نَشَر نفرٌ كريمٌ من أطباء السودان وعلمائه في «لانست»، عمدة المجلات الطبية البريطانية، في 24 سبتمبر الماضي، تعليقاً قصيراً أثبتوا فيه هول مصاب شعوب السودان في الحرب القائمة، وجاءوا بالأرقام التي تتداولها المنظّمات الدولية عن القتل والمسغبة والمرض والتهجير والاغتصاب والتعذيب وخراب الزرع والإنتاج. ونقلوا ضمن ما نقلوا عن مدير منظمة الصحة العالمية، الذي زار بورتسودان في سبتمبر، أنّ المنظمة لم تستطع تأمين سوى 24% من التمويل الذي طلبته لمجابهة الأزمة الصحية في البلاد. اقترح هذا النفر الكريم ذوو التجربة والخبرة في الخدمة الصحية العامة وعلومٍ سريريّةٍ ذات صلة، منها طبُّ الأطفال وطبُّ النساء والولادة والأمراض المُعْدية وطبُّ المناطق الحارّة والجراحة، خطةً محيطةً لمجابهة الاحتياجات الإنسانية العاجلة والتهيئة للتعافي طويل الأمد.
الخطة المقترحة ذات أهداف قابلة للقياس حول سبع مسائل: التغطية الإعلامية الدولية الضّنينة للحرب، النزوح واللجوء، الماء غير الآمن ونظافة البيئة، تهديد المجاعة، انهيار البنى التحتية للرعاية الصحية، العنف الجنسي المرتبط بالصراع، ضعف العون الإنساني الدولي. وقالوا إنّ محاولات مجابهة الحاجات الصحية العاجلة لا بدّ أن تتّصل بجهود إعادة الإعمار بعد نهاية الصراع في سياق واحد لتحقيق تَعافٍ مُستدام.
جاء هؤلاء النفر العزيز إلى الكارثة القائمة بعبارة مهنية دمثة، وسلسلة من الإجراءات التي يمكن القيام بها وقياس فاعلية تنفيذها، مسألتُهم فيها ترميم وإصلاح نظم المياه والمراحيض، والعون الغذائي، واستعادة الإنتاج الزراعي، وترميم منافذ الخدمة الصحّية، وتشغيل العاملين في القطاع الصحي وتدريبهم، وغير ذلك من أوجه الحياة. الافتراض المُضمَر لتحقيق جميع هذه الأهداف بطبيعة الحال هو استعادة الأمن. ورصَد النفر الكريم هذا الشرط بعبارة «ممرّات آمنة» للنازحين واللاجئين و«مواقع آمنة» لخدمة من تعرّضوا للعنف الجنسي، وتفادوا خلال ذلك الخوض في عقدة الحرب، وامتثلوا بذلك لحياد مهنيّتهم في الأخذ بأسباب الحياة حيث توفرت، لحن الحياة، وصمتوا عن سواها، وأحسنوا بذلك وما ضرّوا. لم يَرد العارض الحربيّ إلا في موقع وحيد، وذلك في ذكرهم تأثير التغطية الإعلامية على قرارات صانعي السياسات واستعداد الطرفين المتحاربين للتفاوض.
لكن، كيف يُنفّذ هذا الشرط الغائب؟ جاءت على كلّ حال إجابة ظاهرة من اللاجئين في فيصل القاهرية، ومن جمهور في كسلا ودنقلا والفاشر وعطبرة والدامر وبورتسودان والأبيّض، احتشدوا محتفلين مستبشرين بالتقدّم العسكري للقوات المسلحة في مسارح حرب الخرطوم. سَقِم بفرحهم متحدّث الدعم السريع فقال «فلول» صرف. وسَقِمت متحدّثة «تقدّم» السابقة فكتبت «أفراح بني معلوف»، كناية عن البهائم. وكتَب آخِرُ العقدة في الذي بين أولاد البحر وأولاد الغرب من غبينة، فأخرَج من حيث لا يدري «كيكل» ونفره من البحر، والمشتركة ونفرهم من الغرب، ليصفو له طرفا التناقض. وسَقِم كذلك الزعيم في «تقدّم»، خالد عمر يوسف، بهذه الأفراح، واعتمد معسكرَيْن، أنصار الحرب وأنصار السلام، وتفسيرهما بالسابقات معارضي «تقدّم» وأنصارها. جعل الأفراح من شأن أنصار الحرب، وقال شاهت نفوسهم بالأهوال وعُملَتهم بذلك «ما بِتْسِير».
لا يغيبُ عن القارئة الفَطِنة أنّ ثوب كلّ قياس فات يَقْصُر عن تغطية عورة حربنا «العبثية»، وقد وقعت ودخلت «كلّ دار، كلّ ممشى». فكم من «فلولي» يحارب تحت رايات الدعم السريع، والدعم السريع كان ضلعاً عظيماً في هندسة «الفلول» الأمنيّة، وكم من «ثوري» يقاتل في صفوف القوات المسلحة، و «مورال» المشتركة في الدفاع عن الفاشر المحاصرة منذ شهور لا يضاهيه «مورال». الحرب أقصى درجات الصراع الاجتماعي، بعبارة ماو زيدونغ، وليس ثمة جبل يأوي إليه من يطلب اعتزالَها المجيد فلا يبلغه طوفانُها، فما حِسْبَتُها إذن؟ لن نبلغ تمام هذا الحساب على طريقة «الإجابة الصحيحة» و«كل ما سبق». لكنّ نفوساً في الجنينة والفاشر والضِّعين وود النورة والحلفايا وأم درمان وسواها، على امتداد البلاد، تنتظر في سفينة نوح أن تحلّق بومة منرڤا، بومة الحكمة، عند الغسق، وقتما تنجلي المعركة، لتعرف بأيّ ذنب قتلت.



