمن الغذائي وخطر المجاعة.
وكشفت الغرفة أن شُحَّ الأمطار تسبَّبَ في مُعاناة سكان المنطقة من أزمة مياه حادة نتيجة الاعتماد على مصادر مياه موسمية وآبار عميقة يتراوح عمقها بين 25 و30 متراً، مع انخفاض مناسيب المياه خلال فترة الجفاف. وناشدت غرفة طوارئ «دليبة» المنظمات الإنسانية والخيرية والجهات المعنية التدخل العاجل لتوفير المواد الغذائية ومصادر المياه الصالحة للشرب، والحد من تفاقم معاناة السكان والنازحين.
وفي محلية كُتُم أيضاً، قالت غرفة طوارئ منطقة عين سيرو، إن المنطقة تشهد أوضاعاً إنسانية ومعيشية متدهورة، نتيجة شح وانعدام الأمطار خلال الموسم الزراعي، الأمر الذي انعكس بنحو مباشر على حياة السكان والنازحين ومصادر غذائهم ومعاشهم.
وقالت في بيان طالعته «أتَر»، إن هذه الظروف المناخية القاسية أدت إلى تدهور واسع في الأوضاع الزراعية والرعوية، وأصبحت المنطقة تواجه مؤشرات خطيرة لأزمة غذائية وإنسانية تستدعي التدخل العاجل من الجهات الإنسانية والمنظمات الوطنية والدولية.
وقالت الغرفة، إن المنطقة تشهد خلال الموسم الزراعي الحالي شُحّاً شديداً في الأمطار، مما أدى إلى فشل عدد كبير من الزراعات والمحاصيل، التي يعتمد عليها السكان بصورة أساسية في توفير الغذاء ومصادر الدخل. وتعرّضت مساحات زراعية واسعة للجفاف والتلف، وأصبحت بعض المزارع غير قادرة على الإنتاج نتيجة عدم كفاية المياه وانقطاع الأمطار في المراحل المهمة من الموسم الزراعي.
وقالت إن الآثار امتدت أيضاً على نحو مُباشرٍ إلى الثروة الحيوانية التي تمثل مصدراً أساسياً للمعيشة بالنسبة للسكان. وقد أدى ضعف الموسم المطري إلى انعدام أو ندرة القش والمراعي الطبيعية، الأمر الذي تسبب في ضعف المواشي، ونفوق أعداد منها بسبب الجوع والعطش وعدم توفر الأعلاف الكافية.
ورسمت الغرفة صورة مأساوية للوضع الإنساني للسكان والنازحين، الذين يعانون من ظروف إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، إذ تزامن فقدان المحاصيل وتراجع الثروة الحيوانية مع ارتفاع الاحتياجات الأساسية للأسر. وقالت إن النازحين والأسر الأكثر ضعفاً يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على الغذاء والمياه ومستلزمات المعيشة، بينما أصبحت قدرة المجتمع المحلي على تقديم الدعم والمساعدة محدودة نتيجة تأثر مصادر دخله ومعيشته.
إن تأخر الأمطار بهذا النحو غير المسبوق يهدد الموسم الزراعي بالفشل التام، الأمر الذي ينذر بمجاعة محتملة.
غرفة طوارئ شوباني
وفي شمال مدينة كُتُم بولاية شمال دارفور، حيث تقع منطقة شوباني، يقول عدد من المزارعين لـ «أتر»، إن الأراضي لا تزال بوراً وإنهم لم يتمكنوا من بدء عمليات الزراعة بسبب انعدام الأمطار؛ ومع اقتراب نهاية الموسم الزراعي، تتضاءل الآمال في إنقاذه.
وقالت غرفة طوارئ شوباني في بيان طالعته «أتَر» إن تأخر الأمطار بهذا النحو غير المسبوق يهدد الموسم الزراعي بالفشل التام، الأمر الذي ينذر بمجاعة محتملة. وكشفت عن معاناة كبيرة للرعاة في سبيل إيجاد مراعٍ لماشيتهم، وقالت في بيان: «مافي قش» لهذا العام، مما يهدد بفقدان أعداد كبيرة من الماشية بسبب الجوع والعطش.
ووفقاً للغرفة، فإن المجتمعات الزراعية تشهد تدهوراً مُتزايداً في الوضع الإنساني نتيجة فشل الموسم الزراعي بسبب شح الأمطار وعدم انتظامها، إلى جانب تأثيرات النزوح والصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وتقول الغرفة إن فشل الإنتاج الزراعي، أدى لأن تفقد الأسر مصدرها الأساسي من الغذاء والدخل، الأمر الذي يُهدِّدُ بزيادة مُستويات الجوع وسوء التغذية، ويضع المجتمعات الأشد ضعفاً أمام خطر حقيقي من انعدام الأمن الغذائي والمجاعة. وأدى فشل الموسم الزراعي إلى انخفاض كبير في توفر المحاصيل الغذائية، مع استنزاف كثير من الأسر للمخزون المتبقي من الموسم الزراعي السابق، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وأصبحت الأسر محدودة الدخل غير قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية. وأشارت الغرفة إلى أنها تخشى من تفاقم الأزمة خلال الفترة المقبلة في حال استمرار انحباس الأمطار، وعدم وصول المساعدات الإنسانية عاجلاً.
وفي ومنطقة ود قنجة، بوحدة فتاحة الإدارية، بمحلية اللعيت جار النبي بولاية شمال دارفور، تواجه المجتمعات الزراعية والرعوية مؤشرات مقلقة، في ظل تأخر وضعف هطول الأمطار خلال الموسم الزراعي الحالي 2026، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن قدرة المزارعين على استكمال الموسم الزراعي، واستمرار توفر المراعي ومصادر المياه للثروة الحيوانية. وتشير إفادات المزارعين إلى أن مساحات من الأراضي لا تزال دون زراعة بسبب شح الأمطار. ومع اقتراب نهاية الموسم الزراعي، تتزايد المخاوف من انعدام الأمن الغذائي وانقطاع سبل كسب العيش.
نزرع ثلاث مرات أو أربع دون فائدة
الأسر جاعت، والمراعي جفّت، والحقول الزراعية لم تشهد أي إنبات لأي محاصيل هذا العام.
غرفة الطوارئ لبدو الإنسانية
في ولاية شرق دارفور، أظهرت صور ومشاهد مُتداولة من مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، أوضاعاً إنسانية متدهورة مع استمرار شح الأمطار خلال موسم الخريف، وسط شكاوى من المواطنين ومناشدات لله لإنقاذهم من خطر المجاعة. ويقول سكان من مدينة الضعين، إن ضعف هطول الأمطار يهدد الموسم الزراعي ومصادر الغذاء، في وقت تعاني فيه الأسر من ظروف معيشية بالغة الصعوبة، ما يزيد المخاوف من اتساع رقعة الجوع في المنطقة. وتُثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار انقطاع الأمطار، بالتزامن مع الحرب والنزوح وتدهور القدرة على الوصول إلى الغذاء، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في الإقليم، خاصةً إذا لم تصل مساعدات عاجلة إلى السكان الأكثر تضرراً.
وفي محلية ياسين بولاية شرق دارفور أيضاً، قال مزارعون لـ «أتَر»، إنهم اضطروا هذا العام لزراعة محاصيلهم لثلاث أو أربع مرات، بيد أن محاولاتهم جميعها باءت بالفشل التام، إذ لم يسند هذه المحاولات هطول أي أمطار، فلنحو أكثر من شهر توقف هطول المطر تماماً، وهو بالأساس بدأ شحيحاً في بداية ومنتصف يوليو الماضي، كما تُخبر المزارعة عوضية أدومة عبد المحمود، التي تقول إنها أودعت الأرض آخر ما تبقى لها من مخزون محصول الذرة المتبقي من العام الماضي، وإنها باتت تفكر في الكيفية التي تسد بها رمقها في مقبل الأيام، خاصة أن لا انفراجة وشيكة لأزمتها تلوح في الأفق. وتضيف: «الوضع صعب، وحتى الماء الذي نشربه لا نجده».
وفي منطقة لبدو بمحلية ياسين، أطلقت غرفة الطوارئ لبدو الإنسانية مناشدة عاجلة للمنظمات الدولية والوطنية والخيرين، للتدخل العاجل لإنقاذ السكان من الظروف المأساوية التي خلفها شح الأمطار. وقالت الغرفة: «الأسر جاعت، والمراعي جفّت، والحقول الزراعية لم تشهد أي إنبات لأي محاصيل هذا العام».
وأعربت منظمة الأمل والملاذ للاجئين ومنظمة دعم ضحايا دارفور عن بالغ قلقهما إزاء التقارير الواردة من محلية أبو كارنكا بولاية شرق دارفور حول فشل الموسم الزراعي وتداعياته الخطيرة المحتملة على الأمن الغذائي وسبل عيش السكان.
وقالت المنظمة، إن إفادات ميدانية نقلتها الغرف المحلية في أبو كارنكا عن عدد من المزارعين والمواطنين، كشفت أن انقطاع وشح الأمطار لنحو ثلاثة أسابيع أدى إلى جفاف وتضرر مساحات واسعة من المحاصيل الزراعية، بما في ذلك الدخن والفول، وهما من المحاصيل الأساسية التي تعتمد عليها الأسر في الغذاء وسبل كسب العيش.
كما أفاد المزارعون بأن الخسائر لم تقتصر على المحاصيل الحالية، إذ استخدم بعضهم ما لديهم من مخزون البذور في زراعة هذا الموسم، ما يُثير مخاوف جدية بشأن قدرتهم على الزراعة في الموسم المقبل.
وتُشير الإفادات المحلية إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، الأمر الذي يضاعف معاناة الأسر في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تعيشها المنطقة.
وقالت المنظمتان في نداء صادر عنهما طالعته «أتَر»، إن استمرار هذه الأوضاع وفشل الموسم الزراعي على نطاق واسع، قد يؤديان إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الجوع خلال الأشهر المقبلة، خاصةً بين الأسر التي تعتمد بنحوٍ مباشرٍ على الزراعة مصدراً للغذاء والدخل.
الأمباز يرتفع في أسوأ المواسم
بنهاية سبتمبر إذا لم تهطل الأمطار بمعدلات جيدة، فإن الضرر سيكون كاملاً وشاملاً الجميع.
عيسى محمد مسؤول البرامج بمجلس تنسيق غرف طوارئ محلية ياسين
وفي ولاية شرق دارفور أيضاً، قال مجلس تنسيق غرف طوارئ محلية ياسين، إن الموسم الحالي يعد من أسوأ المواسم خلال السنوات الماضية بسبب الانقطاع المبكر وعدم انتظام هطول الأمطار، مما يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 85% من سكان المحلية، الذين يعتمدون على الزراعة المطرية مصدراً رئيساً للمعيشة. وقال بيان صادر عن المجلس إن الخوف لم يعد من الحرب وحدها، بل من العطش والجوع والجفاف، حيث انقطعت الأمطار، وجفت المزارع والمراعي وبدأت المواشي تموت أمام أعين أهلها.
وكشف عيسى محمد مسؤول البرامج بمجلس تنسيق غرف طوارئ محلية ياسين لـ «أتَر» عن أن 50% من المساحات المزروعة بالذرة لم تنبت بذورها بعد، بينما البذور التي نبتت في البقية الأخرى، معرضة لخطر الاحتراق؛ بسبب انقطاع المطر أو التلف بسبب الرعي الجائر من قبل الماشية التي تعاني هي الأخرى من جفاف المراعي، وقال: «بنهاية سبتمبر إذا لم تهطل الأمطار بمعدلات جيدة، فإن الضرر سيكون كاملاً وشاملاً الجميع». وأضاف: «الناس هنا مصدر رزقهم الوحيد هو الزراعة والرعي»، وأشار إلى ازدياد مضطرد في أسعار المحاصيل الزراعية بأثر الجفاف، ولفت إلى أن سعر ملوة الدخن بلغ 22 ألف جنيه، بينما بلغ سعر ملوة الذرة 17 ألف جنيه.
وأشار إلى ندرة في محصول الذرة، بسبب الوضع الأمني في العام الماضي وعدم تمكن جزء كبير من المواطنين من الزراعة، وقال إن السكان في سبيل الحفاظ على ما تبقى من محصول الذرة المتناقص باتوا يخلطونه مع «الأمباز» ما أدى لارتفاع سعر الأخير، وقد ارتفع من 5 آلاف جنيه للقنطار في يونيو الماضي إلى 40 ألف جنيه حالياً. ويتوقع عيسى ارتفاع سعره مع إقبال الناس عليه، ويشير إلى أن الأمباز المستعمل الآن، جزء كبير منه مُخزَّن من مواسم سابقة، وبدأ يتغير طعمه ولونه، بيد أن الناس يتناولونه حتى يحافظوا على متبقي الذرة، كاشفاً أيضاً عن تضرر الماشية بسبب قلة المراعي، وقال: «في الأسبوع الماضي نفقت أكثر من 30 بقرة جوعاً»، وأضاف: «يومياً يتناقص عدد المواشي لدينا وتهلك، والذين يملكون مواشي كثيرة ذهبوا بها في اتجاه جنوب نحو دولة جنوب السودان أو الغرب نحو دولة إفريقيا الوسطى، والذين لا يتوافرون على أموال كثيرة تساعدهم على الحركة بقوا بمواشيهم ينتظرون وهي تموت أمامهم».
وأشار عيسى، في حديثه لـ «أتَر»، إلى ارتفاع أسعار اللحوم، حيث بلغ سعر كيلو اللحم العجالي 25 ألف جنيه، بعد أن كان قبل شهر بـ 16 ألف جنيه، وتوقع أن يواصل سعرها الزيادة مع هجرة الماشية وهلاك المتبقي منها.
شفا حفرة من المجاعة
بلغ سعر جوال الدخن بمحلية نتيقة بولاية جنوب دارفور أعلى مستوىً له، إذ بلغ سعر الجوال الواحد 620 ألف جنيه. ويتخوف المزارعون في الولاية من فشل الموسم الزراعي لهذا العام بعد الجفاف الذي أصاب الولاية. وبحسب مزارعين وسكان في نيالا والمحليات حولها، فإن المدينة لم تشهد هطولاً للأمطار منذ زمن، وإن معظم الأراضي الزراعية بالولاية لم تُزرع بعد بسبب قلة الأمطار.
وفي ولاية غرب دارفور، أعلن مجلس تنسيق غرف الطوارئ بولاية غرب دارفور، أن شح الأمطار وانعدامها الكامل في أجزاء واسعة، أدى إلى جفاف المحاصيل الأساسية وفشل الموسم الزراعي المباشر، وقالت إن الوضع يضع ملايين السكان أمام شفا حفرة من مجاعة محققة، وفقاً لبيان غرفة الولاية الذي حصلت عليه «أتَر». وقال البيان إنه في ظل اعتماد أكثر من 80% من سكان الولاية على الزراعة المطرية الموسمية لتأمين القوت اليومي، خاصة من الذرة والدُخن، فإن هذا الفشل لا يعني مجرد خسارة اقتصادية، إنما يمثل تهديداً مباشراً للحق في الحياة وتدميراً كاملاً لشبكة الأمان الغذائي في المنطقة. ولفت البيان إلى أن انعدام إنبات المحاصيل المطرية للعام الحالي يأتي فوق أزمات متراكمة أفرغتها سنوات النزاع المسلح، ما يعني غياب أي مخزون غذائي احتياطي لدى العائلات. وقالت الغرفة إنها رصدت بالفعل ارتفاعاً جنونياً في أسعار الحبوب بالأسواق المحلية نتيجة شح المعروض، في ظل عجز المواطنين عن الشراء بسبب انهيار القدرة الشرائية وتعطل الأنشطة الاقتصادية، ويرافق ذلك خطر تدهور صحي وشيك فضلاً عن جفاف الآبار السطحية والأودية الذي يهدد بنشوب أزمات عطش.
وأعلنت غرفة طوارئ منطقة قارسلبا، بمحلية كرنوي بولاية شمال دارفور، عن إجراءها مسحاً ميدانياً للمَزارع بالمنطقة وضواحيها، كشف عن مؤشرات على فشل الموسم الزراعي وتأثر المزارع. ووفق نتائج المسح التي نشرتها الغرفة، فإن 99% من بذور المحاصيل لم تجد مياه الأمطار الكافية لإنباتها، وقالت الغرفة: «الأمر يؤكد حتمية المجاعة لعدم إنبات المحاصيل، والحشائش للرعي؛ مما يهدد الماشية».



