في بيتٍ عرشُه من خرق القماش، ويحوي بعض الأسرّة الحديدية التي تَخِزُ الأجساد التي أتعبها الترحال قسراً، تعيش أسماء آدم وأبناؤها الثلاثة، بأبوكرشولا في جنوب كردفان بعد رحلة نزوح من جبل الداير في شمال كردفان: الأول رضيع، والثاني في الثانية من عمره، والثالثة بنت عارية القدمين وترتدي فستاناً مكشوف الظهر أكل عليه الدهر وشرب، وذراعاها الرقيقتان تشيران إلى أعراض سوء التغذية.
هذا ما تبقّى لها من أطفالها بعد أن فقدت طفلتين في رحلة نزوحها.
عقب سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة جبل الداير، وهي محمية طبيعية شمالي كردفان، وارتكابها انتهاكات في حقّ المواطنين، نزحت أسماء إلى مدينة أبوكرشولا بجنوب كردفان، قاطعة حوالي 37 كيلومتراً جنوباً.
في بداية الأمر حملوا المُؤن إلى الجبال، وعاشوا هناك عدة أيام دون ماء، فإما أن تموت عطشاً أو تخترق صدرك رصاصة أو تتعرض لقصف طيران الجيش، أثناء البحث عن جرعة ماء. غادرت أسماء ومن معها والجثث تملأ الأركان والثرى تفوح منه رائحة دماء جفّت على الأرض.
بصحبة صغارها، هبطت هي وأخواتها المتزوجات وأمّها إلى منطقة أبي كرشولا، وتنقلن في مدارس وبيوت مجهولة، أو تحت ظل شجرة نيم بارد تحيط بها الحشائش الشوكية. شبح الجوع يطلّ، فتطرده بطبخ حفنة ذرة على قِدر أوقدته نارَه بالحطب، دون ملح أو سكر.
فقدت أسماء ابنتين، بسبب سوء التغذية الحاد، لم تصمد الطفلتان طويلاً، كفّنتهما بعباءة سوداء ممزّقة. أرادت أن تعلم زوجها بوفاتهما، فتوجّهت إلى أقرب مركز ستارلينك، وطلبت من أحدهم الاتصال عبر هاتفه لتخبر زوجها الغائب منذ سنة ونصف. حينما استقبل زوجها الخبر ظل صامتاً، ولم يزد عن قوله: «بتحرّك عليكم بكرة».
وصلت أسماء مع جموع النازحين والنازحات من جبل الداير إلى أبوكرشولا، والمدينة رغم أنها ما زالت تحت قبضة الجيش، لكنها تواجه ظرفاً اقتصادياً سيئاً، وجغرافيا المنطقة الجبلية ذات الخيران الموسمية تشكّل بيئة مناسبة لانتشار الملاريا. وقد زاد الوضع تعقيداً صعوبةُ ترحيل المواد الغذائية إلى المدينة، وعجز المنظمات عن تغطية أجزاء البلاد الممتدة.
من يساعد أسماء في مأساتها! وكم يا ترى من أسماء بالمدينة!
تحدّق بعيداً في اللاشيء، وترقد على بساط من السعف، تربط شعرها بـ «طرحة» قديمة، ينام قربها طفلها الرضيع بلا رداء، لا تملك سعر ملوة من الذرة وقد زاد سعرها من أربعة آلاف جنيه إلى اثني عشر ألف جنيه، وطحنها يكلف ألفي جنيه.
وجدت أسماء البديل، حفنة ذُرة تكفي، لكنها لا تدرّ لبنا لطفل في شهوره الثلاثة الأولى.
تواجه أسماء جنون الأسعار بالصبر. والتجّار يضعون في سعر السلعة فواتير وإيصالات لدعم الجيش، وخصومات من جيش الحركة الشعبية، تُضاف إلى فاتورة المشتري.
بالنسبة لها، لا فرصَ لعمل منزلي أو مصانع بسيطة، أو تسويق، فمدينة (أبوكرشولا) مكتظّة بالناس، وتصلها البضائع من ولاية النيل الأبيض في رحلة شاقّة تستغرق شهراً على الأقل.



