في خضمّ الأزمات المتفاقمة التي يعاني منها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، باتت تحويلات السودانيين المغتربين المالية لأسرهم التي لجأت خارج البلاد وإلى مصر خاصة، شريانَ حياةٍ لا يمكن الاستغناء عنه في التغلب على تبعات الحرب القاسية.
ويواجه السودانيون في مصر، تعقيدات في إرسال واستقبال الأموال، تبدأ من القيود المصرفية المشددة، ولا تنتهي بالتكاليف الباهظة والإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تضاعف من معاناتهم اليومية.
نوتة![]()
وفقاً لتقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين السودانيين بمصر نحو 750 ألفاً منذ اندلاع حرب أبريل 2023 في السودان، ويُشكلون أكثر من 52% من إجمالي اللاجئين المسجلين فيها.
ويواجه هؤلاء تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة الوصول إلى الحسابات المصرفية، نتيجة نقص الوثائق الرسمية أو القيود القانونية، مما يصعّب عليهم استقبال الأموال أو إيداعها في البنوك المصرية.
لبنى، إحدى هؤلاء اللاجئات، وكانت تستقبل تحويلاتها المالية عبر “ويسترن يونيون”، معتمدة على ختم الدخول بجواز سفرها لإتمام المعاملة، ولاحقاً بجواز السفر والإقامة معاً، بعدما حصلت على الإقامة؛ غير أنها باتت تفضل التحويل عبر مكاتب الصرافة بسبب السرعة والضمان، إلى جانب أن هذه المكاتب تتيح لها تحويل الدولار إلى الجنيه المصري دون أي تعطيل. ومع ذلك، أشارت إلى أنها تضطر أحياناً إلى استخدام تطبيق “بنكك” لاستقبال التحويلات بالجنيه السوداني، وهو ما لا تفضله بسبب التدهور المستمر لقيمة الجنيه السوداني مقابل الجنيه المصري.
منذ قدومها إلى مصر، ظلت ياسمين تعتمد على تطبيق “بنكك” لاستقبال مصروفها الشهري من أسرتها، خاصة في الأشهر الأولى لقدومها؛ لكن مع مرور الوقت، تراجعت قيمة المبلغ المحوّل مقابل الجنيه المصري، ما دفع أسرتها إلى تحويل المبلغ ذاته مرتين في الشهر لتعويض الخسارة في القيمة. وهي تعتمد حالياً على شخص تعرفت عليه عن طريق صديقة لها، وأصبح محل ثقة بالنسبة لها. وتُحوِّل الأسرة المصروف بالجنيه السوداني أو أي عملة أخرى، بينما يضمن هذا الشخص إيصال المبلغ إليها بالجنيه المصري، مما يوفر لها مرونة أكبر في التعامل مع تغيرات أسعار الصرف.
وأوضحت ياسمين في حديثها لـ “أتَـر”، أنها، حتى وإن كانت في محافظة أخرى، تستطيع استلام الأموال عبر تطبيق “فودافون كاش” – تطبيق داخل مصر لتحويل الأموال – وتعتبره مريحاً وسهلاً، بفضل توفر العديد من الأكشاك القريبة، وتفضل هذه الطريقة لأنها توفر الوقت والجهد ولا تتطلب إقامة سارية كما هو الحال في البنوك والصرافات. هذا الحل جعل تجربة التحويل أكثر سلاسةً ويسراً.
تحدث مصطفى، أحد العاملين في المعاملات المالية، عن تفاصيل مهنته التي تعتمد أساساً على الثقة والأمانة، وهما رأس المال الحقيقي لكل من يعمل في هذا المجال. أوضح مصطفى أن البداية تكون عادةً من دائرة صغيرة من المعارف، ويتحول المستقبلون إلى مروجين للتاجر، ما يمنحه سمعة ومصداقية ويعزز مكانته في السوق.
ومع تغير الأوضاع، يقول مصطفى متحدثاً لـ “أتَـر”، إن آلية التحويلات تغيرت على نحوٍ ملحوظ. في السابق، كانت الأموال تُحول عبر الصرافات السودانية المعروفة في مصر مثل “أولاد موسى” و “سيدون”، وتُرسل المبالغ من السودان أو أي مكان في العالم، ويستلم الشخص المبلغ في مصر. “أما الآن، فقد أحدث تطبيق “بنكك” ثورة في هذا المجال، وبات بالإمكان إرسال الأموال مباشرة إلى التاجر دون الحاجة إلى وسيط، مع إرسال نسخة من تفاصيل التحويل لضمان استلام الشخص المعني لأمواله”، بحسب ما يُحدّث مصطفى.
ورغم أن هذه الآليات غير قانونية، إلا أن ظهور مواقع التواصل الاجتماعي لفت أنظار السلطات إليها، على عكس ما كان عليه الحال سابقاً عندما كانت المهنة تحتفظ بخصوصيتها. وأوضح مصطفى أن عدم قانونية هذه التجارة يؤدي إلى اعتقالات متكررة، إذ تعتمد السلطات على المعلومات المتوفرة لملاحقة المتورطين؛ كما تقوم أحياناً بمداهمة الهواتف وتفتيشها، وإذا وُجدت إشعارات “بنكك” على نحو متكرر، فإنها تثير الشكوك حول صاحب الهاتف؛ إلا أن هذه الإشعارات ليست دائماً دليلاً على تورط الشخص، ما لم تكن مدعمة بمعلومات موثوقة تثبت علاقته بالتعامل في التحويلات المالية غير القانونية.
عندما سألناه عن عقوبة التعامل بالعملات خارج الأطر القانونية، أوضح مصطفى أن الأحكام تتفاوت، وتتراوح ما بين مصادرة المبالغ المالية وإبعاد الشخص المتاجر عن البلاد، وفي بعض الحالات قد يُقدم الأفراد للمحاكمة وربما سجنهم.
وبالنسبة للتأرجح المستمر في قيمة الصرف وأسعار العملة عبر تطبيق “بنكك” من يوم لآخر، أوضح مصطفى أن السبب الرئيس وراء ذلك يعود إلى سعر الذهب في السودان، ما يزيد من تعقيد العمليات المالية ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المتعاملين.
اللاجئون، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون إقامة قانونية، يواجهون تحديات معقدة عند التعامل مع المؤسسات المالية التي تشترط إثبات هوية وإقامة قانونية لاستلام الأموال. هذه القيود تحرم كثيراً منهم من الوصول إلى أموالهم وتفاقم أوضاعهم المعيشية الصعبة. ومن بين الحلول المؤقتة التي يعتمدها اللاجئون استخدام الكروت الملونة؛ فالكرت الأصفر يُمنح للأشخاص الذين لا يملكون إقامة، ورغم ذلك، يعتبر استلام الحوالات عن طريقه إجراءً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون. أما الكرت الأبيض، الذي يتطلب وجود إقامة قانونية، فيحرم حامليه من استلام الحوالات إذا لم تكن لديهم إقامة سارية المفعول.
أمام هذه التحديات، يلجأ كثيرٌ من طالبي اللجوء إلى تفويض أشخاص آخرين يمتلكون إقامة لاستلام حوالاتهم المالية عبر “ويسترن يونيون”، بدلاً عن تطبيق بنكك، خصوصاً مع تدهور قيمة الجنيه السوداني باستمرار؛ إلا أن هذا الحل يحمل أخطاراً كبيرة، فقد تعرض العديد منهم إلى السرقة أو الابتزاز من قبل الأشخاص المفوضين، سواء عبر تسليم مبالغ ناقصة أو اختفاء الشخص الذي يجري التحويل بواسطته.
في مصر، يحق لأصحاب الإقامات الاستثمارية، الزوجية، والطلابية فتح حسابات بنكية، بينما يُحرم حاملو التأشيرات السياحية من هذا الحق. فهناك محددات لفتح حساب بنكي تتطلب إقامة سارية، وجواز سفر ساري المفعول، ومصدر دخل ثابت.
وراجت أنباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن تسهيلات جديدة أقرتها السلطات المصرية تتيح فتح حسابات للأجانب والسودانيين في البنوك المصرية.
وفي السياق، أخبر مدير أحد فروع البنك الأهلي المصري “أتَـر”، بأن ما يجري تداوله في الوسائط الإلكترونية فيما يتعلق بفتح حسابات للأجانب المقيمين بمصر ليس بجديد، لكن بعد اندلاع الحرب جرى تغيير إجراءات فتح الحساب بالنسبة للسودانيين، مما جعل الشروط أكثر تشديداً ودقة، كالمطالبة بإقامة سارية وجواز سفر، إضافة إلى خطاب من السفارة السودانية، وعنوان تفصيلي في السودان، وعنوان الإقامة بمصر، والوظيفة في مصر أو السودان وإفادة بمصدر الدخل.
أما بنك مصر، وهو البنك الرسمي للدولة، فقد أفاد أحد مسؤوليه “أتَـر”، بأن شروط فتح الحساب للسودانيين تتضمن عقد إيجار موثق من الشهر العقاري، وجواز سفر، وإقامة سارية، وإفادة بمصدر دخل، والغرض من فتح الحساب.
أحد المغتربين السودانيين في الكويت، أفاد “أتَـر”، بأنه يُحوّل لأسرته عن طريق التحويل من بنك الكويت الوطني إلى بنك الإسكندرية، ووصف الإجراءات بأنها أخف وغير معقدة، ولا تتضمن شرط إيداع مبالغ نقدية، مثلما هو متبع في بنوك أخرى.
تعمل أم خالد في مجال التحويلات المالية عبر تطبيق “بنكك”، منذ ما قبل الحرب؛ وفي حديثها إلى “أتَـر”، أوضحت أن الجنيه السوداني قبل الحرب، وحتى في أشهرها الأولى، كان في وضع أفضل مما هو عليه اليوم، إذ كانت المبالغ المحولة بالجنيه السوداني تكفي تلبية احتياجات الناس؛ لكن مع ارتفاع الإيجارات وانخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل الجنيه المصري، باتت الحياة أكثر صعوبة، مما زاد من التحديات التي تواجهها.
أم خالد أوضحت أنها تتعامل مع زبائنها بطرق مختلفة، فأحياناً توصل الأموال نقداً بعد تحويلها عبر “بنكك”، أو تستخدم “ڤودافون كاش” إذا كان الزبون في منطقة بعيدة عنها. ومع ذلك، تواجه مشكلات عديدة، أبرزها الأعطال المتكررة لتطبيق “بنكك”، والتي تسبب اضطراباً في المعاملات، إضافة إلى عدم استقرار سعر الجنيه السوداني، مما يضع كلاً من التجار والزبائن في حالة توجس وترقب دائم انتظاراً للسعر الجديد.
وترى أم خالد أن السبب الرئيس وراء تأرجح قيمة الجنيه السوداني، هو تحكم التجار وسوق الدولار في السودان، مما يؤدي إلى التقلب المستمر وعدم استقرار سعر العملة، وهو ما يضيف تعقيداً إضافياً للمعاملات المالية اليومية.
يوضح “مكي”، وهو مغترب في الخليج العربي، طريقة تحويل الأموال لأسرته في مصر، ويعتمد على بنوك مثل بنك الإسكندرية والأهلي وبنك مصر. فيحوّل عبر خدمة TeleMoney المتاحة في البنك العربي أو مصرف الراجحي، ويجري استلام التحويل في مصر باستخدام جواز السفر والتأشيرة السارية فقط، مما يسهل استقبالها لأسرته.
من جهة أخرى، أفاد مهند، المقيم في أوروبا “أتَـر”، بوجود طرق عديدة لتحويل الأموال للأسر السودانية في مصر؛ وتبدأ هذه الطرق من التحويل البنكي، لكنه أشار إلى أن هذا الخيار ليس الأفضل لمعظم السودانيين، نظراً للخصومات الكبيرة التي تتسبب فيها فروقات العملة، مما يقلل من قيمة المبلغ المحول.
أضاف مهند أن هناك وسائل أخرى أكثر رواجاً بين السودانيين، مثل “ويسترن يونيون”، إلى جانب تطبيقات مثل “ALTRAS” و”Ether Services UK”، والتي يفضلها كثيرون بسبب أسعارها التنافسية مقارنة بالبنوك و “ويسترن يونيون”. ولفت مهند إلى وجود شركات تحويل أخرى مثل “KMBAL”، إضافة إلى مكاتب التحويل التي تعتمد على مبدأ الثقة، مما يجعلها خياراً شائعاً بين السودانيين في أوروبا.
يواجه اللاجئون والمقيمون تحديات كبيرة في فتح حسابات بنكية، ويرون أن الحل يكمن في تسهيل التعاملات البنكية المباشرة مع مصر. هذا التيسير سيقلل من اللجوء إلى الأساليب غير القانونية مثل التداول المباشر وتطبيق “بنكك”، وهو أمر لا يتماشى مع القانون المصري. فضلاً عن ذلك، فإن تفعيل اتفاقيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أرض الواقع، يمكن أن يسهم في تذليل العقبات التي تواجه اللاجئين في إرسال واستقبال الأموال، من خلال التعاون مع شركات تحويل الأموال مثل “أيباج” و “ويسترن يونيون”. ويمكن للاجئين استخدام بطاقات التسجيل الصادرة عن المفوضية لاستلام الأموال بأمان، عبر فروع الشركات المنتشرة في جميع أنحاء مصر.
يمكن أن يؤدي التعاون الدولي بين الحكومة المصرية والمنظمات العالمية مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والبنك الدولي، دوراً حيوياً في تطوير سياسات وبرامج تدعم اللاجئين في الوصول إلى الخدمات المالية بسهولة، إلى جانب تقديم الدعم القانوني اللازم لمساعدتهم في الحصول على الوثائق الضرورية لفتح حسابات مصرفية واستخدام الخدمات المالية بشكل قانوني وآمن. ومع ذلك، يشير اللاجئون إلى أن هذه القوانين، رغم وجودها، لا يجري تفعيلها بوضوح على أرض الواقع. وهو ما يضع التساؤل على طاولتي الحكومة المصرية والمنظمة الأممية معاً.



