العطش يدمّر المحاصيل بمشروع الرَّهَد الزراعي
مراسل أتر
قال مزارعون بمشروع الرهد الزراعي، إنّ توقّف انسياب مياه الري في القنوات، أدّى إلى تلف المحاصيل الزراعية، بخاصة تلك التي في مراحلها النهائية. وفي أقسام واسعة من المشروع، يعاني المُزارعون في سبيل الحصول على مياه الري، التي تكاد لا تخرج من الترعة الرئيسة بالمشروع، لأنّ القنوات الناقلة تُعاني هي أيضاً من الكسور وتراكم الأطماء والحشائش. لكنّ الأشدّ معاناةً هم المزارعون؛ الذي استدانوا من البنوك لتمويل زراعتهم، وفي ظلّ غياب صيغ تأمينية، فإنهم يخشون مصيراً مظلماً في حال فشل إنتاج محاصيلهم.
في القسم التاسع بمشروع الرهد، يقول المزارع الأغبش فضل السيد الحاج لـ «أتَـر»، إنّ جميع المحاصيل المزروعة بالقسم عطشى، وإنّ الذرة والقطن والخضار في مرحلة حرجة، والمياه لم تصلها بعد. ويعزو الأغبش أسباب العطش إلى ما قال إنه إهمال لصيانة القنوات، ويضيف: «التُّرَع مكسَّرة، والطمي والحشائش يُغلقان المجاري لذلك تأخّر وصول مياه الري، التي يجب أن تصل في دورتها المعهودة كل عشرة أيام، لكنها باتت تأتي حالياً كلّ 20 يوماً». ويلفت الأغبش إلى أنه مع شحّ الأمطار، ودرجات الحرارة العالية، فإنّ المحاصيل التي وصلت إلى مراحل طرح الثمار، ولا تحتمل انتظار عشرين يوماً، وتتلف قبل أن تصل إليها المياه. ويكشف الأغبش عن أنّ القسم التاسع الذي هو الأكثر تضرّراً في الوقت الحالي، قائلاً، إنّ الطلمبات جميعها متوقفة بسبب شحّ الجازولين، في ظلّ غياب الرقابة من المهندسين الزراعيين، ومسؤولي الإدارة والري. ويخشى من أن يكون هو والمزارعون أمثاله قد أنفقوا أموالاً في التحضير، والتقاوي، والأسمدة، ومصاريف العمالة اليدوية، «ليحصدوا نتيجة صفرية»، على حدّ تعبيره.
وكان مزارعو القسم التاسع، قد تقدّموا بمذكرة للجهات المسؤولة، قائلين فيها إنّ انخفاض مناسيب مياه الري، وتوقّف عمليات الصيانة لآليات النظافة، فضلاً عن الشكوى من التجاهل المتكرّر لمطالبهم العاجلة، يعني تشريد آلاف الأسر وتهديد الأمن الغذائي في المنطقة. وطالبوا بضخّ كميات كافية من المياه فوراً؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير الجازولين لتشغيل الطلمبات، وتكوين لجنة طوارئ لصيانة الترع خلال 72 ساعة. وحمّلت المذكرة الحكومة كامل المسؤولية عن ضياع هذا الموسم.
ويقول كمال علي مضوي، المزارع بالقسم الرابع بالمشروع لـ «أتَـر»، إنّ العطش قد بدّد على المزارعين مالهم ووقتهم وجهدهم. ويُضيف: «تحمَّلْنا مشقة الزراعة، وكل ما نطلبه حالياً هو حقنا الطبيعي في المياه حتى نُنقذ محصولاتنا ونحصّل ثمرة تعبنا». وزاد: «لا نريد أرباحاً، نريد فقط أن نغطي ما أنفقنا في الزراعة».
ويقول المسؤول بإدارة القسم التاسع بمشروع الرهد الزراعي، خالد النور الحاج لـ «أتَـر»، إنهم يقدّرون حجم المعاناة التي يواجهها المزارعون، خاصة في ظلّ أهمية الموسم الزراعي والظروف الصعبة التي يمر بها المزارعون. بَيد أنه يشير في الوقت ذاته، إلى أنّ العمل يواجه تحديات مرتبطة بمحدودية الإمكانات المتاحة، على الرغم من المتابعة الميدانية المستمرة من إدارة الهيئة وقيادات المزارعين، كاشفاً عن تنسيقٍ بين إدارة مشروع الرهد الزراعي وإدارة الري وقيادات المزارعين، مُشيراً إلى أن العمل جارٍ لرفع مناسيب المياه، وتوصيلها إلى القسم، ومعالجة الاختناقات التي تعوق وصول المياه إلى المناطق المتأثرة.
ومنذ 1973، بدأت فكرة مشروع الرهد الزراعي، وأُسّس في 1977، وهو أحد المشاريع الزراعية الرئيسة للزراعة المعتمِدة على الري من الأنهار في السودان؛ وتبلغ مساحته 353 ألف فدان، ويضمّ مزارعين موزّعين على 120 قرية، 80 منها واقعة في محلية أم القرى بولاية الجزيرة، و40 أخرى تابعة لمحلية الفاو بولاية القضارف. ويعمل بالمشروع 15 ألف مزارع، يعولون أكثر من 16 ألف أسرة.
ويقول المهندس الزراعي والإداري السابق بمشروع الرهد الزراعي، عبد المنعم علي قسم السيد لـ «أتَـر»، إن خبراء الريّ والمصممين كانوا قد اقترحوا ريّ المشروع عبر إنشاء قنوات للري؛ تُمَدُّ من خزان الرُصيرص إلى المشروع، ضمن مساحة مقترحة تبلغ نحو 820 ألف فدان، غيرَ أنّ مشكلات التمويل حالت دون ذلك، ليُعتمد نظام للري حسب الموسم؛ ففي فصل الخريف يعتمد المشروع على مياه فيضان نهر الرهد، التي تملأ خزان أبورخم، ويقع بمحلية المفازة بولاية القضارف. ويعمل الخزان لتنظيم المياه وضبطها، ومن ثمّ توزيعها عبر الترعة الرئيسة المُمتدَّة من جنوب المفازة، ومنها تتفرع قنوات ومواجير الري التي تنقل المياه إلى مناطق المشروع والحواشات، التي تبعد حوالي 72 كيلو متراً من مدينة الفاو، حيث توجد ثلاث قنوات للري.
وفي العروة الصيفية، تُضخ المياه من النيل الأزرق عبر محطة مينا، وتقع شرقي مدينة سنجة، وتمر من خلال قناة صُممت بنظام «السايفون»، وتعبُر تحت مجرى نهر الدندر وصولاً إلى خزان أبو رخم على نهر الرهد.
ويقول المزارع بالمشروع، متوكل علي عطية المحامي، لـ «أتَـر»، إنه بينما تموت المحاصيل في المشروع بسبب العطش، امتلأت الترعة الرئيسة بالمياه حتى فاضت وانكسرت. ويعمل المزارعون على معالجة الكسور يدوياً. ولفت عطية إلى أنّ المشكلة لا تكمن في انعدام المياه، إنما فيما سَمّاه سوء الإدارة: «المسؤولون بالمشروع الذين يقع عليهم واجب متابعة المياه، يقولون إنه ليس لديهم وقود كافٍ لتحرّك سياراتهم. لذلك بقيت الترع مغلقة بسبب الطمي والحشائش، فإن كانوا لا يجدون وقوداً لتحرّكاتهم، فإننا لا ننتظر منهم وقوداً لتحريك آليات النظافة لهذه القنوات». ويتابع قائلاً: «يجري كل ذلك في ظل غياب واضح لممثلي المزارعين في الجمعيات التي اختاروها للمساهمة في معالجة مشكلات الري في مناطقهم، وهذه ليست مشكلة نقص مياه فقط، وإنما أزمة إدارة وتشغيل واستجابة»، لافتاً إلى أنّ هذا هو أول وأهم امتحان لإدارة الري بعد ضمّها إلى إدارة مشروع الرهد. ويقول إن المطلوب حالياً «إدارة حقيقية للمياه، واستجابة سريعة للبلاغات، وتحريك الآليات إلى أماكن الخلل قبل أن تتسع دائرة الضرر».
ويصف حال المشروع بأنه مُزرٍ، ولا يبعد عن مرحلة الانهيار إلا قليلاً، ويقول: «المشروع أصابه العطش مُنذ سنوات، ولم يجرِ التوصّل إلى حلول لانتشاله من وهدته، والقنوات دُمّرت بالكامل في غياب الصيانة، والترع لم تعد قادرة على استيعاب المياه». ودعا المزارعين للتحرك الفوري لإنقاذ المشروع، وأن لا ينتظروا حلولاً من الحكومة: «إذا لم يتحرّك المزارعون في جميع الجبهات بحثاً عن الحلول، سيزداد الأمر تعقيداً».
أمْري: اعتصام احتجاجاً على نية الحكومة تقسيم شركة النيل للدواجن
مراسل أتر
في نهاية أغسطس الماضي، أقام سكّان قرى أمري بالولاية الشمالية اعتصاماً لمدة أربعة أيام، داخل مباني شركة النيل للدواجن في محلية مروي، وذلك احتجاجاً على نية الحكومة تقسيم الشركة التي تُعدّ شرياناً أساسياً في خدمة مجتمع المنطقة.
وقرى أمري من القرى التي هُجّرت نتيجة بناء سد مروي، بجانب قرى المناصير والحماداب. وعوّضت الحكومة أهل أمري في 2006 ببناء قرى جديدة على بعد 60 كيلومتراً في الجهة الجنوبية الغربية من السدّ في منطقة وادي المقدَّم، ومنحتهم مشروعاً زراعياً بالمنطقة، كما أُنشئت شركة دواجن النيل في 2012 من قِبل هيئة تطوير الزراعة، التابعة لهيئة تنفيذ السدود، ويُخصَّص عائدها لمقابلة تكاليف تشغيل مشروع أمري الزراعي. متحدثاً لـ «أتَـر»، يقول الشيخ الفكي، من سكّان منطقة أمري ورئيس لجنة الاعتصام، إنّ مساحة المشروع الزراعي تبلغ 35 ألف فدان، ولبُعدِه من النيل يجري إمداده بالمياه عن طريق ثلاث روافع.
وفي أغسطس الماضي، كوّنت رئاسة الوزارة لجنة وزارية تضمّ عدداً من الوزراء وواليَي نهر النيل والشمالية، تقضي بدراسة حال شركة دواجن النيل. ويعلّق الفكي، على تكوين تلك اللجنة بأنها تجاوُز لهم كأصحاب حقّ: «لقد علمنا أنّ اللجنة تنوي تقسيم أرباح العوائد للشركة، حيث تكون للولاية الشمالية 30%، ولوزارة المالية 30%، ولولاية نهر النيل 15%، ولهيئة تطوير الزراعة 25%، فسارعنا لمخاطبة حكومة ولاية الشمالية ووزارة الزراعة الاتحادية برفضنا لتلك اللجنة، ولكن لم تأبه لنا الحكومة، فقرّرنا الدخول في اعتصام حتى تحقيق مطالبنا».
ويواصل الفكي: «لدينا جسم مطلبي اسمه المجلس الأعلى لقضايا أمري، ودَعَونا للاعتصام عبره. كانت الفكرة في البداية أن يكون الاعتصام بدنقلا مقّر الحكومة، ولكن قرّرنا في النهاية أن يكون بداخل مباني شركة دواجن النيل، فكوّنّا لجاناً للخدمات والتأمين والإعلام، وانضمّت إلينا وفود من جميع القرى تقريباً في محلية مروي، ومن خارج المحلية أيضاً، فقد جاء إلينا وفد من المناصير عبر ناظرهم خليل حربي، فالمناصير ضحايا تهجير مثلنا و «أهل وجعة»، وأكّدوا الوقوف معنا في جميع قضايانا، وقدم العديد منهم كلمات تعبر عن تعاطفهم وتأييدهم للقضية، وجاء إلينا عدد من أعلام المدينة من إعلاميين وفنانين ورياضيين ومحامين، كما جاء والي الشمالية وأكد أنه سيتابع قضايانا».
يقول الفكي، إنهم لجأوا إلى الاعتصام باعتباره خطوة أخيرة، بعد نفاد الحلول التفاوضية: «كانت لحظة الاعتصام لحظة تكاتُف؛ علّمَتنا أن في الوحدة قوة، ومضى الاعتصام سلمياً، فرغم كوننا اعتصمنا داخل شركة النيل، إلا أن الشركة لم تتأثر وواصلت عملها، فغرض اعتصامنا المحافظة على هذه الشركة». ويضيف أنهم قد أمهلوا الحكومة 72 ساعة للتراجع عن قرار التقسيم، ثمّ تواصل معهم المدير التنفيذي لمحلية مروي وطلب منهم إمهاله مدة حتى يتواصل مع المسؤولين. في اليوم الرابع للاعتصام صدر قرار من رئاسة الوزراء بتجميد الإجراءات الخاصة، حرصاً على صون مصلحة جميع الأطراف حسب البيان.
وعلى ضوء صدور البيان، رفعت اللجنة الاعتصام، وكُوّنت لجنة من خمسة أشخاص لمقابلة رئيس مجلس الوزراء واللجنة الوزارية، للوقوف على القرار السابق ومتابعة باقي القضايا التي تهمّ سكّان أمري. يضيف الفكي: «وقد قابلنا وحدة تنفيذ السدود، وأخبرونا بأن قضيتنا محلّ اهتمامهم، وسيقفون معنا حتى تتحقّق مطالبنا».
ووفقاً للفكي فإن السكان يعانون أيضاً من مشكلات في مياه الشرب، لأنها مُلوَّثة، ولم تصل إليهم الكهرباء بعد في القرى التي هُجّروا إليها. يضيف الفكي: «شركة دواجن النيل؛ مشروع أسِّس من أجل أن يوفّق أوضاعنا كمهجَّرين، إذ إنها تقوم على تكاليف مشروعنا الزراعي. وفي العام 2025، فوجئنا بقرار صادر من مجلس الوزراء بأيلولة الشركة لحكومة الولاية الشمالية، ورفضنا ذلك القرار وقتها؛ لأنّ حكومة الولاية غير معنية بتسيير الشركة، إنما ذلك من اختصاص وحدة تنفيذ السدود، وإذا أعطيت مسؤولية إدارة الشركة لحكومة الولاية فقد تضيع حقوقنا، وبالفعل تراجعت الحكومة عن ذلك القرار».
ويختم الفكي: «المرة الفاتت اتهجّرنا وقلنا ده لي مصلحة الوطن، لكن إذا الشركة دي اتفكّكت حنتشرّد، لأنو المشروع الزراعي حينهار، ومن المفترض الجهات الحكومية تكون أحرص على حقوقنا».



