أتر

في شمال دارفور: نازحون من الفاشر يزرعون رغم الحرب

دفعت حرب 15 أبريل حوالي ثلثي سكّان مدينة الفاشر وبعض محلّيات شمال دارفور التي تقع في مرمى النيران إلى النزوح نحو القرى الصغيرة. لكن ربّ ضارّة نافعة، فمع سوء الوضع الاقتصادي، استغَلّ أولئك النازحون أراضيَ كانت جرداء لسنين خلت، وأحالوها إلى واحات من الخضرة رغم الصِّعاب.

تُزرع محاصيل الغلال في شمال دارفور للاستهلاك المحلّي فقط، وهي مُتوفّرة بكثرة، لكنّ أسعارها تتضاعف عند باكورة كُلِّ فصل خريفٍ مُقارنةً بأسعارها وقت موسم الإنتاج في الولاية في الشتاء، إذ يتراوح سعر رُبع الذرة في موسم الحصاد «الدَّرَت» بين 4 و6 آلاف جنيه، أما عند بداية فصل الخريف فيتراوح سعره بين 20 و40 ألف جنيه، حسب نوع الذرة.


تبلغ مساحة الأراضي الزراعية بولاية شمال دارفور أكثر من 5 ملايين فدان، وتمتاز بأنواع مُتباينة من التربة، تُزرَع بعضها مطريّاً وبعضها الآخر بالري بالآبار الجوفية. تَجْمَع شمال دارفور بين الزراعة ورعي الماشية، وكلاهما يُشكّلان فارقاً في الأمن الغذائي بالولاية، إذ يَزرع السكانُ الذّرة والدخن على نحوٍ رئيسٍ للاستهلاك المحلي فقط، تليهما زراعة الفول السوداني والسمسم والبطيخ، وغيرها من المحاصيل النقدية الأخرى. نجَحَت الولاية في زراعة حوالي 4 ملايين و237 ألف فدان لموسم 2023-2024 من جملة أراضيها.

وتضم شمال دارفور عدداً من المشاريع الزراعية المرْوية بالآبار الجوفيّة هي: مشروع ساق النعام الزراعي في محلية كلمندو، ويبعد عن الفاشر بنحو 40 كيلومتراً، وتبلغ مساحته حوالي 150 ألف فدان، وقد أُسِّس عام 1968، وهو مشروع حكومي طوّره الرئيس الليبي السابق معمر القذافي بحفر قرابة 35 بئراً جوفيةً، لتَستأجر الحكومة مساحاته للمُستثمرين المحليِّين، وتُزرع فيه الذّرة بأنواعها المختلفة والمحاصيل البستانية والبقوليات مطريّاً، وبالري من الآبار الجوفية في الصيف. ويُعَدُّ المشروع أحد أعمدة الإنتاج الزراعي بالولاية؛ هذا إضافة إلى مشروع أم بياضة الزراعي في محلية المالحة بولاية شمال دارفور، ويُنتج الذرة والمحاصيل البستانية الأخرى وأهمّها الطماطم، التي تُصدَّر إلى بقية المناطق القريبة من المحلية؛ وكذلك مشروع أبو حمرة الزراعي في وحدة شنقل طوباي الإدارية التابعة لمحلية دار السلام بشمال دارفور.

وتُغذّي بساتين مدينة كُتم الفاشر بالفواكه والخضروات وبعض المنتجات الغابية الأخرى، وهي بساتين خاصة أنشأها السكّان هناك بحفر آبار لتطوير زراعتهم بمجهودهم الخاص.

وبحسب مسؤولٌ بالمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، تحدث لـ «أتر»، فإنّ الولاية شهدت تغييراً كبيراً في الإنتاج الزراعي خلال الأعوام الأخيرة بسبب التغيّر المناخي وشحِّ الأمطار، إذ تراجع إنتاج المُخَمَّس الواحد (فدان وربع) من 5 جوالات إلى 4.

عودة إلى الزراعة

كمال الصادق، موظّف حكومي، أجبرته الحرب على النزوح من الفاشر حاضرة شمال دارفور إلى محلية كلمندو جنوب شرق ولاية شمال دارفور، روى لـ «أتَـر» قصَّتَه مع الزراعة بعد العودة إلى قريته التي غادرَها قبل 45 عاماً. تحدّث الصادق عن صعوبة العمل الزراعي بعد الانقطاع الطويل، وقال إنه رغم ذلك تمكّن من زراعة بعض المساحات من الأراضي الرملية «القيزان» والطينية «الوادي أو النيل». وأضاف، بعد تنهيدة وابتسامة شاحبة، أنّ إنتاج القوز قد فشل بسبب غزارة الأمطار وقِصَر فترة هطولها، فتَراجَع إنتاج المخمّس الواحد بواقع جوالين للفول ونصف جوال للذرة، ذاكراً أن فترة الحصاد في القيزان قد انتهت منذ نهاية ديسمبر الماضي.

لم تعد الحلول التقليدية كافية لمواجهة الأزمة، ونحتاج إلى تدّخل تقني باستخدام وسائل حديثة مثل «الطائرات بدون طيار»، لرصد تحرّكات الطيور، بجانب استخدام الأساليب البيولوجية التي تحدّ من انتشارها

وتُواجه محلية كلمندو بولاية شمال دارفور أزمة زراعية غير مسبوقة، بسبب انتشار آفة الجراد والطيور التي تُهاجم المحاصيل الزراعية بكثافة، منذ بواكير الخريف وحتى الآن. وعلى الرغم من الجهود الشعبية الكبيرة التي تقودها الإدارة الأهلية في تنظيم حملات المكافحة، بقطع الأشجار الكبيرة داخل المزارع وحرق المتسلّقة منها، فضلاً عن التسميد ورشّ المبيدات، لا تزال المخاطر تُهدّد الموسم الزراعي.

وأخبرت ماجدة إبراهيم، مزارعة من كلمندو، مراسلة «أتَـر» أنهم في سباق مع الزمن، وفي حال لم تتوفّر لهم حلول أفضل، فإنهم سيخسرون الموسم الزراعي. أما الخبير الزراعي عبد الله محمد، فيقول إنّ الحلول التقليدية لم تعد كافية لمواجهة الأزمة، مُعرباً في حديثه لـ «أتر» عن حاجتهم إلى تدّخل تقني باستخدام وسائل حديثة مثل «الطائرات بدون طيار»، لرصد تحرّكات الطيور، بجانب استخدام الأساليب البيولوجية التي تحدّ من انتشارها. وطالب المنظمات الإنسانية بدعم المزارعين، ليس في عملية مكافحة الطيور، إنما من خلال توفير المساعدات الغذائية الطارئة في حال فشل الموسم الزراعي لتفادي الفجوة الغذائية التي قد تَنتج عن فقدان المحاصيل، إذ يعتمد السكان بوجهٍ أساسي على الزراعة لتلبية احتياجاتهم.

أما الوديان التي يستغلها المزارعون في شمال دارفور، فقد تأثّرت بطول فترة جريان المياه التي وصلت إلى 50 يوماً، ما أدّى إلى تقليل جودة التربة، هذا فضلاً عن انتشار الحشائش على نحوٍ يجعل من مُكافحتها أمراً عسيراً، مع صعوبة توغّل الآلات الزراعية داخل الأراضي الطينية المغمورة بالمياه. لذلك تراجَع إنتاج المخمّس أيضاً وطالت فترة الزراعة والحصاد، ما جعل المزارعين يتخوّفون من بدء فترة إطلاق الماشية قبل الحصاد الكامل. وأشار الصادق إلى أنّ جميع أراضي الوادي الزراعية لم تُستغلّ لسنوات طويلة بسبب هجرة أصحابها إلى داخل المدينة، واستُزرعت بعد عودتهم؛ العودة التي بثّت في أنفسهم التفاؤل بأن يكون إنتاج هذا الموسم مُختلفاً.

تتوفّر الأراضي والعمالة بكلمندو، ولا سيما بعد النزوح، إلا أن الصادق وأقرانه يواجهون أزمة في توفر النقد. «أجبرنا شحّ السيولة على العمل بأنفسنا، إذ يزرع كلٌّ منا مساحة ضيقة بقدر استطاعته»، يقول الصادق، ثم يضيف: «كنا نتوقع إنتاجاً أفضل وأكبر هذا العام، لكن العوامل الأخرى حالت دون ذلك».

من أكبر المحلّيات التي تزرع الدخن في شمال دارفور، هي كبكابية وسرَف عُمرة والسِّريف والطينة وأمبرو وأجزاء من محلية ملّيط، وتمدّ الولايةَ قاطبة بالدخن الذي يُعد محصول الغذاء الأول فيها. لكن لم تُزرع معظم هذه الأراضي هذا العام بسبب النزوح المتكرّر، خاصة المناطق الغربية للولاية، وبعض المحليات المتاخمة لصحراء شمال دارفور بسبب وجودها في مناطق الكرّ والفرّ بين القوات المشتركة وقوات الدعم السريع. أما المحليات الجنوبية القريبة من الفاشر فتجمع بين زراعة الذرة والدخن وقليلٍ من الفول السوداني والسمسم، بينما يُزرع بالمناطق المُتاخمة لشرق دارفور الفول السوداني لتغطية حاجة الولاية وتصديره إلى ولايات السودان الأخرى.

بين الرعاة والمزارعين

في حال حدوث حالات طليق (إطلاق الماشية في المزارع)، فإننا نلجأ إلى عقد صلح بين المزارع والراعي، بعد أن يدفع الأخير غرامة لتعويض الضرر، إذ يُعوّض المزارع عن ثمن البذور الذي قد يصل إلى جوال واحد، ويكون بسعره في موسم الإنتاج، أي أقل من سعره أثناء الخريف بثلاثة أضعاف، وهذا التعويض غير مُجزي

وفي ما يتصل بإطلاق الماشية «الطِّلِيق» في المزارع أثناء الموسم الزراعي، يقول إبراهيم أحمد، وهو شيخ حلة «عِد البيضة» إنّ الطليق بمحلية كلمندو غالباً غير مقصود من الرعاة، بعكس بعض المناطق الأخرى التي يكون فيها متعمّداً، مشيراً إلى أنه في حال حدوث حالات طليق، فإنهم يلجأون إلى عقد صلح بين المزارع والراعي، بعد أن يدفع الأخير غرامة لتعويض الضرر، إذ يُعوّض المزارع عن ثمن البذور الذي قد يصل إلى جوال واحد، ويكون بسعره في موسم الإنتاج، أي أقل من سعره أثناء الخريف بثلاثة أضعاف، واصفاً هذا التعويض بغير المُجزي.

إلى هذا، أشار أحد المزارعين إلى أنهم الضحايا في جميع الأحوال، قائلاً: «حصاد تعب شهور، وتوقّع إنتاج كبير، تقضي عليه الماشية في ليلة واحدة، والتعويض قيمة التيراب فقط!».

وأخبر المزارع أحمد آدم، من محلية دار السلام جنوبي الفاشر، في حديثه لـ «أتَـر» بإخطار الإدارة الأهلية للمزارعين بضرورة الإسراع في جمع محاصيلهم قبل وقت كافٍ من الطليق. وأضاف أنهم استطاعوا جمع محاصيلهم في ديسمبر، باستثناء ما زُرع في الوديان. ومما دفعهم إلى الإسراع في الحصاد، الخوف مما سماها «المليشيات العربية المُساندة للدعم السريع»، التي كانت تُطلق ماشيتها في المَزارع، إلى جنوب دارفور، بعد نهب ثروات الرعاة واجتياحها مَزارع محلية دار السلام، ما يُحدِثُ تخريباً جزئياً للموسم هناك. ولفت إلى أنّ إنتاج هذا الموسم من الفول قليل مقارنة بالأعوام السابقة، نسبةً لضعف توزيع مياه الأمطار هذه السنة. وقال إنّ سعر جوال الفول السوداني الآن يتراوح بين 15 و17 ألف جنيه سوداني داخل سوق المحلية.

متحدثاً إلى مراسلة «أتر»، قال أحد التجار بمحلية اللِّعيت جار النبي التابعة لشمال دارفور، وهي منطقة جمع المحاصيل وتصديرها إلى محلية الدبّة، إنّ قوات الدعم السريع منعت تصدير محاصيل الفول السوداني والسمسم والتسالي «حَبّ البطيخ» إلى مناطق سيطرة الجيش، فانخفض سعر الطنّ من المحاصيل بالمنطقة إلى أقل من ربع أسعارها بمحلية الدبة. وعبّر عن أسفه حيال ما وصفه بالتكدّس الرهيب للمحصول بمناطق الإنتاج والشحّ الحادّ بمناطق الاستهلاك. وأضاف أنّ المُزارع يتعَبُ أشدّ التعب خلال فترة أقلّها خمسة أشهر، ومع ذلك يحصل على حفنة جنيهات، جرّاء الحظر، لا تسدّ جوعه ولا تكفيه لشراء ما يحتاج إليه.

Scroll to Top