أتر

أنصاف جرعات وأدوية منتهية الصلاحية 

تظهر في التصميم صور من تصوير عبدالرحمن رحمة الله والنور الناير

وقف إبراهيم حسين، وهو رجلٌ يبلغ من العمر 69 عاماًاسم مستعار بناءً على رغبته يتأمّل صندوق أقراص الضغط التي انتهت صلاحيتها منذ شهرين. كان يعلم أن تناول هذه الأقراص قد يكون خطراً، لكن ما العمل عندما يغيب البديل وتضحي الصحة رهينة لموارد تنفد يوماً بعد يوم؟ على مدار ثلاثة أيام مرهقة، جاب إبراهيم محلية كرري، يبحث بلا جدوى عن دواء جديد. في نهاية الأمر، اضطر إلى شراء كمية تكفيه ثلاثة أشهر من أقراص فقدت صلاحيتها، متقبلاً الواقع المرير. 

اعتاد إبراهيم شراء أدويته بألفي جنيه شهرياً، لكن في نهاية العام الماضي ارتفع السعر إلى ثلاثة آلاف جنيه. وفي يونيو الماضي، اضطر إلى دفع ستة آلاف جنيه للحصول على الدواء منتهي الصلاحية. وحذرته بعض الصيدليات من احتمال نفاد الدواء في ظل الحرب المستمرة، إذ لم تُستورد الأقراص الجديدة. 

بينما كان إبراهيم يبحث بقلق عن دوائه، كانت صيدلية الروضة بشارع الوادي تعرض نوعاً جديداً من الأقراص التركية بسعر 18 ألف جنيه سوداني. رغم جودتها العالية، فضّل إبراهيم الاستمرار في شراء الأدوية منتهية الصلاحية التي تكفيه لثلاثة أشهر، بدلاً عن شراء دواء لشهر واحد بسعر باهظ. يقول لـ “أتَـر”: “لا أستطيع المجازفة. نحن نتدبر أمورنا بما هو في متناول أيدينا بسبب الظروف الاقتصادية التي أفرزتها الحرب”. 

على الطرف الآخر من المحنة، منذر عبد الله، نازح من الخرطوم بحري إلى الحارة 13 بكرري، يعاني من مرض السكّر. ولأنه لم يستطع الحصول على دوائه، قرّر تناول نصف الجرعة المُقرّرة له، مُضطراً إلى الاقتصاد في الدواء.  

“حينما يتوفر الدواء، يكون سعره خارج استطاعتي. وفي أحيان أخرى لا أجده من الأساس، ما يدفعني لتقليل الجرعة دون الرجوع إلى الطبيب”، يضيف منذر متحدثاً إلى “أتَـر”. 

ارتفع سعر صندوق أقراص مرض السكّر من 1.500 جنيه إلى 8 آلاف جنيه سوداني، ما جعل الحصول على الدواء حلماً بعيد المنال. وفي المناطق التي تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، يعتمد السكان على ما يتوفر دون أي رقابة رسمية، إذ تشير المعلومات الشحيحة إلى أن تلك المناطق تعمل بعيداً عن سلطة الدولة. 

في إحدى تلك المناطق، يعيش سامي يوسف اسم مستعار لدواعٍ أمنية غرب سوق ليبيا بأمبدة، وهي منطقة تعد تحت سيطرة الدعم السريع. يقول سامي إن الصيدليات في منطقته تفيض بالأدوية من مختلف الأنواع والشركات، لكنها غالباً منتهية الصلاحية وتُخزَّن وتُنقل في ظروف سيئة. وأضاف: “لا يوجد بديل، والناس مجبرون على استخدام هذه الأدوية، رغم أنها قد تكون غير صالحة، وربما ضارة”. 

أشار سامي إلى أن الأدوية المتاحة هناك إما نُهبت خلال فترة الحرب، ونُقلت عبر وسائل غير مخصصة لنقل الأدوية، أو جرى شراؤها من أسواق غير خاضعة للرقابة، مثل سوق المثلث غرب جبل أولياء.  

“في تلك الأسواق، لا أحد يعرف ما إذا كانت هذه الأدوية فعالة أم ضارة، فالرقابة غائبة تماماً، يضيف سامي متحدثاً إلى “أتَـر”. 

الأزمة الدوائية في السودان لم تبدأ بعد 15 أبريل، تاريخ اندلاع الحرب، ولكنها تفاقمت إلى حد غير مسبوق. وبات نقص الأدوية سبباً رئيساً للوفاة. وفقد كثيرٌ من المرضى حياتهم بسبب شحّ الأدوية 

متحدثاً لـ “أتَـر” يقول صلاح جعفر، عضو تجمع الصيادلة المهنيين، إن مئات المرضى لقوا حتفهم خلال فترة الحرب، واتهم وزارة الصحة بالتقاعس عن الإعلان حتى عن أسماء الضحايا الذين توفوا نتيجة نقص الدواء، معتبراً أن الوزارة تتعامل مع أعداد الوفيات كأرقام لا تعنيها. 

رغم هذا الواقع الأليم، يقول الدكتور علي بابكر، الأمين العام للمجلس الأعلى للأدوية والسموم، إن الموقف الدوائي تحسن مقارنة بالفترة الأولى للحرب، إذ عادت بعض شركات استيراد الأدوية للعمل بعد فترة من التوقف؛ لكنه أشار أيضاً إلى أن القطاع الدوائي واجه صعوبات جمة، بما في ذلك توقف التمويل وإحجام القطاع الخاص عن الاستيراد، إلى جانب تدمير مصانع الأدوية المحلية ونهبها. 

وأضاف بابكر، أن سوق الدواء شهد تدفقَ أموالٍ جديدة، كانت تُستثمر سابقاً في مجالات أخرى مثل السكّر والدقيق، لكنها دخلت الآن قطاع الأدوية باعتباره الأكثر ربحية؛ إلا أن هذا التدفق المالي أدى أيضاً إلى تنشيط عمليات التهريب، إلى مناطق جديدة دون رقابة. 

ويلفت صلاح جعفر إلى أن كثيراً من الأدوية المتداولة في السوق السوداني غير خاضعة للرقابة، مؤكداً أن المرضى قد يخسرون أموالهم ووقتهم، وهم يتناولون أدوية قد لا تكون فعّالة، أو قد تكون ضارة. ويرى البعض أن مناطق سيطرة الدعم السريع هي الأكثر عرضة لهذه الفوضى، بينما في مناطق الجيش والحكومات الولائية، تدخل الأدوية عبر القنوات الرسمية. 

ووجّه صلاح جعفر انتقادات للسلطات، متهماً إياها بالتخلي عن دَورها في تمويل ورقابة سوق الدواء، والاعتماد على الهبات والمعونات الخارجية، مما زاد من معاناة المرضى في السودان. 

من جانبه، أوضح محمد خليفة حسان، وهو طبيب صيدلي يعمل بمحلية كرري، أن هناك وفرة كبيرة في الأدوية منذ أربعة أشهر، بفضل واردات من دول مثل مصر والهند؛ لكنه أشار إلى نقص بعض الأدوية الحيوية مثل أمصال العقارب والثعابين. في حين أضاف الدكتور علي بابكر أن بعض الأدوية، رغم توفرها، تُباع بأسعار مرتفعة للغاية مقارنةً بأسعارها السابقة التي كانت تقدم عبر الإمدادات الطبية؛ وأشار إلى أن القطاع الخاص قد يتولى قريباً استيراد الأدوية الحيوية مثل أدوية السرطان والكلى. ومع ذلك، فإن الأدوية الأكثر استخداماً مثل أدوية الملاريا ما زالت بعيدة المنال للعديد من المرضى.  

ذكر أحمد حسن، المقيم في الحارة 23 بكرري، أن حقن الملاريا كلفته 73 ألف جنيه، بينما أفاد محمد حمد، من نفس المنطقة، أنه اضطر لشراء حقن الملاريا بمبلغ 85 ألف جنيه. 

من جهة أخرى، قال الدكتور علي بابكر إن تكلفة استيراد الأدوية قبل الحرب كانت تتراوح بين 200 و230 مليون دولار سنوياً لمصلحة شركات القطاع الخاص، بينما كان الإنتاج المحلي يغطي ما بين 60% و70% من احتياجات السوق. أما اليوم، فقد تراجعت هذه النسبة كثيراً، ما جعل الاعتماد على الأدوية المستوردة أكثر وضوحاً. 

يبدو أنه حتى في مناطق سيطرة السلطة المركزية، لا تخضع أسعار الأدوية لأي ضوابط صارمة؛ إذ يتفاوت سعر فتيل “البندول” للأطفال الرضع من 2.000 جنيه في شندي إلى 5000 جنيه في تندلتي بولاية النيل الأبيض. 

أما عن الإنتاج المحلي للأدوية، فقد أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للأدوية والسموم، إلى أن المصانع الوطنية التي كانت تغطي حوالي 60%، وتنتج حوالي 50 نوعاً من استهلاك السوق، قد توقفت عن الإنتاج، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها، وقال: “جميع المصانع المحلية لم يعمل منها إلا مصنع أميفارما بعد أن نقل عمله إلى الهند”، وأضاف أن بعض الأدوية التي كانت تُقدم عبر الإمدادات الطبية بأسعار مخفضة، مثل أدوية السكري والأنسولين، باتت تُباع بأسعار تتجاوز 70% من قيمتها السابقة. 

وفي ظل هذا الواقع، يرى صلاح جعفر أن السياسات المتبعة حالياً حوَّلت سوق الدواء إلى سوق عشوائي يشبه سوق الخضروات، ويقول إن فتح السوق لاستيراد الأدوية دون رقابة، فتح الباب أمام استيراد أدوية غير معروفة المصدر، بعضها مهرّب أو غير مسجّل رسمياً في السودان. 

وقد رصد مراسل “أتَـر” في بعض الصيدليات وجود أدوية مصرية تحمل تسعيرة مصرية منخفضة، إلا أنها تباع بأسعار مرتفعة للغاية في السودان. ويقول صلاح جعفر، إن الوفرة الحالية في الأدوية لم تنعكس على الأسعار، لأن السوق يُدار بناءً على العرض والطلب، ويشير إلى أن بعض الأفراد استفادوا من تهريب الأدوية المصرية إلى السودان لتحقيق مكاسب شخصية. 

Scroll to Top