أتر

مقابلة مع رئيس وحدة الإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية أبو القاسم إبراهيم إدريس

سجّلت مناطق تغذية النيل الأزرق في شهرَي يونيو ويوليو، جفافاً هو الأعلى في تاريخ السودان خلال الـ 46 عاماً الماضية بانحراف معياري بلغ (-2.63)، لتضع البلاد أمام حالة نادرة من «التأرجح المناخي المتطرف» التهمت آمال المزارعين والرعاة، ووضعت الأمن الغذائي والمائي على المحكّ، ورافقها انحباس للأمطار في بعض المناطق بغرب السودان ووسطه، ما فرض واقعاً صعباً على القطاع الزراعي بخلق “فجوات جافة” تتهدّد إنبات محاصيل كالذرة والدخن والسمسم، وأجبرت المزارعين على إعادة الزراعة أكثر من مرة، كل هذا بالتوازي مع تدهور لافت في الغطاء النباتي لقطاعات كردفان ودارفور والأواسط، بما يُنذر بتغيّر مبكر في مسارات المراحيل وحركة الرعاة نحو الجنوب.

في هذا الحوار، نفتح ملف الأزمة المناخية الحالية مع رئيس وحدة الإنذار المبكر، بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أبو القاسم إبراهيم إدريس للوقوف على دلالات القراءات العلمية لنماذج التنبؤ الرقمية، والتوصيات العاجلة المقدمة للمزارعين للتكيف مع هذا الشح، إلى جانب حدود الاختصاص التشغيلي بين الأرصاد ووزارة الزراعة والري، وآليات عمل نظام الإنذار المبكر متعدد الأغراض؛ الذي يواصل نشاطه بقيادة الدفاع المدني رغم ظروف الحرب الحالية.

هل يمثل الانحباس الحالي جفافاً كلياً أم هو محض تذبذب وتأخير في تراجع الفاصل المداري؟

ما نشهده حالياً ليس محض تأخير عابر للفاصل المداري، بل هو حالة نادرة من «التأرجح المناخي المتطرف (Climate Whiplash)»، فقد رصدنا انتقالاً حاداً من ربيع مطير إلى انحباس صيفي قاسٍ متأثراً بتبعات ظاهرة «إلنينو».

وباستخدام مؤشر هطول الأمطار المعياري (SPI) والمقارنة بالفترة المرجعية (1991-2020)، سجلت مناطق التغذية الرئيسة في منابع النيل الأزرق عجزاً متطرفاً بانحراف معياري بلغ (-2.63)، ما يجعل شهري يونيو ويوليو لهذا العام الأشدَّ جفافاً في سجل الـ 46 عاماً الماضية. ولضمان دقة الرصد الاستباقي محلياً، نعتمد رسمياً في الهيئة على استخدام نماذج التنبؤ العددية عالية الدقة WRF 3km و7 km عبر منصةmyDEWETRA ، والتي أكدت ضعف آليات الرفع الجوي وتكوُّن السحب الركامية العميقة.

وهنا أود التأكيد على نقطة جوهرية: هذا السيناريو المناخي لم يكن مفاجئاً لنا في الهيئة؛ كنا قد توقعنا حدوث هذا التذبذب الحاد في رصدنا وتنبؤاتنا الموسمية المبكرة، وتواصلنا رسمياً ومبكراً مع جميع القطاعات الحيوية ومؤسسات الدولة، وأبلغناها بهذه التوقعات لوضع خططها الاستباقية.

يسمع الناس كثيراً عن ظاهرة إلنينو المناخية، فما هي هذه الظاهرة؟ وما تأثيرها على السودان؟

ظاهرة إلنينو (El Niño) هي الاحترار الشاذ لسطح المحيط الهادئ، وتأثيرها تاريخياً على السودان مرتبط باضطراب الرياح الموسمية. حالياً: ساهمت إلنينو في اضطراب الفاصل المداري، ما جعل الأمطار متقطعة وشديدة الغزارة في أماكن ومعدومة في أخرى. مستقبلاً، تشير النماذج إلى أن التغير المناخي سيجعل ظواهر مثل إلنينو أكثر تكراراً وأشد عنفاً، ما يعني أن السودان يجب أن يتأقلم مع تقلبات مناخية عنيفة، مثل حدوث سيول فجائية تليها فترات جفاف طويلة. لقد شهد هذا الموسم تطوراً متسارعاً للظاهرة، مع عوامل أخرى أثرت سلباً على معدلات الأمطار وحركة السحب. التوقعات تشير إلى أن الظاهرة في تصاعد، وقد تكون الأقوى تاريخياً، وتستمر حتى نهاية شتاء العام القادم.

حتى الآن، كيف أثر تراجع الهطول في الهضبة الإثيوبية ومنابع النيل على مناسيب النيل والأنهار الموسمية؟

وما تأثيره الهيدرولوجي على الأنهار والسدود والخزانات الجوفية؟

انعكس هذا التراجع الحاد في هطول الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية ومنابع النيل، على نحوٍ مُباشر في صورة انخفاض تاريخي في الإيراد الاستراتيجي لمناسيب النيل الأزرق ونهر عطبرة والأنهار الموسمية مثل القاش وبركة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن الجهة المختصة بالأنهار وإيراداتها هي وزارة الزراعة والري وبياناتها هي المصادر المرجعية.

 أما على صعيد المناطق الريفية، فإن الحفائر والسدود الترابية تعاني من ضعف شديد في التغذية المائية وزيادة في معدلات التبخر. كما أن هذا الانحباس يقلل من معدلات الترشيح البطيء، مما يؤدي حتماً إلى تراجع أو تأخر التغذية السنوية للخزانات الجوفية واستدامة الآبار، مع التأكيد على أن وزارة الزراعة والري هي الجهة التنفيذية والسيادية المسؤولة عن إدارة هذا الملف. دورنا في الهيئة العامة للأرصاد الجوية يتركز في توفير التوقعات الموسمية، والتشخيص المناخي، والإنذار المبكر، بينما تقع مسؤولية القرارات التشغيلية لإدارة السدود، وتوزيع الحصص المائية، ووضع السياسات المائية للتعامل مع هذا الشح حصرياً على إدارة واختصاص وزارة الزراعة والري، وهي الجهة المنوط بها الإجابة عن التفاصيل التشغيلية الدقيقة في هذا الصدد.

ما أثر هذا الانحباس على عمليات إنبات البذور ومخاطر اضطرار المزارعين لإعادة البذر للمحاصيل الأساسية كالذرة والسمسم وحب التسالي؟

يخلق الانحباس المطري فجوات جافة قاسية. لكن الأثر المباشر لذلك هو إعاقة عمليات إنبات البذور، مما يضع المزارعين أمام خطر الاضطرار لإعادة بذر المحاصيل الأساسية كالذرة والسمسم، وهو ما يرفع التكلفة ويقصر عمر الموسم.

علاوة على ذلك، يرفع الإجهاد الحراري من معدلات النتح التبخري، مما يؤدي إلى تصلب التربة السطحية وتراجع جودتها، ويجعل البادرات عرضة للتلف. يزيد هذا الوضع حتماً من الضغط على مشاريع الري المروي لطلب «ري تكميلي» مبكر لإنقاذ المحاصيل، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً لإدارات السدود في ظل شح الإيراد المائي.

ما هو تقييم هيئة الأرصاد الجوية لمستوى تدهور الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية في قطاعات كردفان ودارفور ووسط السودان؟

من خلال تقييمنا لمؤشرات الغطاء النباتي (NDVI)، نرصد تأخراً ملحوظاً وتدهوراً في نمو الكتلة الحيوية للمراعي الطبيعية في قطاعات كردفان ودارفور والوسط. يضاعف هذا الشح في المياه والأعلاف من الإجهاد الحراري للماشية، ويقلل من معدلات الإنتاج الحيواني. وكنتيجة حتمية، نتوقع تغيراً مبكراً في مسارات المراحيل وحركة الرعاة نحو الجنوب بحثاً عن الكلأ والماء، ما يستدعي التنسيق المبكر لتفادي الاحتكاكات.

ما هي خدمات النشرات الزراعية الجوية (Agrometeorology) التي قُدمت لصناع القرار والمنظمات والمزارعين للتكيف مع هذا الموسم؟

كما أسلفت، نقوم في وحدة الإنذار المبكر بالتنسيق المستمر لإصدار النشرات الزراعية الجوية والتوقعات القائمة على الأثر (Impact-based Forecasts) لمتخذي القرار والمزارعين. وأهم توصياتنا الفنية العاجلة لتدارك الموقف حقلياً كانت:

– تعديل التركيبة المحصولية بالتحول الفوري لاستخدام أصناف بذور قصيرة العمر -تنضج بسرعة- ومُقاوِمة للجفاف.

– إدارة المساحات، أي تقليل المساحات المزروعة أفقياً والتركيز على تكثيف الإنتاج في المناطق ذات الرطوبة المضمونة أو التي يمكن ريها رياً تكميلياً.

– حصاد المياه بتطبيق ممارسات زراعية تحافظ على رطوبة التربة وتعظم من حصاد أي هطول محلي متوقع.

أما توصياتنا للوزارات المَعنية، فهي تفعيل خطة «إدارة الندرة»، وتنسيق توزيع الحصص المائية بين المشاريع القومية بحكمة عالية. وتوصياتنا للمزارعين في مناطق الجفاف، أن يركزوا على إزالة الحشائش لتقليل استهلاك الرطوبة المتبقية، وفي مناطق الوفرة بتكثيف الرصد الميداني لمُراقبة الإصابات الفطرية وتأمين قنوات تصريف المياه. وتَوصيتنا للرعاة بالتنسيق المُبكّر مع اللجان الأهلية لتنظيم مسارات “المراحيل” لتقليل حدة الاحتكاك وضياع الموارد.

نؤمن في الهيئة بأن الشفافية في عرض البيانات هي أولى خطوات الحل، ونظل دوماً في حالة رصد دقيق لخدمة البلاد، وفي حالة استنفار ومتابعة على مدار الساعة، إيماناً منا بأن المعلومة المناخية الاستباقية الدقيقة هي خط الدفاع الأول لأمننا الغذائي والمائي.

لدينا نظام إنذار مبكر متعدد الأغراض، وقد بدأ العمل به في ظل الحرب الحالية، وكان الإعداد له منذ ما قبلها بمشروع بقيادة قوات الدفاع المدني، وتحت إدارتها، وتدخل فيه جميع المؤسسات التي لها علاقة بالأمر مثل هيئة الأرصاد الجوية ووزارة الزراعة والري والمجلس الأعلى للبيئة وقطاعات المزارعين والرعاة.

كيف تنظرون إلى حجم الهطول المعياري حتى الآن لخريف 2026؟

وما هي توقعاتكم لما تبقى من الخريف؟

يُعد مؤشر الهطول المعياري المرآة العاكسة لحالة الموسم الزراعي. القراءات الحالية تؤكد وجود عجز تراكمي حاد في معظم ولاياتنا الشمالية والوسطى. وبالنظر إلى الفترة المتبقية من الخريف، تُشير نماذجنا العددية إلى أن شهر سبتمبر هو «الرمق الأخير» للموسم؛ إذ بدأ الفاصل المداري (ITCZ) في الانحسار الفعلي والسريع نحو الجنوب.

لذا، لا ننتظر أي تعويض مائي للمناطق المتضررة؛ فالعجز المسجل -سواء بـ SPI -2.63 في منابع النيل أو نسب العجز التي تقل عن 30% في ولاياتنا- سيظل ثابتاً، بل سيَتعمَّق ليتحول إلى عجز زراعي وهيدرولوجي. لسنا بصدد تأخير عابر، بل بصدد انكماش حقيقي في عمر الموسم الزراعي.

تضعنا جغرافيا الولايات المتأثرة أمام خريطة من التناقضات الحادة، حيث يمكننا يمكن تقسيم السودان الآن إلى نطاقين متمايزين. أولهما نطاق العجز الحاد، وهي المناطق المتأثرة بالجفاف: وتشمل ولايات الشمالية، نهر النيل، شمال دارفور، شمال وغرب كردفان، الخرطوم، وأجزاء واسعة من ولاية كسلا. هذه المناطق تعيش «أجف موسم» منذ عقود. لم يكن الانحباس المطري هنا عارضاً، بل تحول إلى جفاف زراعي ذي أثر مُباشر على المراحل الحرجة لنمو المحاصيل، مثل الطرد والإزهار، ونراقب مؤشرات مقلقة جداً بشأن فشل الإنبات في مساحات شاسعة. والثاني نطاق الوفرة المائية، ويضم ولايات سنار، القضارف، أجزاء من النيل الأبيض، والنيل الأزرق. والوضع فيها مختلف جذرياً؛ إذ سُجلت معدلات هطول استثنائية، تجاوزت 160% من المعدل التاريخي في سنار. المفارقة هنا أن «الوفرة» أصبحت تحدياً، حيث تواجه الزراعة مخاطر تراكم المياه وانتشار الآفات الفطرية نتيجة الرطوبة العالية.

بالنظر إلى حجم الهطول الحالي، ما هو تأثيره على المشاريع المرْوية والسدود؟

ثمة علاقة طردية خطيرة؛ فكلما انحسر المطر، زادت الحاجة إلى «الري التكميلي». هذا يضع إدارات السدود أمام ضغط مزدوج: شح الإيراد المائي الوارد من الهضبة الإثيوبية من جهة، والطلب القسري المرتفع من المشاريع الزراعية التي فقدت فرص الري المطري من جهة أخرى. هذا «الضغط المائي المتقابل» هو التحدي الأكبر لإدارة الموارد المائية خلال الفترة القادمة.

ما هي توقعاتكم بالنظر إلى الهطول الكلي للأمطار، على قطاع الثروة الحيوانية؟

نحن أمام ظاهرة المخاطر المزدوجة للحرارة والجفاف (Heat-Drought Compound Risk). لا يقتصر الإجهاد الحراري على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل يمتد ليشمل النتح التبخري العالي الذي يجفف المراعي قبل أوانها. بالنسبة للماشية في ولايات شمال كردفان وشمال دارفور، يؤدي ذلك فسيولوجياً إلى انخفاض الخصوبة وتراجع إنتاج الحليب. ولتأثر مصادر المياه السطحية (الحفائر والآبار)، نتوقع نزوحاً مبكراً ومكثفاً لقطعان الماشية نحو المسارات الجنوبية، مما يرفع احتمالية الاحتكاكات مع المزارعين في مناطق الوسط. وهنا، نؤكد ضرورة الاستماع لتوجيهات وزارة الثروة الحيوانية باعتبارها جهةَ اختصاص في تنظيم هذه التحركات.

كيف تنظرون إلى مستقبل الأرصاد الجوية في السودان، خاصة بعد حرب الخامس عشر من أبريل؟

رغم تحديات الحرب وتضرر البنية التحتية، نجحنا خلال العامين الماضيين في إصدار توقعات تعتمد على التنبؤ القائم على الأثر (Impact-Based Forecasting). نعمل الآن على دمج مخرجات النماذج العددية عالية الدقة مع بيانات الاستشعار عن بعد، ونطمح لتطبيق نماذج التوأمة الرقمية بالتنسيق مع إخوتنا في الموارد المائية لمحاكاة أحواض الأنهار والسدود، لتمكين صانع القرار من رؤية سيناريوهات بديلة قبل وقوع الأزمة. لقد استفادت الهيئة من شراكات إقليمية ودولية مكنتها من مواصلة خدماتها، وهي تسعى حالياً لاستعادة بنيتها التحتية، وتنشُد اهتمام الدولة بهذا المرفق الحيوي. هدفنا هو إيصال الإنذار للمزارع في حواشته ليس كأرقام جامدة، بل كـتوصية عمل مباشرة: (ازرع، لا تزرع، احصد المياه الآن).

Scroll to Top