بعد مرور شهر على العمليات الحربية التي شنّتها القوات المسلحة، في العاصمة الخرطوم، وعبورها من ناحية أم درمان صوب الضِّلعَين الآخرين للعاصمة المثلثة، لتسيطر لأول مرة على مواقع مفتاحية بالمقرن؛ باتت «جزيرة توتي» تعيش على وقع تصعيد عسكري عنيف. وبحسب شاهد عيان استطاع النجاة بنفسه والخروج من الجزيرة، نشطت عناصر قوات الدعم السريع – التي تسيطر على الجزيرة ومداخلها منذ شهور الحرب الأولى – في مداهمة المنازل ونهب ما تبقى من مخزون الطعام من المنازل وإحكام الحصار على السكان. ومع ازدياد عدد الوفيات بسبب التضييق الشديد، تعيش الجزيرة تحت تعتيم معلوماتي، ويطوف أفراد الدعم السريع، لمصادرة الهواتف النقالة.
تبلغ مساحة جزيرة توتي 990 فداناً، ويبلغ عدد سكانها حوالي 25 ألف نسمة. وتُعدّ واحدة من أبرز معالم العاصمة الخرطوم وإحدى أقدم مناطقها. موقعها الذي يتوسط العاصمة عند التقاء النيلين الأبيض والأزرق، بات وبالاً عليها، وجعلها تحت نير اشتباكات طرفي الحرب، لتنخفض نسبة السكان الآن إلى 1%. وحسب آخر تحديث لكشوفات الموجودين داخل الجزيرة، اطّلعت عليه مجلة «أتَـر»، فإنّ عدد الذين ما زالوا في الجزيرة أقل من 100 شخص، انقطع الاتصال بأغلبهم نتيجة لسرقة هواتفهم المحمولة من قِبل قوات الدعم السريع.
ومنذ الشهور الأولى لاندلاع الحرب، ربطت قوات الدعم السريع على خاصرة الجسر الرابط بين الجزيرة ووسط الخرطوم، ومنعت الأهالي من الدخول والخروج لجلب احتياجاتهم، وعطّلت القوارب النهرية ثم أغلقت الطرق الداخلية ووضعت ارتكازاتها على أبواب أزقتها.
تضييق على خناق الجزيرة
يقول أحد الناجين من جزيرة توتي إلى الولاية الشمالية متحدثاً لـ «أتَـر»، وقد استطاع الخروج من الجزيرة قبل حوالي أسبوع، إنه جرى إغلاق المحلات التجارية ونهب ما تبقى من مواد غذائية، أما التكايا التي كانت تعمل يومياً معتمدة على تحويلات أبناء توتي في الخارج، فتوقف بعضها عن العمل بسبب انعدام الغاز والحطب ونهبها من قِبل قوات الدعم السريع، مع تقييد حركة المارة الباحثين عن الطعام والماء وتهديدهم بالسلاح وجلدهم بالسياط.
يقول الناجي إنّ أعمار جنود القوات الموجودة بالجزيرة صغيرة، ويضربون الشيوخ والنساء دون مراعاة للمرضى وكبار السن.
وعلى الرغم من فيضان النيل هذا العام، إلا أنّ سكّان الجزيرة عانوا من العطش، واضطروا إلى حفر آبار صغيرة داخل وخارج المنازل في المواقع المنخفضة، بينما تعرّضت محطة مياه جزيرة توتي لتلف في الخط الناقل من النيل إلى المُرسّبات إثر قصف مسيرات استهدفت عربات قتالية تابعة لقوات الدعم السريع.
نُهِب المركز الصحي والصيدليات والعيادة الخارجية. يقول الناجي: «حاولت بعض القوات المتمركزة منعي من الذهاب إلى الصيدلية بحجة أنها مغلقة، لكن ذلك لم يمنعني، وحين وصلتُ وجدتُها مُقتحمة ولم أجد المحاليل الوريدية فاضطررتُ لمداواة والدي الذي يعاني من انخفاض الضغط بشرب القهوة».
ونتيجة للحصار المُحكم بين شهري سبتمبر وأكتوبر من العام الجاري، انتشرت داخل الجزيرة موجة من الحمّيات الخطيرة التي أدّت لوفاة العديد من الموطنين بمعدل 5-10 من المواطنين في اليوم. وبحسب غرفة الطوارئ الصحية بجزيرة توتي، فقد انتشرت حالات الملاريا والتايفويد والتهابات البول والحمّيات وملتحمة العين وسوء التغذية وسط الأطفال وكبار السن. وسُجّل ما يُقارب 500 حالة وفاة حسب التقرير الذي نشره أبناء توتي عن حالات الوفيات داخل الجزيرة وخارجها.
اعتقالات ومفقودون
في التاسع من أبريل 2024، تناوب أفراد من الدعم السريع على اغتصاب فتاة تحت تهديد السلاح. وعقب صلاة عيد الفطر تجمَّع عدد من المواطنين السلميين داخل مسجد توتي للاحتجاج على الحادثة، فاعتدت عليهم قوات الدعم السريع، ما تسبّب في مقتل شخص وعدد من الإصابات. وتلت تلك الحادثة اعتقالات عدة، وتوفي عدد من المعتقلين دون أن يعلم ذووهم بوفاتهم إلا بعد شهرين. وما زالت مجموعات توتي على الفيس بوك تعلن الحداد على المتوفين داخل المعتقلات الذين تظهر أسماؤهم تباعاً، بينما ما زالت المعتقلات تحمل بجوفها عدداً كبيراً منهم. وقال محمد عيد الذي خرج حديثاً من المعتقل في بثّ مباشر على مواقع التواصل، إنّ عدد المتوفين داخل المعتقلات حالياً حوالي 16 معتقلاً.
بحسب شهاداتٍ من سكّان الجزيرة حوّلت الدعم السريع الجزيرة إلى معتقل كبير، تدفع فيه الأموال نظير الخروج من الجزيرة. وباتت مداخل الجزيرة توصد وتغلق، كيفما شاءت عناصر الدعم السريع يتربحون ملايين الجنيهات نظير الخروج منها وتارة أخرى يجعلون من المواطنين دروعاً بشرية، لذلك تعدّدت مهاراتهم في الخروج من الجزيرة حفاظاً على حياتهم.
مسارات الإجلاء
يقول عمر كباشي أحد المشرفين على عمليات إجلاء السكان متحدثاً لـ «أتَـر»، إن ترحيل مواطني الجزيرة، يجري بواسطة قوات الدعم السريع، مقابل دفع مبلغ يفوق المليار ونصف المليار جنيه، تُحدَّد بحسب عدد الأسر وقيمة تصاديق الخروج، وربما بحسب رغبة ضابط الدعم السريع الذي يقود العربة. تمرّ عملية الإجلاء عبر محطات مروراً بأحياء (الديم) و(الحاج يوسف) و(أم ضواً بان) حتى مدينة شندي بولاية نهر النيل.
وأكّد كباشي وصول حوالي 200 أسرة إلى أم درمان، عقب العمليات العسكرية الأخيرة للجيش، وأن عمليات الإجلاء أغلبها قد تمت بواسطة أبناء جزيرة توتي بالخارج، بمساعدة غرفة طوارئ ولاية الخرطوم المركزية، إضافة إلى المنظمات.
قبل حوالي سنة، ووسط أصوات الرصاص وأزيز الطائرات غادرت سلوى فجراً جزيرة توتي ووقع أقدامها يسير في خطّ متوازٍ مع وجيب قلبها وهي تلتفت مذعورة من أصوات الدرّاجات البخارية التي يستقلها أفراد الدعم السريع، بينما تركض بسرعة جنونية داخل أزقة توتي المتداخلة. تقول سلوى متحدثة لـ «أتَـر»: «شعرتُ بأن روحي قد انتزعت مني عنوة». واستقلّت سلوى وعدد من الأسر المراكب صوب مدينة بحري، لتستقر عند الجهة الشرقية للنيل وتبدأ رحلة المسير والمبيت في (شمبات الحلة).
أما رويدا عثمان الشيخ فقد خرجت في يونيو 2023، عبر معدّية أم درمان بمعية أطفالها وأقاربها. «قذفت بنا (الفُلوكة) على اليابسة قرب مسجد النيلين بعدها اضطررنا إلى الدخول تحت كوبري خور أبوعنجة وسط حشائش وفضلات بشرية»، تقول رويدا متحدّثة لـ «أتَـر» ثم تضيف: «على الرغم من الموت الذي يُحْدِق بنا في توتي، إلا أن أم درمان لم تكن بأحسن حال، فقد كانت خالية تماماً وأثناء سيرنا نحو الفتيحاب صادفتنا أشلاء الجثث المتفحّمة والكلاب تأكل منها».
لكن سجى عبد الله لم تدرك أن خروجها من توتي للمرة الأولى في العام الأول للحرب، كان عبارة عن تمرين قصير لخروج خطير وأخير من الجزيرة. حكت عنه لـ «أتَـر»: «تسلّلتُ وحدي وأنا أحمل طفلتي بين يدي، بينما أقود ابني من ساعده في صباح قارس البرودة»، لكن خروجنا للمرة الثانية كان عقب حادثة الاغتصاب في أبريل الماضي: «أحسَستُ بأن البقاء ثانية واحدة أخرى تشكّل خطراً جسيماً على نفسي، خاصة أنّ الأوضاع بالجزيرة باتت مزرية، فلا ماء أو طعام، فما كان مني سوى النزوح دون ترتيب، وفي السادسة صباحاً توجّهت صوب شجرة الحرازة وحدي، بعد أن خبرت طريقي جيداً إلى شمبات».
متحدثاً لـ «أتَـر» يحكي أحد سائقي المراكب بمشرع أم درمان الذي يقع قبالة شاطئ الموردة وتنطلق منه (الفُلوكات) إن قاربه كثيراً ما كان عرضة لقناصي الدعم السريع الذين يعتلون داخلية علي عبد الفتاح أو مطعم الحوش على الضفة الغربية بأم درمان. يقول: «بعد أن يسدل الليل أستاره، في تمام الثامنة مساء أتحرّك من القيفة من أجل إخراج المصابين إلى مستشفى السلاح الطبي».
لكن حدث أن رفضَت قوات الدعم السريع خروج سيدة مصابة من الجزيرة إلى السلاح الطبي لتلقي العلاج، لكن أصرّ مرافقوها على وإخراجها ليلاً، نتيجة ذلك أقدمَت قوات الدعم السريع على إغراق القارب الوحيد الذي كان يمدّ الجزيرة، واعتقال سائقيه واقتيادهم معصوبي الأعين، وأطلق سراح أحدهم بينما لم يخرج الآخر، ويدعى محمد خوجلي منذ ما يقارب العام ونصفه، ولم تره والدته التي توفيت أثناء انتظاره، بينما لا يزال والده المسنّ الذي يعتمد عليه ينتظره آملاً في عودته.



