«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
بماذا استعدّ محمد أحمد إذَن لمهديَّته التي نجحت، خلافاً لأكثر من مهديّةٍ متعثّرة، سابقةٍ عليه ولاحقة؟ ما هو تكوينُه الذي يَسَّر له اختراق عقدة الزمان بمثل «الحُبِّ» الذي قال آلان باديو يغيِّر اتجاه الزول، «الحُبّ» الذي هو عند إسماعيل حسن فوق الإرادة البشرية، فَتْحٌ وَكرْبٌ في آن واحد يتوحّد فيه الذات والموضوع، وينجلي الزمان بحلم كبير. الثابت أنّ محمد أحمد، الذي أضرَبَ عن الطعام ليحقِّق غرضه في طلب العلم، لم يترك باباً للعلوم في سودان القرن التاسع عشر إلا وطرَقه بدأب وحرص واتصال لا يعرفه سوى أعظم المحبّين، وأعظم العلماء وأعظم المناضلين. واجتمعت في نفس محمد أحمد الأغراض الثلاثة، مناهج الحقيقة عند باديو. وقد وَضَعه كاتب سيرته الكردفاني هذا الموضع الأشمَّ بعبارة الحقيقة الدينية؛ عبارة لا تميِّز بين ما هو جوهر وما هو اكتساب، بين الكينونة والتخلّق، بين الهويّة والثقافة، فحقيقة «الفرد في التاريخ»، بهذه العبارة، سِمَات وصِفَات حسّية تظهر لمن يعرف تفسيرها، فإنّه «عليه السلام أزهر اللون أدعج العينين أهدب الأشفار أبلج أزجّ الحاجبين، إذا افتر ضاحكاً افترّ عن مثل سنا البرق، واسع الجبين واسع الصدر عظيم المنكبين ضخم العظام رحب الكفّين والقدمين سائل الأطراف متماسك البدن معتدل الخلق مفلج الأسنان، وغير ذلك من صفاته السَّنِية. فسبحان من أطلع شمس الجمال من أفق جبينه وأنشأ غيث المكرمات من غمائم يمينه» (إسماعيل عبد القادر الكردفاني، «سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي»، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1982، ص 77).
وليس اختبارُ نثرِ الكردفاني في سلامة هذه الأوصاف موضوعياً، صَحَّت أم لم تصِحّ، أكان أزهر اللون حقاً أم مفلج الأسنان؟ فمَن يختبر ود الرضي في سلامة التبعات المستحيلة لمثل: «يمشي رِدْفُه يكادْ يَوْقِفَاه، كتفُه يَلثم طيّات قَفَاه. المرَجْرَج كِفلُه الكَفَاهُ، المزَمْزَم زيْ خاتمُه فاهُ». فماذا تُبْطِن إذن؟.
بطبيعة الحال، أدرج الكردفاني بطلَه محمد أحمد في المأثور من صفات المهدي، ومسألتُها في المجموعِ الاستثنائيةُ: أنه «الفرد في التاريخ»، بخلاف الغافِلين من حوله. وهذه الاستثنائية، ما قَبْل انفلاق الذات والموضوع في عهد الشرك الحداثي وانقسام العلوم، قضيةٌ واحدةٌ لا تَقبل القسمة أو الكسور، بسيطة أم مركّبة، فالحقُّ في تكوين المهدي والكردفاني وحدةُ الخير والجمال: ما هو حقّ لا بدَّ خيرٌ ولا بدَّ جميلٌ بالضرورة. وتجد الشاطرة تَبِعةً متدهورةً لمثل هذا التصوُّر في مثل دعاية «فير آند لوڤلي» للمرأة العربية في أول الألفية الجديدة، إذ تَعِد بوسيلة المَسُوح باستعادةِ وحدةٍ تبعّضَت: «وَشِّك منوِّر مستقبلك منوِّر»، وتفسيرها في حكمة الحياة اليومية للمسلمين في القرن الواحد والعشرين: «النور اللي في وشك ده انعكاس لي اللي جواك، لو انت شخص بتحب وبتخاف ربنا وبتنشر الإيجابية، أكيد وشك حينور، دي حاجة مجازية بس حقيقية برضو». ومفتاحُ هذا الشرح هو المجازُ الذي يُدرِكُ به المدرِكُ الحقيقةَ. فكيف استعدّ الإمام محمد أحمد لمثل هذا المَجاز الذي يحيط بالحقيقة؟ هل بعِلْم الكُونِكا في سلامة الباشا؟.
الثابت أنّ محمد أحمد حَصَد كلَّ ما يمكن حصاده من العلوم في خلاوي محيطه الخرطومي، لكنها لم تكْفِه، لم تشرح ما ألمَّ بسلامة الباشا، لم تشرح له العالَم من حوله، فانتقل في عمر السابعة عشرة، صبيّاً، إلى كُترانْج حوالي 71 كيلومتراً جنوب الخرطوم على الضفة الشرقية من النيل الأزرق، وكانت مدرسة عظيمة، مسجدُها غزير الكتب، تولَّتْها سلطات الحكم التركي المصري بالعناية، وخصَّصَت مالاً لسكن الطلاب ومعاشهم. يعود تاريخ كُترانْج إلى العهد المسيحي، وكانت مأهولة كثيرة النفوس في العهد السنّاري، وتجدَّدت حياتها في العهد التركي، إذ أمر محمد علي باشا بتعمير مسجدها وتجديده، وهو المسجد الذي قصَده محمد أحمد.
«إرادة إلى حكمدار السودان، اطّلعتُ على كتابكم العربي العبارة وما معه من الأوراق المؤرخ في 13 محرم سنة 1263 رقم 5، الخاص بطلب بناء عشر حجرات لسكنى الفقراء، وعمل سور للجامع الذي أنشئ في قرية كُترانج في مديرية الخرطوم من الطوب النيء، وأنه إذا عُمِل ذلك من الطوب الأحمر يكون أقوى وأمتن، وأنّ تكاليف ذلك تبلغ ثمانية آلاف قرش، وقد وافقت إرادتنا على إقامة السور وبناء الحجرات المذكورة من الطوب الأحمر بمبلغ ثمانية آلاف قرش، وكتبنا لكم هذا الكتاب لتباشروا العمل» (ضمن عز الدين الأمين، «قرية كترانج وأثرها العلمي في السودان»، مجلة الدراسات السودانية، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم، م 2، ع 1، مارس 1970، ص 48-96).
واستفاد محمد أحمد في الغالب من هذه «الداخلية» التي قامت في كُترانج للفُقَرا طُلاب العلم. لكن، ماذا وجد محمد علي باشا في كُترانج ليمنحها داخليةً للطلاب؟ قام مسجد كترانج الذي جدَّده محمد علي بالطوب الأحمر بجهد الشيخ عيسى بشارة، الأزهري الذي وفد إلى السودان في أول القرن العاشر الهجري، أي حوالي 1500 للميلاد، وتزوَّج ببنت الملك سليمان النار، آخر ملوك الجموعية، ثم استقرّ في كترانج التي أسَّس فيها المسجد ومدرسةً لعلوم الدين على مذهب مالك. ومسجد الشيخ عيسى، عند بعض المؤرِّخين، أوّل مسجد أُسِّس للصلاة والعلم معاً في السودان. ظَلَّ علماء مسجد الشيخ عيسى على صلة بالأزهر الشريف، وفيه نالوا إجازاتهم في العلوم وعادوا إلى كترانج للتدريس. وصار بذلك مسجد كترانج معهداً مستقراً وموقعاً لإنتاج العلوم فألَّف أساتذتُه في علوم الدين وعلوم اللغة العربية، ومن ذلك شروحٌ بتعليقاتها للمنظومة الشعرية «جوهرة التوحيد»، وهي من متون علم العقيدة ألَّفها إبراهيم اللقاني المالكي (توفى 1631 ميلادية). وفي «الجوهرة» وشروحها، التي لا بدّ أجادها الإمام وأحسنها فهي من منهج جامعة كترانج أصالةً، أكثرُ من مفتاحٍ لقضية الزمان التي واجهَتْه في «سلامة الباشا» كصدام بين خطّتين للزمان؛ خطّة دائرية يعيد فيها الزمانُ نفسَه دورةً بعد أخرى كمواقيت الصلاة، ويحيط به في دائرة كبرى اتصالُ الأزل والأبد في وحدةٍ واحدة، وخطّة خَطّية يتقدّم بها الزمان بضربات شوكات الساعة تكة تكة من ماضي حسرات إلى مستقبل لذّات، وَوشّك منوِّر:
«فواجبٌ له الوجودُ والقِدَمْ
كذا بقاءٌ لا يُشَابُ بالعدمْ
وأنه لِمَا ينال العدمُ
مُخالفٌ برهان هذا القِدمُ
قيامُه بالنفس وحدانيةْ
مُنزَّهاً أوصافُه سنيةْ
عن ضدٍّ أو شِبْهٍ شَرِيكٍ مُطلقا
ووالدٍ كذا الولد والأصدقا».
ثمّ:
«مُتكلِّمٌ ثمّ صفات الذّاتِ
ليست بغيرِ أو بعينِ الذاتِ
فقُدرةٌ بممكنٍ تعلَّقَت
بلا تَناهِي ما به تعلَّقت
ووحدة أوْحَت لها ومثل ذي
إرادةٌ والعِلمُ لكنْ عَمَّ ذي».
حتى:
«ونَزِّهِ القرآنَ أيْ كلامَهَ
عن الحُدوث واحْذَر انتقامَه
وكلّ نصٍّ للحدوث دَلّا
احمل على اللفظ الذي قد دَلَّا
ويستحيلُ ضِدُّ ذي الصِّفاتِ
في حقِّه كالكون في الجهاتِ».
شرح علماء كترانج؛ أساتذة الإمام الطالب، فضلاً عن الجوهرة، في علم التوحيد، رسالةَ «العقيدة الصغرى: أمّ البراهين» للإمام محمد بن يوسف السنوسي التلمساني (توفي 895 ميلادية) وهو تلخيصٌ للعقيدة الأشعرية، قرأ فيها محمد أحمد الطالب: «فما يجب لمولانا جلّ وعزّ عشرون صفة؛ وهي: الوجود، والقِدَم، والبقاء، ومخالفتُه تعالى للحوادث، وقيامُه تعالى بنفسه – أي لا يفتقر إلى محلّ ولا مُخصَّص -، والوحدانية – أي لا ثاني له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله -. فهذه صفات، الأولى نفسية، وهي الوجود، والخمس بعدها سلبية. ثم يجب له تعالى سبع صفات تُسمَّى صفات المعاني، وهي القدرة والإرادة المتعلّقتان بجميع الممكنات، والعلم المتعلق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، والحياة، وهي لا تتعلّق بشيء؛ والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات، والكلام الذي ليس بحرف ولا صوت، ويتعلّق بما يتعلّق به العلم من المتعلقات. ثم سبع صفات معنوية، وهي ملازمة للسبع الأولى، وهي كونه تعالى، قادراً ومريداً وعالماً، وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً». (محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، «أم البراهين»، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009، ص 27).
ولا يفوتُ القارئةَ النبيهةَ في مثل «أم البراهين» تيرابَ فلسفةِ الإمام المهدي الذي أخَذ، على خلاف الغافل منّا والهامل، العقيدةَ الأشعرية على محمل الجدّ، فالله عزّ وجلّ عند الإمام موجودٌ وقديمٌ وباقٍ، وخلاف هذه الحقيقة حوادث، دقّات شوكة طويلة وأخرى قصيرة، تنقطع لا بدّ يوم ينجلي الحقّ بنور الحقّ. والحُكم العقلي والتعليل، عند التلمساني كما هو عند المهدي الإمام، إما وجوبٌ أو استحالة أو جواز، «فالواجب ما لا يُتصوَّر في العقل عدمُه، والمستحيل ما لا يُتصوَّر في العقل وجودُه، والجائزُ ما يُتصوَّر في العقل وجودُه وعدمُه». درَس الإمام في جامعة كترانج متوناً في النحو والفقه وشروحها، فدرَس «متن العشماوية» في الفقه المالكي للشيخ عبد الباري العشماوي الرفاعي وشروح أساتذته عليها، وكذلك «متن الأجرومية» في النحو للشيخ محمد بن محمد بن داؤود الصنهاجي وشروح أساتذته عليها أيضاً. وتجد قارئةُ المنشورات أثراً لكلّ ذلك؛ التوحيد الأشعري والفقه المالكي ونحو «الأجرومية»: «افهموا يا أهل الإيمان واعلموا، أنّ المَدافع والرصاص اختبار لأهل الإخلاص، وكذلك قعقعة السيوف والسنان، وجميع ما يقع في الحروب وغيرها من المصاعب والشنآن. فمن تَحقَّق بالتوحيد، عَلِم أنّ بواطنها وتحرُّكاتها بيَد الرحمن، ومَن أبعَده اللهُ أضلّه الشيطان فزاغ عن توحيد الله وخاف من تصرّفات العدو وغاب قلبه من التحقق بأنّ ملكوت كل شيء بيد الله من جميع الأكوان» (منشورات المهدية، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1979، ص 128).
لكن، لَمْ يصبح محمد أحمد فقيهاً ولا رجل دين.
وتخرَّج في كترانج الجامعة من هذا الطراز عديدون، الشيخ الأمين الضرير كبير علماء السودان في التركية، وعبد الله ود أم مريوم، ومحمد خوجلي ود حِتيك آخر قضاة السودان في العهد التركي، وموسى ود دليل المفتي في العصر التركي، ومحمد الأمين الهندي والد الشريف يوسف الهندي، وأبو الحسن ود تيد قاضي سوبا، ومحمد الأمين أبو شمال، ومحمد التكينة، ومحمد الخبير، والضو بن الشيخ سلمان، والحاج الطيب بن الشيخ محمد بدر العبيد، ويوسف نعمة، وغيرهم من الأعلام. هذه هي الإنتلجنسيا التي أحاطت بمحمد أحمد، لكنه شقَّ صَفَّهم وخرج بالمهدية، وكان هذا الكوكب المتمرِّد يقيم أثناء دراسته بكُترانْج عند امرأةٍ تُعرَف ببِت ود سعيد!



