أتر

في كسلا: الخوف يبتلع الموسم الزراعي  

يعمل محمد سرور مزارعاً في ولاية كسلا، وهو مُلمٌّ بكلّ ما يقتضيه النجاح في زراعة محصول البصل. وقد زرع منذ بدء الموسم ما يربو على 300 فدان، بعد أن استجلب أسمدة ممتازة، ورشّ على محصوله أفضل مبيدات الحشائش الضارة، ووفّر أجود التقاوي من الخارج وبالعملة الصعبة. لكن كانت لخريف هذا العام تدابير أخرى: لقد غرقت المساحة المزروعة، وذهب المحصول هباءً مع أمطار غزيرة لم تشهد لها الولاية نظيراً منذ أكثر من 5 سنوات. والبصل لا يحتمل أي زيادة في مقدار الري. كي ينقذ ما تبقى، يخبر سرور “أتَـر” بأنه احتسب ما ضاع منه، وآثر إيقاف مشروعه الزراعي هذا العام، وربما يستأنف أعماله حال استقرار الأوضاع في عموم البلاد. 

تشتهر ولاية كسلا بشرق السودان، بتربتها الخصبة وتنوّع محاصيلها الزراعية وجغرافيتها الاستراتيجية، ما جعلها منطقة حيوية تسهم على نحو فعّال في الاقتصاد الزراعي للسودان؛ لكنها  لم تكن بمنجاة من آثار الحرب، ولو أن ظلال القصف والاشتباكات لم تقترب منها بعد. واستقبلت الولاية مئات الآلاف من الفارّين من جحيم الصراعات المسلحة في الجزيرة وسنار والخرطوم، الولايات التي ذاقت مرارات الحرب. 

فضلاً عن ذلك، شأنها شأن ولايات أخرى في السودان، تشهد كسلا خريفاً استثنائياً هذا العام. وقد سجّلت مناسيب مياه الأمطار 118 ملم، وهو ما لم يُسجّل له مثيل منذ سنوات مضت. ويعتمد المزارعون على الري الفيضي لنهر القاش الذي يَعتمد عليه مشروع القاش، وكان وحده في السابق يسد حاجة الاستهلاك المحلي للولاية ويزيد عنها. 

نوتة

تنتج ولاية كسلا عدداً من المحاصيل، مثل الذرة، والقمح، والسمسم، والدخن، والقطن، إضافة إلى المحاصيل البقولية مثل الفول، والعدس، والكبكبي، والخضروات والفواكه، مثل الطماطم، والباذنجان، والخيار، والبطاطس، والبصل، والمانجو، والجوافة، والليمون، والموز. 

ويعتمد المزارعون في ولاية كسلا على أنواع مختلفة من الري، منها الفيضي، عبر القنوات المائية من الأنهار الدائمة مثل عطبرة والقاش بشقّ الترع والكنارات، وهو ما يعتمد عليه مشروع حلفا الجديدة الذي ينتج معظم العام .والري عن طريق الأمطار الموسمية وهو الأكثر شيوعاً. والري عن طريق الآبار، ويُستخدم هذا النوع في المناطق التي تعاني من نقص المياه. والري بالتنقيط، وهو نظام ري حديث يوفر المياه ويحسّن من كفاءة الاستخدام، لكن تطبيقه محدود في الولاية. 

وقد أدّت النزاعات والتفلتات الأمنية إلى نقص حادّ في العمالة الزراعية في الولاية، وارتفاع في أسعار الوقود والأسمدة والتقاوي والمبيدات، وزيادة في تكاليف الإنتاج، كذلك تعرّضت العديد من المزارع والبنية التحتية الزراعية للتدمير بسبب السيول والأمطار الغزيرة، ما أثر سلباً على عمليات الزراعة والحصاد والإنتاج وصعَّب من وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق. لهذا كُلّه يواجه الموسم الزراعي بالولاية هذا العام تهديدات بالفشل، فمنذ التجهيزات الأولى للموسم، عزف العديد من المزارعين عن المشاركة فيه، تخوفاً من توسع رقعة الحرب. أما من بدأوا فعلياً التجهيز للموسم، فلم يتمكنوا من زراعة المساحات المعتادة في الظروف الطبيعية. 

وعلى العكس من سرور، آثر المزارع حامد يونس ألا يخاطر هذا العام، وقرر أن يزرع 15 فداناً فقط، بدلاً عن الـ 350 فداناً التي كان يزرعها في ما مضى، خشيةً من تكرار تجربته في العام السابق، عندما فشل الموسم، وعجزت شركة التأمين عن تعويضه.  

رغم تقليله المساحة المزروعة، يخبر يونس “أتَـر“، بأنّ التكاليف كانت جنونية، فقد بلغ سعر برميل الديزل الواحد 700,000 جنيه، إضافة إلى التفلتات الأمنية في العديد المشاريع، إذ جرى نهب وسرقة الوقود من الكَمْبو خفية أو عنوة، وقد ساعدت وعورة الطرق، بسبب الأمطار والسيول القادمة من الهضبة الإثيوبية، على ظهور التفلتات، مثلما حدّت من قدرة السلطات الأمنية على ملاحقة المتفلتين كما جرت العادة في تأمين المواسم السابقة. وتنتشر الآفات هذا العام مثل الهاموش وأنواع أخرى من البكتريا في غياب جهود المكافحة والمبيدات، فضلاً عن تعفن العديد من الأفدنة المزروعة بسبب غمرها بمياه الأمطار والسيول. 

لهذا، ما زالت الـ 15 فداناً التي زرعها يونس مهدّدة بالفشل. 

وقد غمرت السيول والفيضانات العديد من المشاريع التي تعتمد على الري بالأمطار. أما المشاريع الفيضية مثل مشروع حلفا الجديدة، وما جاوره، فهي أيضاً تواجه مخاطر كسر الترع والفيضانات المصاحبة بسبب زيادة مناسيب الأمطار . 

وشكا العديد من المزارعين من شحّ التقاوي المحسّنة. توقف استيراد التقاوي هذا العام، ما حدا بالمزارعين إلى استخدام تقاوي محلية غير معالجة، أدّت إلى انتشار الحشائش الضارة وآفة الهاموش في محصول السمسم. وحالت صعوبة الوصول للأراضي الزراعية دون تنفيذ أعمال رشّ المبيدات التي ارتفعت أسعارها هي أيضاً بسبب ندرتها 

وتسببت الحرب في خروج العديد من شركات القطاع الخاص العاملة في مجال الزراعة، مثل شركة CTC التي أغلقت مكاتبها في معظم ولايات السودان، ولحق بها مكتب كسلا منذ أواخر العام المنصرم. وبحسب حديث أحد موظفيها، فقد كانت الشركة تُساهم في توفير مدخلات الإنتاج ومتطلبات المشاريع الزراعية حتى مرحلة الحصاد. وبخروجها ومثيلاتها من هذا الموسم، تفاقمت المشكلات التقنيّة، فضلاً عن العوامل الطبيعية. 

وتنبأ خبراء بتداعيات تهدد الموسم الحالي وتنذر بنقص حاد في تغطية الطلب المحلي، خاصة مع الزيادة المستمرة في حجم الطلب واستمرار وفود أعداد غفيرة من الفارّين إلى الولاية بحثاً عن الأمان . 

وحصلت “أتَـر” على أسعار المحاصيل الرئيسة التي تنتجها الولاية. وقد شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية، فقد بلغ سعر جوال السمسم 250,000 جنيه، وكان سعره في العام الماضي 100,000 جنيه، أما الذرة الرفيعة فقد بلغ سعر الجوال منها 170,000 جنيه، مقارنة بـ 40,000 جنيه في العام الماضي. وسجّل القمح  160,000 جنيه، بينما وصل أعلى سعر له العام السابق 50,000 جنيه، وبلغ سعر جوال الفتريتة 100,000 جنيه، مقابل 25,000 جنيه العام الماضي. تجدر الإشارة إلى أن هذه الأسعار قد ارتفعت أثناء الموسم الزراعي، وقبيل الحصاد، ومعظم المحاصيل المعروضة بالسوق من إنتاج الموسم السابق. 

 متحدثاً لـ “أتَـر” عن أبرز التحديات التي واجهتهم منذ بدء الصراع المسلح، يروي مدير سابق لفرع إحدى الشركات العاملة في المجال الزراعي التي جمّدت نشاطاتها بالبلاد. نقلت الشركة التي تستهدف المشاريع الكبيرة والصغيرة مقارها الرئيسة من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة لتُباشر أعمالها منها، وبعد اجتياح الأخيرة من قِبل قوات الدعم السريع، وقبل اكتمال الترتيبات لنقل مقر الشركة إلى إحدى الولايات الآمنة، حدّ الارتفاع الهائل في سعر الدولار وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج من قدرة الشركة على الاستمرار. 

أصبحت مواصلة العمل مخاطرة برأس مال الشركة في ظل الحرب، وقد بدا ذلك جلياً في موسم 2023، لذا آثرت الشركة تجميد نشاطاتها في عموم البلاد، وسرّحت معظم موظفيها والمهندسين والعمال”، يقول متحدثاً لـ “أتَـر”.  

مصدر من وزارة الزراعة بالولاية، قال متحدثاً لـ “أتَـر”، إن الوزارة تقدم ما باستطاعتها للمساهمة في إنجاح الموسم الزراعي، وإن عدم استقرار الأوضاع الأمنية في عموم البلاد، تسبب في معوقات عدة، أبرزها ما يتعلق بتأهيل البنى التحتية والطرق وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة من تقاوي وأسمدة ومبيدات وتقنيات الحراثة المستحدثة والحصاد.  

ورغم أن بعض البنوك لم توقف عمليات التمويل الزراعي، إلا أنّ عزوف بعض المزارعين مبرَّر، بحسب المصدر الحكومي، خاصة مع الارتفاع الهائل في سعر الوقود، والذي يعد أساس العملية الزراعية بدءاً من النظافة مروراً بالحراثة وانتهاءً بالحصاد. 

Scroll to Top