أتر

حين يشحّ النيل ويشتدّ الجفاف قراءة مناخية لأزمة السودان المتشابكة كيف يحوّل إلنينو وتراجع الإطلاقات ودمار البنية التحتية مجاعة دارفور وكردفان إلى كارثة مضاعفة

خلال أغسطس الماضي، اجتاحت السيول معسكر دبة نايرة في محلية طويلة بشمال دارفور، وقُتل على إثرها طفلان. وخلَّفت الأمطار الغزيرة والرياح دماراً واسعاً في منطقة طويلة، التي تأوي نازحي الفاشر، كما اجتاحت السيول منطقة تُلُس في جنوب دارفور. وفي شرق السودان، اجتاحت السيول قرى في محلية سنكات بولاية البحر الأحمر، وكذلك الحال في عدة مناطق في السودان. حدث هذا رغم أن البلاد في مجملها تواجه حالةً من الجفاف، وتناقصَ مُعدَّل هطول الأمطار عن المتوسط. 

يمرُّ السودان بأزمة مناخية مُعقَّدة، فبينما تُواجه مناطقُ واسعةٌ في البلاد، بما فيها المناطق الزراعية المطرية شُحَّاً في الأمطار، وسط موجة جفاف تضرب إقليم شرق أفريقيا؛ تُواجه بعضُ المناطق فيضاناتٍ مُدمِّرة وإن كانت صغيرة النطاق. وفي بعض الولايات مثل وكسلا والبحر الأحمر يتزامن الظرفان معاً، وكذلك في إقليم دارفور، إذ يسود الجفاف، لكن السيول تجتاح جيوباً صغيرة مُخلِّفةً وفيات وخسائر مادية بالغة. ورغم تناقض المشهدين، الجفاف والفيضان، إلا أنهما وجهان لذات الظاهرة، مع بلوغ ظاهرة إلنينو ذروتها فوق المحيط الهادئ.

لكن أزمة الجفاف وتذبذب هطول الأمطار تأتي في ظل نزوح واسع، وانهيار كبير في البنية التحتية نتيجة الحرب، التي خلقت أيضاً أزمة اقتصادية خانقة، وكل هذا يحدث على خلفية اضطراب شديد في أسواق الطاقة نتيجة الحرب الأمريكية على إيران.

إلنينو: قوة ضرَبَتْ في التوقيت الخاطئ

تأثيرات إلنينو ضربت السودان في التوقيت الخاطئ تماماً: خلال الفترة ما بين يونيو وسبتمبر، في توقيت هطول الأمطار، لا خلال أكتوبر – ديسمبر، حيث لا مطر مُتوقع بالأصل.

في 2 يونيو، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، عن «تزايد الاختلالات في درجة حرارة سطح البحر في وسط شرق المحيط الهادئ الاستوائي؛ [وهي المنطقة المرجعية للرصد والمراقبة]، ما يُشير إلى نمط احترارٍ مُستمرٍّ قد يَدعم تطوُّر ظاهرة إلنينو. وأشار التحديث إلى احتمال حدوث إلنينو بنسبة 80%. وفي 11 يوليو 2026، أعلن مركز التنبؤ المناخي (CPC) التابع للإدارة الأمريكية الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، أن حالة إلنينو قد تشكَّلت فعلياً في المحيط الهادئ الاستوائي. ورجَّح التنبؤ أن تزداد شدة إلنينو من درجة متوسطة إلى قوية خلال خريف 2026 (سبتمبر -أكتوبر).

بالنسبة للسودان، تعني هذه الظروف تأخّر هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية، ما يعني تراجعاً في تصريف سد النهضة وتدفّق النيل الأزرق، وموجات حرّ أطول في شمال السودان ووسطه، كما أشارت توقعات مركز المناخ التابعة للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (ICPAC)، ويعني أيضاً زيادة تبخّر مياه الخزانات والأنهار، وتراجعاً ملحوظاً في مردود المحاصيل المطرية (الذرة والدخن والسمسم)، وزيادة الضغط على المجتمعات الرعوية، ما يعني ارتفاع احتمالات التصعيد في المناطق الهشة، كما وثّقت دراسات العلاقة بين المناخ والنزاع في القرن الأفريقي.

ووفقاً لتقرير أصدرته منظمة الزراعة والأغذية العالمية (الفاو)، في 3 سبتمبر 2026، سجَّلت مناطق الزراعة الرئيسة في جنوب شرق السودان عجزاً كبيراً في هطول الأمطار؛ إذ بلغت الأمطار التراكمية بين يونيو ومنتصف أغسطس أقل من المتوسط طويل الأجل بما يقارب 20% في سنار، و30% في القضارف.

لم يكن هذا العجز مُفاجئاً لمن تابع تحذيرات مركز المناخ، التابع للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (ICPAC)، الذي حذر في منتدى أديس أبابا 73، المنعقد في مايو 2026، من أن احتمال هطول أمطار دون المتوسط يتراوح  بين 30% و45% في معظم أنحاء السودان، ما بين يونيو وسبتمبر، وقد يصل إلى 80% في شمال شرق إثيوبيا المُجاوِرة. وبحسب المركز، فإن نمط توزيع الأمطار يُشبه إلى حدّ بعيد ما جرى في عامي 1997 و2023؛ وهما عامان ارتبطَا تاريخياً بأزمات مياه وغذاء حادة في المنطقة، وبحدوث ظاهرة إلنِينو.

عاد المركز في تقريره بتاريخ 24 يونيو، وعدَّل توقّعاته إلى أن نطاق الأمطار دون المتوسطة سيتسع ليشمل جميع أنحاء السودان، بنسب تتراوح بين 40% و60%. وفي ذات التقرير، حذر المركز من أن الإقليم سيواجه خطراً مناخياً مُزدوجاً في 2026 بسبب ظاهرة إلنينو، مُتمثّلاً ظروفاً أكثر جفافاً من المُتوسّط في الأجزاء الشمالية من الإقليم، والتي تشمل السودان، خلال الفترة بين يوليو وسبتمبر، بينما ستسود ظروف أكثر رطوبة من المتوسط في الأجزاء الجنوبية للإقليم، خلال الفترة بين أكتوبر وديسمبر.

ورغم شيوع الاعتقاد بأن إلنينو القوي يعني فيضانات في السودان خلال أكتوبر وديسمبر، إلا أن الحقيقة أن السودان يقع في الجزء الغربي من منطقة القرن الأفريقي، حيث يرتبط إلنينو بانخفاض الأمطار خلال موسم الأمطار الرئيس (يونيو–سبتمبر)، وليس بارتفاعها خلال (أكتوبر–ديسمبر). والسبب في ذلك أن موسم السودان المطري أحادي القمة، ويتركز بين يونيو وسبتمبر مع تحرك منطقة التقاء المدارات شمالاً (الفاصل المداري). بحلول أكتوبر، تكون هذه المنطقة قد تراجعت جنوباً بعيداً عن السودان، الذي يدخل في موسمه الجاف. فحتى إذا رفع إلنينو معدل هطول الأمطار في شرق أفريقيا الاستوائية خلال أكتوبر–ديسمبر، فإن السودان يكون خارج نطاق هذا التأثير في ذلك الوقت. أي أن تأثيرات إلنينو ضربت السودان في التوقيت الخاطئ تماماً: خلال الفترة ما بين يونيو وسبتمبر، في توقيت هطول الأمطار، لا خلال أكتوبر – ديسمبر، حيث لا مطر مُتوقع بالأصل. إضافة إلى ذلك، تربط عدة دراسات تشكُّل إلنينو مُبكِّراً في أبريل ويونيو بانخفاض منسوب النيل الأزرق. وتضع هذه الظروف السودان ضمن 22 دولة، صنّفتها منظمة الأغذية والزراعة (FAO) على قائمة الدول الأكثر عرضة للمخاطر المناخية المرتبطة بإلنينو.

ثلاثية الخطر: التعرض والحساسية والانهيار

الأخطار المناخية التي يتعرَّض إليها السودان واسعةٌ ومتشعبة: الجفاف وتراجع الأمطار يضربان مناطق الإنتاج الزراعي المطري، وتراجع مناسيب النيل يهدد مناطق الإنتاج الزراعي المروي، والسيول المفاجئة تضرب عدة مناطق في دارفور؛ وموجات الحرارة تجتاح شمال البلاد.

يُصنِّف مؤشر ND-GAIN جاهزية السودان للمخاطر المناخية في المرتبة 186 من أصل 190 دولة. ويُصنف المؤشر الدول وفق المعادلة: (مؤشر الحساسية للظروف المناخية – مؤشر الجاهزية) × 50. يقيس مؤشر الحساسية للظروف المناخية مدى تعرض الدولة لأخطار التغيّر المناخي، ومدى حساسيتها لهذه الأخطار، وقُدرتها على التكيّف مع الآثار السلبية لتغيّر المناخ. ويقيس مؤشر الجاهزية استعداد الدولة الاقتصادي والحكومي والاجتماعي للتعامل مع هذه الآثار. في حالة السودان، يقع كلّ عامل من هذه العوامل في أقصى طرفه السلبي، ما يعني أن التعرّض للمخاطر مرتفع جداً بينما القدرة على الاستجابة في أدنى مستوياتها التاريخية.

وبهذا فإن الأخطار المناخية التي يتعرَّض إليها السودان واسعةٌ ومتشعبة: الجفاف وتراجع الأمطار يضربان مناطق الإنتاج الزراعي المطري، وتراجع مناسيب النيل يهدد مناطق الإنتاج الزراعي المروي، والسيول المفاجئة تضرب عدة مناطق في دارفور؛ وموجات الحرارة تجتاح شمال البلاد.

وتعتمد نسبة كبيرة من سكان السودان على الزراعة المطرية مصدراً رئيساً للغذاء والدَّخل، وتعتمد نسبة مقدرة من السكان على النيل ومحطات الضخ المركزية مصدراً وحيداً لمياه الشرب، ما يعني أن أي تذبذب في مناسيب النهر سينعكس فوراً على إمدادات المياه للناس والأفدنة الزراعية. كما تراجعت القدرة الإنتاجية للكهرباء من نحو 2500 ميغاواط قبل الحرب إلى نحو 1900 ميغاواط حالياً، مع تدمير 60% من البنية التحتية للقطاع بحسب تصريحات وزير الطاقة، ما جعل محطات ضخ المياه التي تعمل بالكهرباء عرضة للانقطاع المتكرر.

لكن الضربة القاضية تأتي من العامل الثالث: القابلية للتكيُّف؛ وذلك بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب وانهيار مؤسسي واسع، إذ إن هذا الانهيار المؤسسي يعني أن أيَّ خطر مناخي – جفافاً كان أو سيولاً محدودة – يجد الدولة عاجزة عن الاستجابة، فيتحول الحدث المناخي إلى كارثة إنسانية شاملة.

إلنينو ليس وحده السبب

في ولاية الخرطوم وحدها، تعطلت 12 محطة لإنتاج المياه من أصل 13 في فترات متفاوتة منذ أبريل 2023 حتى مايو 2025، وتضرَّرَ سد جبل أولياء. وفي شرق السودان، انهار سد أربعات قرب بورتسودان في أغسطس 2024، ما دمّر جزءاً من منظومة الأمن المائي التي تعتمد عليها العاصمة المؤقتة. وحتى قبل الحرب، يفتقر 17.3 مليون شخص إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، بينما لا يحصل نحو 24 مليوناً على خدمات صرف صحي مناسبة.

وصل أعلى عدد للنازحين داخلياً جراء الحرب في السودان إلى 11.6 مليون شخص، ورغم تراجع العدد فإن نحو 8.6 مليون شخص لا يزالون نازحين. ويُواجه إقليم كردفان نزوحاً واسعاً وسط تصاعد القتال، وانقطاعاً شبه كامل للخدمات الأساسية، وتضرّر محطات المياه والكهرباء في الأبيض وكادقلي والدلنج. وفي بدايات يوليو، تفشت الكوليرا في ولايتي شمال وغرب كردفان.

وتواجه ولايات دارفور أيضاً مجموعة من الأزمات؛ ففي 26 أكتوبر 2025، سقطت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور وأكبر مدن الإقليم، بعد حصار دام 18 شهراً، في واحدة من أكثر الفصول دموية في الصراع السوداني؛ بعد هجوم وصفته البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان بأنه إبادة جماعية، فقد قُتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال 48 ساعة، و40 ألفاً آخرين ما زال مصيرهم مجهولاً، ونزح نحو 90 ألف شخص من الفاشر والمناطق المحيطة خلال الأيام التالية. وانتهى الأمر بكثير منهم في معسكرات في منطقة طويلة.

عطّلت ضربات المسيّرات المحطة الحرارية للكهرباء في الأبيض، ما أدّى إلى انقطاع التيار عن محطات ضخ المياه، وحرم مئات الآلاف من إمدادات المياه الجارية لأشهر، وكذلك انقطع التيار الكهربائي عن مناطق بأكملها في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، كما تضرَّرت مستودعات النفط في مصفاة الخرطوم للبترول بالجيلي وخطوط أنابيب نقل النفط من حقول الجنوب إلى ميناء بورتسودان.

في 9 أبريل الماضي، قالت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، إن ما بين 22.0 و22.99 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات غذائية إنسانية، كما حذرت من أن خطر المجاعة لا يزال قائماً في أجزاء من جنوب كردفان وشمال كردفان وشمال دارفور، خاصة في كادقلي والدلنج والمناطق المحيطة بجبال النوبة الغربية، وفي المناطق الشمالية الغربية من شمال دارفور.

كل ما سبق يشير إلى أن أزمة 2026 في السودان ليست مناخاً أو نزاعاً منفصلاً على المياه، إنما عقدة كوارث مُتشابكة تتغذَّى من بعضها، وأنّ تراجُع مناسيب النيل الأزرق عند الخرطوم بأكثر من متر خلال أيام، بعد تراجع واردات النيل الأزرق، وانخفاض تصريف سد النهضة في يوليو 2026، وتضرّر 12 محطة مياه في الخرطوم بسبب الحرب، وسقوط الفاشر في أكتوبر 2025، وتفشّي الكوليرا للمرة الثالثة في غرب كردفان، ليست أحداثاً متفرّقة؛ وإنما حلقات في سلسلة واحدة تجمعها هشاشة مؤسسية: غياب التنسيق الإقليمي حول تشغيل السدود، وضعف القدرات الوطنية للرصد والاستجابة، في ظل نزاع اقترب عامه الرابع، ودمار طال البنى التحتية والبيئة في كل أنحاء السودان، وخاصة في دارفور وكردفان.

Scroll to Top