أتر

التهاب ملتحمة العين يجتاح السودان وسط انهيار المنظومة الصحية 

منذ مطلع أغسطس، تسارعت وتيرة انتشار أمراض خطيرة كان أبرزها الكوليرا، والتهاب ملتحمة العين الفيروسي الذي انتشر على نحو واسع النطاق في غالبية ولايات السودان. وبحسب التقرير الوبائي لوزارة الصحة الاتحادية، ظهر المرض لأول مرة في ولايتي جنوب وشرق دارفور، ليبدأ بعدها بالانتشار بوتيرة متسارعة. 

وفي آخر تحديث لها بتاريخ 13 أغسطس، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن رصد 2689 حالة إصابة بالتهاب ملتحمة العين الفيروسي في تسع ولايات. وأشارت الوزارة إلى أن أكثر الولايات تضرراً هي النيل الأبيض، والشمالية، وشمال كردفان. وتركزت الإصابات وسط النازحين في مراكز الإيواء والمعسكرات. 

مع تفاقم الأزمة، بادرت وزارة الصحة الاتحادية في نهاية أغسطس الماضي بإصدار نشرة تثقيفية، عبر صفحتها على فيسبوك، لتوعية المواطنين بالتهاب ملتحمة العين وأسبابه وطرق الوقاية منه. وأكدت النشرة على خطورة المرض وانتشاره الواسع في معظم ولايات ومدن السودان، داعية المواطنين لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب العدوى في ظل ضعف النظام الصحي وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية اللازمة. 

روايات من المرضى: جنوب دارفور

من مدينة نيالا، بجنوب دارفور، يروي “المصطفى هارون” تجربته مع المرض لـ “أتَر”، قائلاً: “شعرت بغشاوة في عيني وحكة مستمرة، وعرفت حينها أنني أصبت بوباء ملتحمة العين المنتشر في المنطقة”. يوضح المصطفى أن العدوى بدأت في منزله وانتقلت إلى الجيران والأقارب، وقد أصيبت أربع أسر بالكامل بالمرض. وشاهد المصطفى كيف انتقلت العدوى تدريجياً بين أفراد عائلته. بدأت الأعراض لدى أخيه الكبير واستمرت معه سبعة أيام، قبل أن يصاب أخوه الأصغر بالعدوى التي استمرت خمسة أيام متتالية. المصطفى، الذي كان آخر أفراد الأسرة إصابة، قال إنه رغم اتباعه جميع التدابير الوقائية مثل غسل اليدين واستخدام المعقمات، لكنه لم ينجُ من الإصابة. 

لفت المصطفى إلى أن العدوى انتقلت في معظم أنحاء جنوب دارفور وشرق دارفور عبر المصافحة واللمس،  وقد استعان بصديق طبيب سابق للحصول على وصفة طبية لعلاج المرض. “لم أذهب إلى المستشفى لانعدام عيادات متخصصة بالعيون، واكتفيت بالاعتماد على النصائح الطبية الشخصية“. 

وفي محلية تُلُس بجنوب دارفور، يروي “عبد الله” تجربته المماثلة مع التهاب ملتحمة العين. بدأت الأعراض بحكة خفيفة في عين واحدة، ليشعر بعد ذلك بارتفاع في درجة الحرارة واحمرار شديد في العينين. قرر عبد الله اللجوء إلى الصيدلية لشراء قطرة مضاد حيوي شائعة الاستخدام في المحلية، لكنه يرى أن الوضع قد يتفاقم نتيجة لعدم اكتراث السكان بخطورة المرض واستمرار تجمعهم في الأسواق والمواصلات العامة. 

شرق النيل: أزمة متزامنة

في ظل الحصار المتواصل وآثار الحرب المتفاقمة، يعيش سكان محلية شرق النيل أوضاعاً مأساوية تفاقمت مع حلول موسم الخريف وانتشار أمراض مثل الكوليرا والملاريا. لكن منذ بداية أغسطس الماضي، زادت المعاناة مع تفشي وباء ملتحمة العين، الذي اجتاح المنطقة بسرعة مخيفة، مما ضاعف من محنة المواطنين. 

في استجابة فورية، أعلن المكتب الطبي بغرفة طوارئ شرق النيل في 12 أغسطس عن اكتشاف انتشار وباء ملتحمة العين. وأصدر المكتب بياناً شاملاً يتضمن معلومات عن المرض وأعراضه وطرق انتقاله. كما صدر تقرير أولي من غرفة الطوارئ، يحدد المناطق التي شهدت انتشار الوباء وحصر الحالات المصابة ما بين 8 و16 أغسطس، وبلغت 148 حالة. توزّعت الحالات بين الأطفال (32 حالة)، والذكور فوق سن 18 (78 حالة)، والإناث فوق سن 18 (38 حالة).  

يعكس التوزيع مدى سرعة تفشي الفيروس بين السكان. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن العديد من المواطنين لم يتمكنوا من التوجه إلى مراكز الفحص أو تلقي العلاج بسبب صعوبة التنقل وارتفاع تكاليف المواصلات. ووفقاً للتقرير، فإن المناطق التي أبلغت عن ظهور حالات أولى شملت: الوحدة الغربية (المايقوما)، عِدْ بابكر، الحاج يوسف شرق، الحاج يوسف وسط (الشِّقْلة)، الجريف شرق، الفيحاء (حي النصر)، أم ضواً بان ومناطقها المجاورة (الغابة أب زيد، الغابة المسيد)، والعِسيلات. 

تقول “فاطمة الحاج – اسم مستعار لدواعٍ أمنية – وهي طبيبة متطوعة في غرفة الطوارئ، إن الخطة الطبية لغرفة شرق النيل بدأت فور إعلان انتشار التهاب الملتحمة، على وسائل التواصل الاجتماعي. وجرى توجيه الكوادر الصحية والمتطوعين في جميع المراكز الصحية والوحدات الإدارية بنشر التوعية بطرق العدوى وتقديم الاستشارات الطبية للمصابين وغير المصابين على حد سواء.  

“الهدف كان احتواء المرض ومنع انتشاره في محلية تعاني من تدهور حاد في كل جوانب الحياة، سواء على الصعيد الغذائي أو الصحي أو الأمني”، تضيف “فاطمة“. 

وأوضحت أن التنسيق بين الغرفة والمكتب الإعلامي ساعد في توفير قطرات علاجية، وُزعت في المناطق التي أبلغت عن حالات الإصابة، وكذلك في الأحياء التي يتوقع أن ينتشر فيها المرض، مثل منطقة الوحدة بالحاج يوسف وامتداد الردمية. وأشارت إلى أن قرب هذه المناطق من سوق الوحدة، الذي يعد نقطة تجمع رئيسة لمواطني ولاية الخرطوم، ساهم في تفاقم الأوضاع. 

وأضافت الطبيبة “فاطمةإلى أن الفريق الطبي يعمل بجهد كبير لمواجهة الأوبئة المتفشية، ويستعد لإطلاق حملة تثقيفية وطبية جديدة تركز على التوعية بأمراض الخريف والتهاب ملتحمة العين. وستُحدّث التقارير بناءً على المستجدات في كل منطقة، مع مراعاة الوضع الأمني لكل منها. 

وبالمقابل، تعمل المبادرات المحلية مثل غرفة طوارئ الجريف شرق بالتعاون مع غرفة طوارئ المدينة على تقديم الدعم الطوعي. تقوم هذه المبادرات بتنظيم أيام طبية تشمل فحوصات للمواطنين مع أطباء عموميين أو متخصصين، إلى جانب توزيع الأدوية الخاصة بملتحمة العين. وحسب إفادات مواطنين من الجريف شرق، فإن الإرشادات الصحية التي قُدمت عبر المتطوعين مفيدة للغاية، إذ حصلوا على نشرة تثقيفية شاملة حول انتشار المرض. 

الأبيّض: انتشار متسارع

كشف الدكتور عصمت أحمد، اختصاصي ثاني عيون ومساعد تدريس بجامعة العلوم الصحية بالأبيض، عن العوامل البيئية والتلوث التي تسهم في تفاقم التهاب ملتحمة العين، وأوضح في حديثه لـ “أتَـر”، أن مضاعفات المرض تختلف من منطقة إلى أخرى وفقاً للحالة المرَضية والأعراض التي تظهر على المريض. في ولاية شمال كردفان، وتحديداً في قسم التأمين الصحي بمركز القلعة، يشترك غالبية المصابين في الأعراض، كالاحمرار الشديد في العين، والإفراز الصديدي أصفر اللون، ومعظم الحالات يصاحبها تورم متفاوت في جفن العين 

“معظم الحالات تبدأ كالتهاب بكتيري قبل أن تتحول إلى التهاب فيروسي خلال الأسبوع الثاني من ظهور الأعراض، يضيف عصمت. ويصاحب هذا التحول شعور بآلام شديدة في العين، وإحساس بوجود حصى داخلها، وإدماع مستمر طوال اليوم. ويوضح عصمت أن النوع الفيروسي تصاحبه غالباً التهابات في الجهاز التنفسي العلوي مثل الرشح والنزلات. 

يصف عصمت المرض بأنه سريع الانتشار، ويرتاد أكثر من نصف المرضى المصابين عيادة التأمين الصحي نتيجة إصابتهم بعدوى ملتحمة العين. وبيّن أن التردد على أماكن التجمعات الكبيرة مثل الأسواق، المدارس، دور الإيواء، والمؤسسات، يُسهم مباشرةً في تفشي العدوى، خاصة خلال موسم الخريف الذي يشهد تكاثر الذباب. وذكر أن الذباب يُعد الناقل الأساسي للعدوى، مما يعرض أعداداً كبيرة من المواطنين للإصابة، وخاصة الباعة والمشترين في الأسواق الذين يتعاملون عبر النقد، إذ يسهل انتقال الفيروس عبر الاتصال المباشر بالأيدي. 

الشمالية: الأرقام تتحدث

استيقظ أيمن، المقيم في مدينة مروي بالولاية الشمالية، على صداع حاد وتورّم في جفن عينه، مصحوباً باحمرار شديد. ومع استمرار هذه الأعراض لأسبوع كامل، أدرك أيمن أنه ليس وحده؛ فقد أصيب جميع سكان الحي بنفس الأعراض. ورغم ذلك، استمروا في ممارسة حياتهم اليومية، بما في ذلك رياضة كرة القدم في الأحياء، دون أن يعوا خطورة نقلهم للعدوى فيما بينهم. 

يروي أيمن في حديثه لـ “أتَـر”: “اكتشفنا بعد أسبوعين أو أكثر أن هناك أنواعاً مختلفة من العلاجات والوصفات الطبية”، ومع ذلك، لم يلجأ سكان الحي إلى الفحوصات الطبية. بدلاً عن ذلك، استعانوا بأقاربهم وأصدقائهم العاملين في الحقل الصحي للحصول على وصفات علاجية، لكن هذا الحل غير المدروس أدى إلى زيادة انتشار المرض بين الكبار والصغار وعبر المجتمع المحلي على نحو غير محسوب. 

في خضمّ هذا التفشي المتسارع، أعلنت اللجنة الفنية لطوارئ الخريف التابعة لوزارة الصحة بالولاية الشمالية، بتاريخ 8 سبتمبر، ارتفاع حالات الإصابة بوباء ملتحمة العين الفيروسي إلى 5,087 حالة. ورغم هذا الرقم المقلق، أكد التقرير التراكمي اليومي للغرفة الفنية للطوارئ أن الحالات تشهد استقراراً نسبياً مقارنة بالأيام السابقة. 

استشارات طبية

في ظل تفشي وباء التهاب ملتحمة العين في معظم أنحاء السودان، يشهد القطاع الصحي تحديات كبيرة في مكافحة هذا المرض الذي ينتشر بسرعة في موسم الخريف. يصف الدكتور عبد الوهاب السيسي، استشاري طب وجراحة العيون والليزر بجامعة الخرطوم الوضع الحالي بأنه مأساوي، مؤكداً أن العوامل البيئية والكوارث الطبيعية الناتجة عن الحرب قد أسهمت على نحو مؤثر في تفشي المرض، ويلفت إلى أن الفيضانات والسيول والجثث المنتشرة في الشوارع، والبنية التحتية المدمرة، جميعها تمثل بيئة خصبة لتكاثر الفيروسات والبكتيريا. 

متحدثاً لـ “أتَـر”، يشرح الدكتور السيسي أن هنالك نوعين رئيسَيْن من التهاب ملتحمة العين: النوع البكتيري الذي يتميز بالتهاب شديد في الغشاء الأبيض المحيط بالقرنية، ويجد المريض عينيه ملتصقتين عند الاستيقاظ، مع إفراز مادة لزجة وصديدية، بينما يصاحب النوع الفيروسي شعور بوجود أجسام غريبة داخل العين وأعراض أخرى مثل الكحة الجافة أو نزلة أنفية، دون إفرازات صديدية. 

من جهتها، توضح الدكتورة ليلى حمد النيل، اختصاصية طب المجتمع بوزارة الصحة الاتحادية، أن التهاب ملتحمة العين مرض معروف في السودان، ينتشر عادة في موسم الخريف نتيجة لتكاثر نواقل الأمراض مثل الذباب، الذي يزداد بسبب الرطوبة والازدحام في مراكز الإيواء ومعسكرات النزوح. وتشير في حديثها لـ “أتَـر”، إلى أن الالتزام بالنظافة الشخصية واستخدام الأدوية المناسبة، يمكن أن يُسهم في تقليص فترة المرض التي تستمر عادة لعشرة أيام، إلا أن الإهمال قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض وانتشار العدوى. 

وتحذر الدكتورة ليلى من أن الملامسة المباشرة لإفرازات العين أو الأدوات الشخصية المستخدمة من قبل المصابين يمثل العامل الأساسي في انتقال العدوى، وتؤكد أن الأعداد المصابة بالمرض في تزايد مستمر، مشيرة إلى أن المرض ينتشر حالياً في ولايات الشمالية، جنوب وشرق دارفور، الخرطوم، جنوب كردفان، البحر الأحمر، النيل الأبيض، كسلا، القضارف، مع دخول ولايات جديدة إلى دائرة انتشار المرض مثل النيل الأزرق وشمال كردفان. 

الوقاية والعلاج

“الوقاية خير من العلاج”، يقول الدكتور السيسي في إجابته على كيفية مقاومة المرض، مشدداً على ضرورة عزل المريض كلياً، وتجنب استخدام أغراضه الشخصية، مع تغيير الفراش أو أي شيء يبسط للنوم يومياً، كما أكد على أهمية غسل الأيدي بانتظام بالماء والصابون، والابتعاد عن الثروة الحيوانية مثل المواشي، والنباتات، والدخان والبخور، حتى يكتمل التعافي من الفيروس. 

وأوضح السيسي أن استخدام الوصفات الطبية يعتمد على نوع الالتهاب.  

في حالة الالتهاب البكتيري الذي تصحبه إفرازات صديدية من العين، يتعين على المريض استخدام المضادات الحيوية على شكل قطرات مثل Tetracycline  وتُستخدم صباحًا ومساءً حتى تعود العين إلى حالتها الطبيعية، وOpticin وتُستخدم كل أربع ساعات حتى الشفاء التام، وOptiflox وVigamox وتُستخدمان أيضًا لعلاج الالتهاب البكتيري. وحذّر بشدة من استخدام أي علاج يحتوي على مادة الكورتيزون دون إشراف استشاري العيون، إذ إن استخدامه العشوائي قد يسبب ثقباً في قرنية العين، وأوضح أن استشاري العيون يجب أن يجري الفحص بجهاز خاص يسمى Slit lamp  أو جهاز العيون المكبر لضمان تشخيص دقيق. 

أما في حالة الالتهاب الفيروسي، فيمكن استخدام مسكنات الألم بشرط أن يكون المريض سليماً من أمراض الكلى والمسالك البولية. من بين هذه الأدوية Paracetamol وBrufen. 

كما ينصح الدكتور السيسي باستخدام كمادات الثلج على العيون، ويمكن استعمال قطرات مثل Phenicol  كل ست ساعات. وأشار إلى أن هناك مناطق في السودان تعاني من نقص في العيادات والصيدليات أو الكوادر الطبية، بسبب السيول والفيضانات والحرب. في هذه الحالات، يمكن للمصابين الاعتماد على البدائل المتاحة، مثل استخدام عسل النحل ككحل للعين بعد تصفيته جيداً، أو غسل الوجه بالماء البارد باستمرار، أو استخدام منقوع حب الشاي كغسول للعين. وأشار أيضاً إلى إمكانية استخدام البقدونس الأخضر أو الجزر، بعد نقعهما في ماء دافئ، كغسول للعين والوجه. 

وفي السياق نفسه، تقول الدكتورة ليلى إن الراحة واستخدام القطرات الطبية التي تقلل الجفاف تساعد العين على الالتئام بسرعة في حالات الالتهاب الفيروسي. أما في حالة الالتهاب البكتيري، فتشير إلى أن هذا النوع يتسم بوجود صديد وإفرازات حول مدمع العين، مما يستلزم استخدام مضادات حيوية للعين، على شكل قطرات أو مراهم. 

من جهته، حذّر الدكتور عصمت من استخدام الوصفات الطبية دون استشارة الطبيب، إذ تختلف الجرعات وتركيزات الأدوية بناءً على الحالة المرضية لكل شخص. وأوضح أن بعض الأدوية التي تُصرف من الصيدليات قد تؤدي إلى مضاعفات أخرى نتيجة التفاعلات مع البكتيريا أو الفيروسات، مما قد يطيل فترة المرض. 

Scroll to Top