أتر

عودة حفلات المناسبات والنشاط التجاري: كيف تغيّرت الخرطوم بعد رفع حظر التجوال؟

أعلنت لجنة أمن ولاية الخرطوم في 27 أغسطس الماضي، إلغاء حظر التجوال بالكامل، مما يُتيح للمواطنين الحركة والعمل على مدار اليوم، مع استمرار الارتكازات والأطواف الأمنية المشتركة. وكان حظر التجوال قد فرض وفقاً لأمر الطوارئ رقم (3) لسنة 2024. نص قرار إلغاء حظر التجوال على استمرار عمل الارتكازات الأمنية، وهو ما أكده شهود عيان خلال المقابلات؛ إذ أشاروا إلى وجود ارتكازات في التقاطعات والشوارع الرئيسة، إلى جانب حركة الطوافات الأمنية. في المقابل، لا توجد ارتكازات أو طوافات داخل الأحياء السكنية أو في الشوارع الفرعية. ترصد «أتر» كيف انعكس هذا القرار على ساعات العمل، وحركة المواصلات والحياة المسائية والمناسبات الاجتماعية، في الخرطوم وبحري وأم درمان.

في الجريف غرب: نشاط ليلي

حركة الشباب والسهر داخل الحي لم تتأثر، رغم القيود على الحركة.

محمد الشابي، وهو طالب في السنة الرابعة بكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة السودان

يقول محمد الشابي، وهو طالب في السنة الرابعة بكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة السودان، لمراسل «أتر»، إن الحركة داخل حي الجريف غرب بالخرطوم، والذي يقطنه، كانت تتراوح بين الضعيفة والمتوسطة خلال فترة حظر التجوال. وأوضح أن المحلات التجارية والبقالات كانت تغلق أبوابها في وقت مبكر نسبياً، ما كان يدفع السكان إلى شراء احتياجاتهم المسائية في وقت مبكر قبل موعد الحظر؛ لكنه أشار إلى أن حركة الشباب والسهر داخل الحي لم تتأثر، رغم القيود على الحركة. وأضاف أنه خلال الأسابيع الماضية، عقب قرار رفع حظر التجوال، طرأ تغير واضح على الحياة المسائية في الحي والمناطق المجاورة ذات الكثافة السكانية. ووفقاً لإفادته، أصبحت المحلات التجارية تعمل لساعات متأخرة مقارنة بالفترة السابقة، كما ازدادت حركة المواطنين في الشوارع خلال المساء على نحو ملحوظ.

أشار الشابي أيضاً إلى زيادة عدد بائعات الشاي في المنطقة؛ إذ قال، إن عددهن كان يقتصر قبل رفع الحظر على نحو بائعتين في الحي، كانتا تعملان حتى الخامسة مساءً، بينما ارتفع عددهن خلال الأسابيع الماضية على نحو ملحوظ، وأصبحت بعض بائعات الشاي يواصلن العمل حتى التاسعة مساءً، وفي بعض الأحيان حتى الحادية عشرة ليلاً. ويرى محمد أن السماح بالحركة والعمل خلال ساعات المساء والليل كان له أثر إيجابي على بائعات الشاي، إذ أتاح استمرار حركة المواطنين في الشوارع فرصة أكبر لمواصلة العمل خلال الفترة المسائية.

رفع الحظر يمدّد ساعات عمل المواصلات

وفي شارع المؤسسة بمدينة بحري، قال أحد سائقي خط بحري–صابرين لمراسل «أتر»، إن هناك تغيراً طرأ على حركة المواصلات خلال الفترة المسائية عقب رفع حظر التجوال. وقال السائق إنه كان ينهي عمله على الخط عند نحو الساعة السابعة مساءً قبل رفع الحظر، بينما أصبح يواصل العمل حالياً حتى التاسعة أو العاشرة مساءً كحد أقصى.

وأوضح أن حركة الركاب خلال الفترة المسائية لا تزال متوسطة مقارنة بالفترة الصباحية، مرجعاً كثافة الحركة صباحاً إلى ارتباطها بطلاب المدارس والجامعات، إلى جانب الموظفين والعاملين، فضلاً عن المترددين على سوق صابرين خلال ساعات الصباح. وفي الجانب الأمني، وصف السائق الوضع بأنه جيد جداً، مشيراً إلى استمرار وجود الارتكازات الأمنية بكثافة على الطريق، ومواصلة عملها على نحو طبيعي رغم رفع حظر التجوال. أما بشأن تعرفة المواصلات خلال الفترة المسائية، فأوضح أن زيادة الأجرة قد تحدث عندما لا تكتمل المركبة بالعدد الكامل للركاب، وفي هذه الحالة تجري الزيادة بموافقة الركاب أولاً.

حفلات تمتدّ إلى ما بعد منتصف الليل

بعض المناسبات فقدت جزءاً من جماليتها بسبب ضيق الوقت، إلى جانب انقطاع الكهرباء والمشكلات المرتبطة بها، والتي كانت تؤثر أيضاً على سير الاحتفالات.

محمد جادين، مصور فوتوغرافي

ومن الخرطوم إلى أم درمان، تحدث محمد جادين، مصور فوتوغرافي يسكن في حي مدينة النيل، لمراسل «أتَـر»، عن تأثير حظر التجوال على طبيعة عمله، خاصة في تغطية الأعراس وحفلاتها المسائية. وقال جادين، إنّ حظر التجوال كان يؤثر على توقيت الحفلات، إذ لم تكن الأعراس تحصل على الوقت الكافي، خاصةً في طقوس الجرتق، التي أصبحت تُجرى في بعض المناسبات على عجل بسبب ضيق الوقت. وأوضح أن تأخر العرسان في الوصول إلى موقع الحفل أو العودة من صالونات التجميل كان يزيد من ضيق الوقت المتاح للاحتفال والتصوير. وأضاف أن بعض المناسبات فقدت جزءاً من جماليتها بسبب ضيق الوقت، إلى جانب انقطاع الكهرباء والمشكلات المرتبطة بها، والتي كانت تؤثر أيضاً على سير الاحتفالات.

وأشار جادين إلى أن معظم المناسبات أصبحت تُقام خلال النهار في فترة الحظر، وتنتهي في الغالب عند الساعة السادسة مساءً، بينما كانت شركات تجهيز المناسبات والمصورون يبدأون في حزم معداتهم ومغادرة المكان قبل الساعة الثامنة مساءً.

وأوضح أن توقيت الحظر دفعه كذلك إلى إلغاء بعض ارتباطاته المهنية، خصوصاً المناسبات المقامة في أطراف أم درمان وبحري والخرطوم، بسبب صعوبة العودة من تلك المناطق في وقت متأخر، مؤكداً أنه كان يحرص على الالتزام بموعد الحظر تجنباً للمساءلة القانونية.

وقال جادين إن رفع حظر التجوال لم يُعد مواعيد المناسبات إلى وضعها السابق، لكنه بدأ يحدث تغيراً تدريجياً. وأوضح أن أصحاب الصالات ما زالوا، في الغالب، ملتزمين بمواعيد الإغلاق السابقة عند الساعة العاشرة مساءً، بينما تمتد بعض الأعراس المقامة داخل الأحياء إلى الساعة الواحدة صباحاً. وأضاف أن عدداً من المطاعم ومحطات الوقود لا تزال تغلق أبوابها في وقت مبكر، بين العاشرة والحادية عشرة مساءً، معتبراً أن المناسبات لم تعد بعد إلى توقيتها الطبيعي بالكامل، وإنما تعود بصورة تدريجية.

وأشار إلى أنه غطى، بعد رفع حظر التجوال، مناسبة في منطقة الجيلي بمدينة بحري، واستمرت حتى الساعة الحادية عشر والنصف مساءً، وهو توقيت كان من الصعب العمل خلاله في ظل الحظر السابق.

الارتكازات الأمنية مستمرة

وفي ما يتعلق بالوضع الأمني خلال ساعات الليل، قال جادين إن الارتكازات الأمنية لا تزال موجودة، خصوصاً في الاستوبات الرئيسية بمدينة أم درمان، معتبراً أن وجودها يمنحه شعوراً أكبر بالأمان وحرية الحركة، بما في ذلك العودة إلى المنزل في ساعات متأخرة.

واستشهد بعودته من منطقة الجيلي في نحو الساعة الواحدة صباحاً، موضحاً أنه مر بعدد من الارتكازات الأمنية، حيث تعامل معه أفراد الأمن، بحسب وصفه، بصورة ودية ومحترمة. وأوضح أن أفراد الارتكازات سألوه عن وجهته ومصدر قدومه، وطلبوا أوراق الهوية ومستندات المركبة، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات أصبحت روتينية، خاصة في ظل انتشار المركبات التي فُقدت أو سُرقت خلال الحرب. وأشار جادين إلى تعاون الجهات الأمنية، وتسهيل إجراءات العمل والتصاديق المتعلقة بالمصورين من جانب وزارة الثقافة والإعلام والسياحة.

شهادات متفرقة

خلال جولة لـ «أتَـر»، في مناطق متفرقة في كلّ من الخرطوم وبحري وأم درمان، تباينت آراء أصحاب المحلات التجارية كما يلي:

وسط الخرطوم

نوع النشاط مكان العمل زمن الإغلاق قبل الحظر زمن الإغلاق بعد الغاء الحظر مستوى الأمان توفر المواصلات مكان سكن صاحب النشاط
محل اكسسوارات وسط الخرطوم 6 8 آمن صعب الفتيحاب
تلفونات وسط الخرطوم 6 8 آمن صعب الكلاكلة
كافتيريا وسط الخرطوم 8 9 آمن صعب الكلاكلة
سوبر ماركت وسط الخرطوم 10 10 أمن إلى حد ما لايوجد مكان العمل

أم درمان وبحري

نوع النشاط مكان العمل زمن الإغلاق قبل الحظر زمن الإغلاق بعد الغاء الحظر مستوى الأمان توفر المواصلات مكان سكن صاحب النشاط
تلفونات أم درمان المهداوي 6 م 8 م أمن إلى حد ما متوسط امبدة
صالون حلاقة أم درمان المهداوي 10 م 12 ص آمن صعب الثورة
كافتيريا بحري المؤسسة 11 م 1 ص آمن صعب الحلفايا
محل تمباك وسجائر بحري المؤسسة 10 م 12 ص آمن لا تتوفر الشعبية
بائعة شاي بحري المؤسسة 6 م 8 م آمن صعب السامراب
تلفونات بحري المؤسسة 10 م 10 م آمن صعب الدروشاب
صيدلية بحري شارع مستشفى أحمد قاسم 10 م 11 م آمن صعب الحلفايا

تشير بيانات الاستطلاع إلى أن صعوبة المواصلات مساءً تمثل أحد أبرز العوائق أمام تمديد ساعات العمل، رغم رفع حظر التجوال. وفي المقابل، لم تتغير أوقات الإغلاق لدى بعض الأنشطة، بينما مددت أنشطة أخرى ساعات عملها بساعة أو ساعتين فقط.

أما الوضع الأمني، فتشير البيانات والمقابلات إلى أنه جيد عموماً، إذ وصف معظم أصحاب الأنشطة مستوى الأمان بأنه جيد، وهو ما يتوافق مع الانطباعات الواردة في المقابلات السابقة.

طبيعة الحياة المسائية في الخرطوم

محدودية النشاط الليلي لم تكن وليدة الحرب، بل كانت قائمة بدرجة أقل، قبل اندلاعها.

من المهم وضع هذه النتائج في سياق طبيعة الحياة في الخرطوم قبل الحرب؛ إذ كانت الحركة والنشاط في الفترات المسائية محدودة نسبياً بصورة عامة، ولم تكن الحياة الليلية ممتدة على نطاق واسع، باستثناء بعض فئات الشباب وأصحاب المركبات الخاصة، الذين كانت لهم قدرة أكبر على الحركة في ساعات المساء.

لذلك، فإن استمرار بعض الأنشطة التجارية في الإغلاق مبكراً بعد رفع حظر التجوال لا يمكن تفسيره بالكامل باعتباره أثراً للحظر السابق، أو للوضع الأمني الحالي. وتشير البيانات والمقابلات إلى أن صعوبة المواصلات في الفترة المسائية تمثل عاملاً إضافياً يحد من قدرة أصحاب الأنشطة والعاملين والزبائن على الاستمرار في الحركة لوقت متأخر.

وبالتالي، يبدو أن رفع حظر التجوال أزال أحد القيود القانونية على الحركة مساءً، لكنه لم يؤدِ بالضرورة إلى تحول كامل في نمط الحياة المسائية؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها توفر المواصلات، وطبيعة النشاط التجاري، ومستوى الأمان، ناهيك عن أن محدودية النشاط الليلي لم تكن وليدة الحرب، بل كانت قائمة بدرجة أقل، قبل اندلاعها.

Scroll to Top